فهرس الكتاب

الصفحة 522 من 3028

أي قارئ لهذا الكلام سيصاب باليأس والتشاؤم إذا صدقه، ولكن الحقيقة غير ذلك فقد حققنا سلاسل من النجاح فأنشأنا دولا عظمى، وحققنا الوحدة السياسية لعالمنا العربي عدة مرات، وحققنا كثيرا من العدل والرحمة والشورى ..الخ وحققنا انتصارات عسكرية وتطورًا اقتصاديا وعلميا وثقافيا، فالخلافة العثمانية كانت دولة عظمى لعدة قرون، وغير ذلك كثير، فهل حققنا هذا من خلال الاستبداد والظلم!! ولا شك أن الشورى طبقت مرات كثيرة، وكذلك العدل، وأغلب دولنا كانت العلاقة فيها طيبة بين الحكومات والشعوب وكان هناك مبادئ وأعراف تفرض العدل والاحتكام إلى الشريعة، وكلنا يعرف أن التكافل الاجتماعي قوي في المجتمع المسلم، ومن المعروف أن الإنجازات الطيبة التي تم تحقيقها كثيرة في عصرنا الحالي، ولكن العلمانيين يشككون فيها، أو في أصحابها، فهم يحطمون الأمة باليأس، ولاشك أن الهزيمة النفسية هي من أخطر أعداء الأوطان والأمم، فهي أخطر من الهزائم العسكرية والتخلف التكنولوجي والفقر، ويريد منا أعداؤنا أن نيأس وأن يشك بعضنا في بعض وهذا ما يفعله العلمانيون، بل وما يصرون عليه حتى لا تكاد تجدهم يمدحون أحدا في الأمة، وأمة لا تثق في حكوماتها وعلماء الإسلام وقيادتها لا شك أنها أمة ستبقى ضعيفة، فلابد أن نحذر من البيئة الملوثة التي صنعها العلمانيون فقتلت الحماس والبناء، والعلمانيون هم طابور خامس من حيث يدرون أو لا يدرون .!!

(1) ص169 الإسلام والعلمانية وجهًا لوجه د.يوسف القرضاوي.

بنية العقل العربي

ألف الدكتور محمد عابد الجابري كتابا بعنوان"بنية العقل العربي"ولن أناقش الكتاب الذي جاء في حوالي ستمائة صفحة، ولكنني سأعلق عليه من زوايا مختلفة هي:-

1-استخدم الدكتور محمد عابد الجابري مصطلحات فلسفية كثيرة منها الوجود ومشكلة السببية ومشكلة الدلالة والزمان الدائري والعرفان والزمان المنكسر والعرفان الصوفي والمماثلة والبيان والمشكلة الإبيستمولوجية والجوهر والبيداغواجية الخ هذه المصطلحات وغيرها كثير أجزم بأنه لا يعرفها الغالبية الساحقة من المفكرين والحكماء والمثقفين فكيف لو أضفنا لها ما يربطها من اقتناعات وتحاليل الفلاسفة الذين لا يعرف أغلبنا أسماءهم ناهيك عن كتبهم وأقول نحن لسنا جهلاء أو سطحيين لأننا لا نعرف ذلك، فالعلم بنوعه الفكري والمادي ليس معقدا، ويمكن أن تتعلم حقائقه بسهولة بدون التعقيد الفلسفي الذي هو بحد ذاته نوع من الغرق في مستنقع الآراء والجزئيات والتناقضات والجهل، وهذا نوع"متطور"من الجهل جاء مغلفا بالمصطلحات والقراءة والكتابة، ولنتذكر أن العلم بشقيه الفكري والمادي بريئان من الفلسفة، فهي لا تنتسب لأي منهما.

2-إذا قسمنا العلم إلى نوعين رئيسين العلم الفكري والعلم المادي، فإن طريقنا للعلم الفكري القرآن والأحاديث الصحيحة، وبهما نبني عقائدنا ونظمنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبالعلم المادي نبني المصانع والمزارع والسؤال الهام هو ما الذي ستعطينا الفلسفة؟ وأي المجالات التي سنبنيها؟ فهي لا تبني لا دنيا ولا آخره ولا علما فكريا ولا علما ماديا فالمنهج الفلسفي قائم على التعقيد والنقد والقيل والقال والجدل والغموض والتناقض، فلا يوجد بها علم، فالفلسفة آراء وليست حقائق، ولا يوجد فيها علماء بل فلاسفة متناقضون فإذا لم يكن يوجد فيها علم ولا علماء، فماذا سنتعلم ؟ إن الفلسفة منهج جاهلي نظري، والإسلام منهج علمي وعملي، وأتمنى أن نقرأ كتاب"بنية العقل العربي"وما شابهه من كتب ونرى بعد ذلك مردودها الحقيقي على علمنا الفكري والمادي، ولا أبالغ إذا قلت أننا لن نجد شيئا، وإذا وجدنا شيئا مفيدًا فقد وجده قبل ذلك علماء الإسلام، ولا أقول ذلك من باب الغرور أو التجريح بل من باب بيان الحقائق، ولأن من الخطأ أن نضيع جهودنا ونخسر وقتنا في السباحة في بحور الفلسفة! قال المفكر الفرنسي بليز باسكال:"الفلسفة كلها لا تستحق ساعة تعب"وقال"التفلسف الحقيقي هو الهزء من الفلسفة" (1) وأقول وأكرر أقرءوا الكتب الفلسفية وقارنوا فوائدها إن"وجدت"بالفوائد من قراءة الأحاديث النبوية.

(1) ص 128 المقدمة في فلسفة الدين الأستاذ أديب صعب

3-من المعروف أن في تاريخنا الإسلامي علماء الكلام والمعتزلة والجهمية والصوفية والخوارج والسنة والشيعة الخ ولسنا في حاجة للتعمق في كثير مما كتب حول هذا الموضوع، فالهداية والنور هو في فهم واتباع القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة، فهذا ما أمرنا به الله ورسوله، ونحن نريد بناء الحاضر والمستقبل لا محاكمة الماضي والتعمق الكبير في جزيئاته الفكرية قال تعالى"تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون" (134) سورة البقرة وعلاقتنا مع الماضي أن نستفيد من خطوطه الرئيسة الفكرية والسياسية فليس من الحكمة أن نغرق في خلافات الماضي أو ماذا قال ابن رشد والغزالي والفارابي وغيرهم ونجهل أساسيات عقيدتنا وشريعتنا، فالعلم الفكري له أولوياته، وهناك الكثير جدا من فضول الكلام والجدل، ونحن بحاجة لأن ننطلق للعمل والبناء.

4-هناك فكر إسلامي و واقع فكري وفلسفة وإسلام وعلمانية وأحداث سياسية وتاريخ وعلوم مادية ونظم سياسية ....الخ وإذا كنا نعرف أنه لا يسمح للطبيب أن يفتي في علوم الهندسة، أو القانون، بل لو مارس عملا فيهما لتعرض للمحاكمة، فإنه لا يجوز للفيلسوف أن يتحدث عن الأديان إذا لم يكن يعرف أساسياتها، ولا يحق للمفكر السياسي التحدث في المجالات العلمية المادية إذا كان لا يفهم بديهيات العلم المادي، وأحد أسباب تخلف أمتنا أن نجد علمانيين يتكلمون في الإسلام، وعلماء إسلام يتكلمون في السياسة، وفلاسفة يتكلمون في كل شئ، وسياسيين يفتون في العقائد، وأساتذة جامعات نظريين يتكلمون عن الواقع ....الخ وما أقوله لا يتعارض مع قدرة القليلين على الإلمام بأكثر من مجال، ولكنني أتكلم عن القاعدة لا الاستثناء فأخذوا العلم من أهله وصدق من قال"لو سكت من لا يدري لاستراح الناس"ومن قال"هؤلاء يفتون في أمور لو حدثت في عهد عمر لجمع لها أهل بدر"فإلى متى يستمر التجرؤ على العلم ؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت