فهرس الكتاب

الصفحة 523 من 3028

5-يتهم العقل العربي بالتخلف وهو في الغالبية الساحقة برئ من أغلب التهم فإذا تكلم الجهلاء والحمقى والانفعاليون انتقدنا العقل العربي، وإذا تصارع أهل العصبيات العلمية والأهواء والمصالح والمأجورون حملنا العقل العربي الآلام والمعاناة والمهازل وإذا غابت المعاهد العلمية المتميزة أو ضعفت ميزانياتها قلنا بأن العقل العربي لا ينتج ولا يبدع، وإذا سيطر أهل السياسة على أهل العلم واضطهدوهم وأسكتوهم قلنا لماذا لا يتكلم العقل العربي؟ ولا شك أن العقل العربي المسلم أرقى بكثير من العقل الشيوعي والعقل الرأسمالي والعقل النازي الخ فنحن أكثر معرفة منهم بالله سبحانه وتعالى وصفاته وأسمائه ونحن نعرف علم التوحيد، وعلم الحرية وعلم العدل وعلم التربية الصحيحة الخ فنحن بلا مبالغة أساتذة العلم الفكري، وهم يجهلون أساسيات هذه العلوم، أما مرارة واقعنا فهي راجعة لعدم التزامنا بعقلنا، فنحن نفضل عليه المعاصي من أهواء وعصبيات وشهوات وكسل وتبذير، وما أقوله لا يتعارض مع حاجة بعض المسلمين الملتزمين لتعديلات تزيد من نسبة التفكير والحوار والاجتهاد والفهم الصحيح للواقع، كما أن العقل العربي أثبت"كفاءته"في العلوم المادية بدليل تميز نسبة لا بأس بها من العرب في العلوم والهندسة عندما عملوا في مختبرات الدول الغربية، فالعقل العربي يحتاج البيئة الصحيحة، وهو لا يشكو من عجز بل من عدم الرغبة في الاحتكام إليه، وما ينقصنا كأمة وشعوب هو الإخلاص والعمل لا العقل.

6-من الأدلة التي تثبت أن العقل العربي متطور نسبيا هو أن نسبة عالية من السياسيين العرب لديهم فهم صحيح لواقع السياسة الإقليمي والعربي والعالمي، فهم يتصرفون بعقلانية، ومن الخطأ والظلم أن نسلط الأضواء على الانفعالات السياسية الشعبية، فمن الطبيعي أن يتصرف العامة بانفعال وسطحية، وهذا أمر يحدث حتى في الدول الغربية خاصة في وقت الأزمات التي تتعلق ببلادهم، وبالتالي فمن الطبيعي أن يتصرف عامة العرب بانفعال، لأن واقعهم مرير ومعقد، وفيه استفزازات كثيرة ودكتاتورية وكذب ومكر للأعداء ....الخ وإذا تميز العقل الغربي عنا في هذا المجال فذلك راجع لتوفر المعلومات والمعاهد العلمية والتنظيم الإداري، كما أن من المهم أن نذكر أن العجز السياسي العربي الذي يظهر بين فترة وأخرى يرجع لأسباب كثيرة منها: قلة إمكانياته العسكرية والاقتصادية مقارنة بأعدائه، وهذا يجعل هامش الحركة أمام استخدام العقل محدودة، وقد قالت العرب قديما"لا رأي لمن لا يطاع"ونختصر القول، أنه إذا كان بعض السياسيين العرب أثبتوا تخلفهم وحماقاتهم فهناك سياسيون عرب أثبتوا تقدمهم وذكاؤهم.

