ويجب التنبيه في هذا المقام إلى أن لكل نص صورته الخاصة التي تميزه عن غيره، وحالته الخاصة، ووضعه الخاص، ولذلك تتمايز النصوص، ويختلف بعضها عن بعض، فنصوص لا يناسبها إلا الوضوح، ونصوص مجالها في بلاغتها ومجازاتها واستعاراتها، أما النصوص النبوية فهي نصوص لا تدخل تحت هذه التقسيمات الخاصة بنصوص البشر، فهي وحي من السماء، وهي نصوص لهداية البشر، نزلت بأفضل صورة، وعلى أكمل وجه، وبلسان عربي مبين، ففيها الحق، وفيها النور، وفيها الحياة، وفيها البيان، وفيها الهداية، وما كان كذلك فلا يناسبه الغموض والاختفاء والتمويه والتلاعب والحجب الذي ينادي به علي حرب، والذي لم يُكتشف إلا في القرن العشرين، وبقي غامضًا على الأمة الإسلامية وعن علمائها أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فما أعظم جنايته على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى الأمة الإسلامية عمومًا، بل على الأديان السماوية كلها.
لقد جعل علي حرب للنص ظاهرًا وباطنًا، فالظاهر ما يعرفه الناس، وباطن أو مخفي أو محتجب أو مستور وهذا ما يعرفه علي حرب عن طريق تفكيكية اليهودي جاك دريدا، وهذا يذكرنا بالظاهر والباطن عند أهل التصوف وأهل الباطن، وهذا ربما يفسر سر إعجابه الكبير بابن عربي وببعض المتصوفة، وهو بهذا يخالف مزاعمه في جعل النص واسعًا حيث ضيقه، وجعله محصورًا في جانب واحد، وهو الباطن المخفي.
نعم إن كلام الله سبحانه وتعالى مليء بالمعاني والدلالات التي لا تنفذ، ولكن ليس معنى ذلك أن يُنظر إلى النص ويفسر أو يفكك -كما يقول علي حرب- بعيدًا عن سياقه، وبعيدًا عن مراد قائله، فالابتعاد عن النظر إلى النصوص متكاملة، والابتعاد عن قائلها يحول النصوص إلى ساحة لأهواء البشر ورغباتهم، وتفسير النصوص عندها بما يريده المفسر لا بما تريده النصوص وتدل عليه.
إن هذه الانحرافات الخطيرة، وخاصة في جانب النظر إلى النصوص الشرعية، عند علي حرب ومن شاكله في النقد أو التصور، له علاقة كبيرة بذلك التصور الفلسفي الفاسد نحو النصوص الشرعية الذي يزعم بأن النصوص الشرعية، نصوص تخييلية، أو أسطورية أو ما شابه ذلك من الأقوال حسب توجهات كل متفلسف، وإذا كان قد تم التحقق من السابقين من جهة أثر هذا التصور عليهم، ففي هذا الموطن ننظر إلى أثره في علي حرب.
يرى علي حرب وكما سبق بأن النص لم يعد يعبر عن حقيقة (50) ، وإنما كل نص يصنع حقيقة ويوهم الناس بها وليس بالضرورة لها وجود، والفضل في هذا الكشف يعود إلى مفكري التفكيك، ويرجع كذلك إلى اكتشافات دوسوسير في زلزلة المعنى والحقيقة (51) ، وهذا الأمر هو صورة غالية لقول الفلسفة وتصورها العام بأن النصوص النبوية نصوص تخييلية.
يركز علي حرب كغيره من المتأخرين على بعض القضايا التي تتعلق بالفرد والمجتمع من أجل الاستمرار -دون حذر- في نقد النص الديني أو أي نص، ومن أهمها الدعوة إلى فتح الباب أمام حرية الباحث في النقد، وأن يتحلى بها كل باحث، فيتخلص من كل سلطة حسية أو معنوية، وينفتح على نقد النصوص دون حرج، حتى ولو كانت هذه النصوص هي آيات كتاب الله أو أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي دعوة إلى حرية النقد لهذه النصوص بصورة تجعل الحرية فوضى مدمرة.
يقول علي حرب عن هذه الحرية بأنها (إمكانية الدخول على الإسلام من هوامشه ومنافيه، أو من مكبوتاته ومرذولاته، أو من عوالمه السفلية وقبلياته التاريخية؟ أو إمكانية الدخول على التراث الإسلامي من خارجه، كما يفعل المفكرون العرب المعاصرون الذين يدخلون على الإسلام وتراثه من الفضاء الغربي الحديث على اختلاف عقلانياته وأدواته المنهجية وأنظمته المعرفية) (52) ، وهذه الحرية (تعني إمكانية التعامل النقدي مع الإسلام لا بوصفه مرجعية مقدسة أو سلطة معرفية لا تجادل أو هوية ثابتة ونهائية، بل بوصفه أحداثًا تاريخية أو مخزونًا ثقافيًا أو رأس مال رمزي..) (53) .
هكذا أقام علي حرب نقده، على خطوات مرتبة، أولًا فتح النص أمام كل ناقد، خاصة بعد أن جعله كأي نص، وسلبه الحقيقة، وجعله نصا رمزيا ، أتى بعد ذلك ليزيل ما يمكن أن يتبقى لدى بعض المسلمين من احترام وتعظيم لكلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن خلال باب الحرية ومشروعيتها لا يبقى عند ذلك عائق عن النقد، وسواءً من جهة النص فهو مفتوح للنقد، أو من جهة قائله فلا عائق من جهة قائله (أو مؤلفه كما يقول علي حرب) ، لأن النص قد تم فصله عن قائله والمتكلم به، ولا عائق من جهة الناقد القارئ ، فمن خلال شعار الحرية خف تعظيم الله سبحانه وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم وتعظيم كلامهما.
مع أن الناقد والقارئ قد تم إلغاؤه من قبل علي حرب، وجعل إمكانيته النقدية والتفسيرية محصورة في صورة ضيقة وضعها.
وبهذا لم يترك علي حرب أي باب أمام من أراد نقد النص الشرعي إلا وفتحه وزينه، فنكون بذلك مع أسوأ المتفلسفين تعاملًا مع النص الشرعي باسم المنهج النقدي، نحن نجد أحيانًا بعض الاعتذارات عند أركون ونصر حامد بأنهم لا يقصدون نقد النص الشرعي، وإنما يقصدون نقد التصورات المحيطة به، مع أنها اعتذارات كاذبة، أما علي حرب فهو يرفض مثل هذه الاعتذارات؛ لأنه لا حاجة إليها، وعندما صرح أركون مرة بإعجابه بالقرآن، فهذا موقف لا يعجب علي حرب لأنه (موقف إيماني عقائدي أو عشقي لا موقف ناقد محلل) (54) أما ما يعجبه في أركون فهو نقده الصريح للقرآن، فإن قراءته النقدية (أجدى وأخصب من القراءات الأيدلوجية التبجيلية التي تتعامل مع النص بوصفه معرفة ميتة أي جاهزة نهائية) (55) .
هكذا يصبح علي حرب أكثر غلوًا وتطرفًا في نقده للنص الشرعي، ويصبح أسوأ من الماركسيين والوضعيين وأشباههم، وهو يرى أن مشروعه يجعل الأولوية للإنسان بدل الإسلام والدين (56) ، مع أن الله لم ينزل دينه ويرسل رسله إلا من أجل صلاح الإنسان وسعادته، ولكنه (كعلماني) (57) لا يمكن أن يقبل دين الله سبحانه، ولا يقبل بتطبيقه في حياة البشر، لأن الذين (فكروا بتعليم البشر، أو بتطبيق الأفكار والنظريات لم يحصدوا سوى سراب أو خراب، أكانوا أنبياء أم فلاسفة) (58) ، وذلك يعود إلى أن النصوص النبوية بالذات والنصوص عمومًا لا تدل على حقائق، فإذا فرضناها على الناس، فنكون بذلك قد فرضنا عليهم أباطيل لا واقع لها، وعلى هذا القول الشنيع يكون جهد الأنبياء عليهم السلام في هداية الناس ودلالتهم إلى الحق إنما هو من باب العبث، لأن نصوصهم خالية من المعقولية حيث يقول: (لو نظرنا إلى النص النبوي من منظار نقد العقل لبدا لنا خاليًا من أية معقولية. من هذه الوجهة يُقرأ الخطاب بوصفه كلامًا لا مصداقية له ولا صلاحية، أي يجري التعامل معه وكأنه سند لا رصيد له من الحقيقة) (59) إننا نسير مع متفلسف لا يملك أية مبادئ أو ثوابت أو عقائد يؤمن بها ويصدق بها ولهذا فلا يستغرب منه مثل هذه المواقف ، يقول: (ليس المهم ما نؤمن به، وإنما المهم كيف يمارس المرء إيمانه أو يتعاطى مع معتقده سواء كان يؤمن بالدهر أم بغيره، بالخالق العظيم أم بالانفجار الكبير) (60) . انتهى كلام الأستاذ حسن الأسمري - وفقه الله - .
يضاف على ماسبق: