فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 3028

21-نوّع حركات اليد أثناء القراءة لتجريب طرق ووسائل أخرى.

22-كن مرنًا ومتحكمًا في أن تكون سريعًا أو بطيئًا في القراءة لأجل فهم أفضل.

33-أن القارئ الجيد هو الذي يقرأ المقدمة ليعرف لماذا كتب هذا الكتاب وليتعرف على منهجه ووجهة النظر التي يقدمها .

العلم صيدٌ والكتابة قيدُه

إن ثمرة القراءة ،هي الفوائد التي يجنيها القاريء، فلا بُدَّ للقاريء من استثمار قراءته وتوظيفها، ليجنيَ منها ما تمنَّى، ولا يضيع تعبه سدى، ولا طريقة أنفع ولا أنجع لتحقيق ذلك من الكتابة والتقييد. فيقيد الفائدة المستجادة، والنقل العزيز، والتحرير المُدَلَّل، والترتيب المبتكر، وطرائف النقول والحِكَم، ودقائق الاستنباطات، ولطائف الإشارات، والأشباه والنظائر، وغيرها.

فكلّ نوع من هذه الفوائد له في عقل الطالب الجاد وقَلْبه مكانه الخاصّ به اللائق بمثله، فمعرفة اقتناص الفوائد شيء، وسرعة اقتناصها والاحتفاظ بها شيء ثانٍ، ثم معرفة توظيفها ووضعها في مكانها اللائق بها شيءٌ ثالث، فإذا أجتمعت هذه الثلاثة استكملَ الطالبُ فوائدَ القراءة وجنى ثمرتَها.

قال الإمام النووي7 -وهو يرشد الطالب إلى تعليق النفائس والغرائب مما يراه في المطالعة أو يسمعه من شيخه-: (( ولا يحتقرن فائدة يراها أو يسمعها في أيِّ فنٍّ كانت، بل يُبادِر إلى كتابتها، ثم يواظب على مطالعة ما كتبه... ) )اهـ.

وقال8 -أيضًا-: (( ولا يؤخِّر تحصيل فائدة -وإن قَلَّت- إذا تمكَّن منها، وإنْ أمِنَ حصولها بعد ساعة، لأن للتأخيرِ آفاتٌ، ولأنه في الزمن الثاني يُحَصِّل غيرَها ) )اهـ.

فهذه نصيحة غالية، ولَفْتَةٌ من إمام، فتمسَّك بها تُفْلِح.

فكم من عالمٍ أبدى أسَفَه وحَسْرَته على فوائد فاته تقييدُها فشردت، أو اتكل على حافظته فخانته (والحفظ خوَّان) ، فهذا الإمام ابنُ حجر (حافظ عصره) فاتَه تقييدُ شيءٍ من الفوائد فتأسَّف عليه، قال تلميذه السخاوي في (( الجواهر والدرر ) )9: (( أما التفسير، فكان فيه آيةٌ من آيات الله تعالى، بحيث كان يُظْهِر التأسُّفَ في إهمال تقييد ما يقع له من ذلك مما لا يكون منقولًا... وفي أواخر الأمر صار بعض طلبته يعتني بكتابة ذلك ) ).

وصدق القائل: (( وكم حَسَراتٍ في بطونِ المقابرِ ) ).

وأنت إذا نظت في سِيَر العلماء، وكيف حرصهم على اغتنام الزمان وتقييد الفوائد رأيتَ عجبًا!.

* فهذا الإمام البخاري -رحمه الله- (جَبَلُ الحِفْظ) يستيقظ مراتٍ كثيرة في الليل ليُقَيِّد الفوائد، قال راويته الفَرَبري: (( كنت مع محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلةٍ، فأحصيت عليه أنه قام وأسْرَجَ يستذكر أشياءَ يُعلِّقها في ليلةٍ ثمان عشرة مرَّة ) )10.

* وهذا الإمام الشافعي (204) يحكي عنه صاحبُه الحُمَيْديُّ -لمَّا كانا بمصر- أنه كان يخرج في بعض الليالي فإذا مصباح منزل الشافعي مُسْرج، فيصعد إليه (( فإذا قِرْطاس ودَوَاة، فأقول: مَهْ يا أبا عبدالله! فيقول: تفكّرت في معنى حديث -أو في مسألة- فخِفْت أن يذهب عَلَيَّ، فأمرت بالمصباح وكتبته ) )11.

* وقد مرَّ معنا خبر أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي، فلا نعيدُه12.

* وذكر ابنُ الأبَّار الحافظُ في (( معجم أصحاب الصدفي ) )13 في ترجمة العلاَّمة أبي القاسم ابن ورد التميمي (540) أنه كان لا يُوْتى بكتابٍ إلا نظر أعلاه وأسفله، فإن وجد فيه فائدة نقلَها في أوراق عنده، حتى جمع من ذلك موضوعًا.

* وذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام الزركشي (794) صاحب (( البحر المحيط ) )وغيره14 أنه كان يتردد إلى سوق الكتب، فإذا حضره أخَذَ يُطَالع في حانوت الكتبي طول نهاره، ومعه ظهور أوراق يُعلِّق فيها ما يعجبه، ثم يرجع فينقله إلى تصانيفه.