7-الذي يشكو من العجز هو العقل العلماني العربي الذي يتخبط في العقائد والمبادئ، فهو متمزق بين الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية والعصبيات العرقية، وهو الذي فشل في أهدافه وشعاراته وحروبه وزعمائه، ومفكريه وما أكثر اقتناعاتهم الفكرية والسياسية والتي عادة ما تموت بين ليلة وضحاها، وما أكثر ما أصابوا الجماهير العربية بصدمات فكرية وسياسية واقتصادية، وكلما هوى لهم صنم عبدوا صنما أخر، وكلما اكتشفوا أنهم يجرون وراء سراب ظهر لهم في الأفق سراب جديد ظنوه ماء ويهمنا هنا الدعاية الكبيرة التي يصنعها العلمانيون لمفكريهم وكتبهم التي تتعلق بالفكر والمبادئ والإصلاح والوعي ....الخ وقولوا لي من المفكرين العلمانيين العرب أثر في الأمة العربية أو حتى في أحد شعوبها؟ وليتنا نقرأ كتبهم حتى نعرف حجم الكارثة! فهذا كتاب يدافع عن العلمانية وهو لا يعرف ما هي العلمانية؟ ولا ما هو الإسلام، وهذا كتاب يتكلم عن التفكير العلمي وحقيقته أنه كتاب سطحي، وهذا كاتب علماني"مبدع"إذا استمعت إليه لا تجد علما ولا ثقافة الخ وأقوال: لا تغني ولا تسمن من جوع وفوائدها محدودة جدا، وسلبياتها كبيرة، فهي في أحسن الأحوال ثقافة لا علم، ونقول للعلمانيين المشكلة الأولى التي تواجهها البشرية قديما وحديثا أنها لا تستطيع أن تمنعكم من الكلام والتأليف، والمشكلة الثانية أن الملايين من المثقفين العرب لم يقرءوا كتب هؤلاء"المبدعين"ناهيك عن أن يتعمقوا فيها، ولهذا تبقى للدعاية تأثيرها.

حالة علمانية صعبة

قال الأستاذ فهمي هويدي عن الثورة الإيرانية في سنواتها الأولى بعد أن زار إيران عدة مرات وتقصى الحقائق"ومما اكتشفته وأثار ذهني في ذلك الوقت أن نصف المعلومات التي كانت الصحف ووكالات الأنباء الغربية تنشرها، لم يكن له أي أساس من الصحة، بينما النصف الآخر إما مبالغ فيه وإما مصوغ بطريقة يراد بها تشويه وجه الثورة، وتخويف الآخرين منها" (1) وأقول بناء على ذلك أن مناقشة علماني عربي أو من هو متأثر بالعلمانية يجعلك تقتنع أنك تعالج حالة صعبة للأسباب التالية:

(1) ص22 من كتاب طالبان جند الله في المعركة الغلط.

1-المعلومات الخاطئة: كثير من العلمانيين والمتأثرين بالعلمانية يأخذون معلوماتهم واقتناعاتهم الفكرية من مصادر أجنبية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فهم فهموا الفلسفة والدين والأخلاق والحرية والسياسة والديمقراطية والتاريخ والأحداث الحالية.. الخ بناء على معلومات ومعايير أجنبية، وبالتالي فمن الصعب أن يكون عند العلمانيين استعداد لتغيير اقتناعاتهم حتى ولو كانوا مخلصين لأنه حدث لهم غسيل مخ، وقد يكون بعضهم قد قرأ عشرات الكتب، وعمل مئات الحوارات، ولكن إذا كانت المفاهيم التي يزن بها الأمور خاطئة أو كانت هناك معلومات خاطئة فإن إمكانية الوصول للحق والصواب تكون محدودة. ولاشك أن الإعلام الغربي سلاح رهيب في تشويه كثير من المعلومات بصور مقصودة، وغير مقصودة وإذا أضفنا إلى ذلك أن بعض العلمانيين تأثرت عقولهم في فترة مبكرة من شبابهم من خلال الدراسة في الغرب ندرك أننا أمام حالة صعبة.

2-الفهم الخاطئ للإسلام: من الغريب فعلًا أن العلمانيين والمتأثرين بالعلمانية من العرب هم أكثر الناس جهلًا في فهم الإسلام، فمن يناقشهم يدرك بسرعة أن ثقافتهم الإسلامية محدودة، وأنهم لا يفرقون بين الشريعة والفقه، ولا بين الدولة الإسلامية والدولة الدينية، ولا بين التطرف والاعتدال، ولا بين الإيمان والكفر، ولا بين النظرية والتطبيق، وهم من أجهل الناس في القرآن الكريم والأحاديث النبوية وتاريخنا الإسلامي... الخ. فالنقاش مع فرد لا يفهم فكرك قضية تحتاج إلى صبر وإزالة شبهات كثيرة من خلال حوارات طويلة ولكن ليست هذه المشكلة الأساسية بل هي في اقتناع العلماني أنه يعرف، وبالتالي لا يريد أن يستمع، ومن لا يستمع كيف سيقتنع؟ ألم أقل إنها حالة صعبة؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت