عاش الشيخ في صغره في حي شعبي في بيروت يموج بالفئات البائسة إبان الحرب العالمية الأولى وتركز في لا شعوره صور مؤثرة عن تلك الأحوال مما أنشأ لديه عاطفة الشفقة والرحمة للضعفاء، دخل الكتاب عام 1919 وتنقل بين ثلاثة منها ويرجع ذلك إلى ظاهرة الضرب المبرح التي يمارسها المعلمون لإجبار الأطفال على الحفظ ، ثم نقله والده إلى مدرسة (الحرش) التي أسستها (جمعية المقاصد الخيرية) وكانت تأخذ بالأساليب الحديثة في التربية وفيها تعلم مبادئ العربية والفرنسية والحساب والتاريخ، ثم غادر إلى القاهرة عام 1924 بصحبة أخيه (الشيخ مختار) الذي كان يدرس في الأزهر آنذاك وبقي معه حتى عام 1937 حيث درس هناك وتأثر ببعض أساتذة الأزهر مثل (سيد المرصفي) و (أبو الفضل الجيزاوي) و (محمد شاكر) واطلع على أفكار محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ومصطفى كامل وناصر الحركة الوطنية ذات التوجه الإسلامي وكان يتابع الندوات الفكرية والسياسية وكان معجبًا بإصلاحات علماء الأزهر، وكان يدرس أحوال المجتمع المصري متفاعلًا مع فئاته الشعبية وما تعانيه من أزمات اقتصادية، واطلع كذلك على المدارس المتنوعة هناك واختط لنفسه منهجًا مزج فيه بين القديم والحديث ، وكان معجبًا بأسلوب (مصطفى الرافعي) وفي هذه الفترة كتب بعض الآثار التي فقدت ومنها (أدباء وحشاشون) ونظم قصيدته المطولة (رحلة الخلد) في 1500 بيت ولم يبق منها سوى جزء بسيط ترجم للفرنسية وله أيضًا مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (قصائد دامية الحرف بيضاء الأمل) أو من أجل لبنان وكتب في الإسلاميات (مدخل إلى التفسير) في مجلدين كبيرين.
وبعد تخرجه من الأزهر دخل كلية الحقوق في (جامعة الملك فؤاد: القاهرة حاليًا) وتوقف عن الدراسة عام 1940 حينما نصح الأساتذة الطلبة الغرباء بالعودة إلى بلدانهم لورود أنباء عن زحف (رومل) على القاهرة فعاد إلى بيروت.
العمل السياسي:
بعد عودته بدأ بكتابة سلسلة مقالات ساخنة بدعوة من صديقة (ميشال أبو شهلا) رئيس تحرير مجلة ( الجمهور الجديد) تحت عنوان (إني أتهم) عن واقع المجتمع اللبناني شؤونه وشجونه، ثم انصرف إلى تأليف كتابه (دستور العرب القومي) وهو دراسة شاملة للقومية العربية التي يرى أنها رابطة مهمة يجب أن يلتف حولها العرب لتربطهم مع بعض برباط غريزي. (ويرى أن عناصر هذه القومية تتمثل في اللغة والمصلحة المشتركة والمحيط الجغرافي والتاريخ المشترك...) ثم تحدث عن مرتكزاتها ومواقفها من الأقليات وضرورة اندماجهم فيها لضمان مستقبلهم ، وكثيرًا ما يتناول بالحديث مواضيع اجتماعية وسياسية وتاريخية وفكرية وهذا الكتاب مصدر لمن جاء بعده من كتاب كتبوا عن القومية كساطع الحصري ، والحقيقة أن القومية أحد العناصر التي نجح الأعداء في تكريسها لتمزيق كلمة المسلمين وتشتيت قواهم ونشوء عنصريات قومية رد فعل لها كما لا يخفى وقد أبدلنا الله بها الإسلام بقوله تعالى: ]إن أكرمكم عند الله أتقاكم[ ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من دعا إلى عصبية"، وفي الوقت الذي تجاوزت الأمم الأوروبية هذه النزعة الجاهلية تعمل جاهدة على الوحدة الأوروبية الشاملة وقد تطرق كثير من العلماء والمفكرين لدراسة القومية ونقدها بدراسات علمية جادة من أهمها (دراسات في القومية العربية) للشيخ محمد الغزالي ود. صالح العبود في كتابه (فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام) حيث ناقش دعاتها وأسقط حججهم واحدة بعد الأخرى. وهو في الأصل رسالة علمية.
أما الأحزاب والتنظير لها: فقط شارك الشيخ العلايلي في التأسيس والتنظير لكثير من الأحزاب الوطنية والقومية اللبنانية مثل (حزب النداء القومي) و (عصبة العمل القومي) و (كتلة التحرر الوطني) واتفق مع كمال جنبلاط على تأسيس (الحزب التقدمي الاشتراكي) وأنه أشار إلى (ميشيل عفلق) باسم حزب البعث حيث أخبره بأنه استفاد من كتابه (دستور العرب القومي) ويرى الشيخ في (انطوان سعادة) -مؤسس الحزب القومي السوري الذي أعدم فيما بعد لنشاط حزبه المشبوه- إنسانًا موهوبًا وأنه معجب بأفكاره، ويعلل الشيخ مشاركاته تلك في تأسيس تلك الأحزاب بأنه يرى أنها تهدف إلى غرض نبيل وإيجابي في الخدمة الوطنية وتحاول صياغة علاقات متقدمة بديلة للعلاقات المختلفة القائمة على الطائفية والعشائرية والفئوية، لقد كان الشيخ صديقًا للحزبيين في لبنان على اختلاف منطلقاتهم إذ كان يلقي الخطب والمحاضرات في مراكزهم. وكان معجبًا بحركة أنصار السلام ومنافحًا عنها وهو بالطبع ليس شيوعيًا كما هو حال تلك المنظمة لكنه قد يكون معجبًا بأفكارها اليسارية التي تزعم العمل على نهضة الشعوب وتقدمها ، ونعلم كيف تحطمت تلك الأفكار الشيوعية مؤخرًا وصارت أثرًا بعد عين بعد فشلها الذريع طوال حكمها بالحديد والنار في شرق أوروبا وغيرها. ولن أناقش الشيخ في مدى صلاحية تلك التوجهات الحزبية من عدمها لأنه بنفسه بعد رحلته الحزبية الشائكة وما لمسه من دورها الكبير في زعزعة استقرار بلاده وما أدت إليه من مآسٍ ونكبات تجده يقول عنها (إن الاضطرابات التي حصلت والتي لا تقوم على منطق الفكر وضعت علامة استفهام كبرى حول الكائن اللبناني وأجدني متألمًا على الحاضر قلقًا على الغد اللبناني. لا وجود لأحزاب حقيقية توجد تجمعات غوغائية وليست أحزابًا مبدئية، ولو كانوا عقائديين لما اختلفوا ولما احتكموا إلى السلاح ) .
معركته مع الإفتاء:
وفي عام 1952 وبعد وفاة المفتي (محمد توفيق خالد) شغر منصبه فهب الكثيرون بطلب ترشيحه للمنصب على أثر مطالبة الصحافة والأحزاب وكانت لديه رغبة في ذلك إذ كان يمني نفسه بالإصلاحات التي تأثر بها من علماء الأزهر كالمراغي ويعزو فشله لوقوف السلطة في طريقه ثم يعود لمصر بعد ثورة 23 يوليو 1952 ويقف العلايلي منها مترقبًا وسرعان ما عارضها وهاجمها بحجة أن حكم العسكر لم يكن في الواقع سوى إجهاض لمشاعر الشعب لا سيما بعد وقوف السلطة في وجه العمال المطالبين بزيادة أجورهم ثم إعدامهم لهم ومنهم (مصطفى خميس) فرثاه بقصيدة (قارع الأجراس) .
جهوده اللغوية:
عاد الشيخ لأعماله اللغوية التي بدأها عام 1938 بكتابة (مقدمة لدرس لغة العرب) والذي تطرق فيه إلى تعريف اللغة ونشأتها وتطورها عند القدماء والمحدثين وتطرق لمسائل علمية مهمة كرأيه في التعريب والشروط التي يراها له وأدلى برأيه في المصطلحات العلمية والتي رأى أنه لا يصح أن تملأ لغتنا بكلمات أجنبية معربة دون داع وأن ما يكفل غنى العربية ويجعلها قادرة على مسايرة التطور هو الوضع فقط ولم يقتصر على ما أقرته المجامع والجامعات بل عمد إلى وضع مستحدثات كثيرة ذكرها في معاجمه وفي حواشي كتابه (أين الخطأ؟) وقد لاقى الكتاب قبولًا ورفضًا بين العلماء والمفكرين بين مادح أو قادح.
وفي عام 1954 قام بعمل جليل هو (المعجم الكبير) الذي صدر منه 4 مجلدات من الجزء الأول وكان مقررًا أن يصدره في 24 مجلدًا ليكون تطبيقًا حيًا لما أبداه من آراء في مقدمته الآنفة الذكر ولمحاولة طبع هذا المعجم أسست (دار المعجم العربي) بمساعدة نفر من الأدباء واللغويين المهتمين واشترت الدولة (1000) نسخة وكاد أن يطبع بكامله من قبل (الاتحاد السوفيتي) لولا تخوفه من أن يصبغ بصبغة معينة.