"وقد دوّن كثير من العلماء هذه الفوائد في كتب مفردة، مثل: (( الفنون ) )لابن عقيل وهو من أضخم الكتب، و (( الفوائد العونية ) )للوزير ابن هبيرة، و (( صيد الخاطر ) )وغيره لابن الجوزي، و (( قيد الأوابد ) )في (400 مجلد) للدعولي، و (( عيون الفوائد ) )لابن النجار في (6 أسفار) ، و (( بدائع الفوائد ) (( الفوائد ) )لابن القيم، و (( التذكرة ) )للكندي في (50 مجلدًا) ، و (( مجمع الفوائد ومنبع الفرائد ) )للمقريزي كالتذكرة له في نحو (100 مجلد) 15 وتذكرة السيوطي في أنواع الفنون في 50 مجلدًا، وتذكرة الصفدي في مجلدات كثيرة أكثر من (30) منها أجزاء مخطوطة. وغيرها كثير."16

ولا يتوهَّمنَّ أحدٌ لاجل ثنائنا وإشادتنا بتقييد العلم وتدوين الفوائد، أنَّا نُقلِّل من أهمية الحفظ ونحط من شأنه، كلاَّ، إذ لا تعارض بينهما بحمد الله تعالى، وهل من ذكرنا خبرهم -قريبًا- في حِرصهم على التقييد... إلا من أكابر الحفَّاظ!!.

فأجعل لك أخي القاريء دفترًا شاملا مقّسمًا ، قسم للفوائد العقدية ، الادبية ، الاصولية ، وهلم جرّا.

إحذرأربع أيها القاريء

أولًا: قلة الصبر على القراءة والمطالعة:

وهذه آفة قديمة ازدادت في عصرنا هذا خصوصًا مع كثرة الصوارف والمشغلات الأخرى؛ حيث أصبح كثير من القراء لا يقوى على مداومة القراءة، ويفتقد الأناة وطول النفس، ولا يملك الجَلَد على المطالعة والبحث والنظر في بطون الكتب وكنوز العلم والمعرفة، وحينما يبدأ القارئ بالاطلاع على الكتاب سرعان ما يضعه جانبًا ويشتغل بأمر آخر.

والعجيب"إنَّ الساحة الفكرية اليوم تعاني من خلل ظاهر في بناء ملكة القراءة، وها أنت ترى كثيرًا ممن يدخلون في (زمرة المثقفين!) من أصحاب الشهادات الجامعية، بل حتى أصحاب الشهادات العليا، ومع ذلك تفاجأ بأن كثيرًا منهم ربما يعجز عن إتمام قراءة كتاب واحد خارج تخصصه..!17"

والعلاج هوترويض النفس وتربيتها وقسرها على القراءة من أنجح السبل لبناء تلك الخَلَّة الكريمة، خاصة عند نعومة الأظفار وبداية الطلب. وقد يعجز المرء في البداية، أو تصيبه السآمة والملل، ولكنه بطول النفس وسعة الصدر والعزيمة الجادة سوف يكتسب بإذن الله ـ تعالى ـ هذه الملكة حتى تصبح ملازمة له لا يقوى على فراقها، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما العلم بالتعلم"18.، وتكوين هذه العادة وغرسها في النفس من أولى ما يجب الاعتناء به لدى القراء والمربين.

ها هو ذا مثلًا الحسن الؤلؤي يقول:"لقد غبرت لي أربعون عامًا ما قمتُ ولا نمت إلا والكتاب في صدري"19.

، وحدَّث ابن القيم فقال:"أعرف من أصابه مرض من صداع وحمى، وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب عليه وضعه"20

ثانيًا: ضعف التركيز:

كثير من القراء يقرأ بعينيه فقط، ولا يقرأ بفكره، ولا يستجمع قدراته العقلية في التفهم والبحث. وربما جال القارئ بعقله يمينًا ويسارًا، وطافت بخاطره ألوان من الهموم والمشاغل، ثم يفاجَأ بأنه قضى وقتًا طويلًا لم يخرج فيه بمادة علمية تستحق الذكر.

وبعض القراء يبدأ بهمة ونشاط وتركيز، ولكنه بعد أن يقرأ قليلًا من الصفحات يبدأ بالتململ التدريجي، حتى ينفلت الزمام من يديه، ويستيقظ فجأة بعد أن سبح في عالم رحب من الخواطر الشخصية البعيدة عن مادة الكتاب، قال طه حسين:"كثيرًا ما نقرأ لنقطع الوقت لا لنغذو العقل والذوق والقلب. وكثيرًا ما نقرأ لندعو النوم لا لنذوده عن أنفسنا"21.

وآفة كثير من القراء أنَّ أحدهم قد يعمد إلى قراءة الكتاب العلمي العميق قراءة تصفحية كما يقرأ الجريدة، ويكون همه الانتهاء من الكتاب، ولك أن تتخيل ماذا يمكن أن تكون حصيلة القارئ حينما تكون هذه هي طريقته دائمًا في القراءة..!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت