المثال الأول: يقول الدكتور الترابي:"قد يعلم المرء اليوم كيف يجادل إذا أثيرت الشبهات في حدود الله ، ولكن المرء لا يعرف كيف يعبد الله في التجارة أو السياسة ، أو يعبد الله في الفن ، كيف تتكون في نفسه النيات العقدية التي تمثل معنى العبادة ، ثم لا يعلم كيف يعبر عنها عمليا . وليس ثمة من مفت يُفتك كيف تسوق عربة أو تدير مكتبًا ! ولكن الكتب القديمة تفتك حتى كيف تقضي حاجتك !"
إن هذا الكلام لا يحتاج إلى أي تعليق ، حتى يدرك من لديه إلمام قليل بكتب الفقه الإسلامية التي يعبر عنها ب"الكتب القديمة"فساد هذا الكلام ، ومخالفته الواضحة للواقع ، وافتراءه على الكتب الإسلامية القديمة
فهل صحيح أن كتب الفقه القديمة تفتي الذي يرجع إليها كيف يقضي حاجته وكيف يتطهر ، ولا تفتيه في أمور التجارة والسياسة ؟ إذن أين أبواب البيوع والرهن والتجارة والإجارة والسَلم والقرض والربا والصرف وما إلى ذلك من الأبواب التي تفتي في موضوع التجارة الداخلية والخارجية الموجودة في كل كتاب فقه قديم ؟ وأين أبواب الإمامة الكبرى ، وأبواب الحظر والإباحة ؟
أما كيف يعبد المسلم الله في الفن ، فربما لا يجد الإنسان الفتوى الصريحة فيها داخل كتب الفقه القديمة ، لأننا ما ندري ما حدود الفن الذي يقصده الدكتور الترابي الذي يعبد المسلم الله به !! أهو الرقص والغناء ، أو الموسيقى أو التمثيل أو ... ؟! لأن كلمة الفن كلمة غامضة بالنسبة لنا نحن علماء المسلمين ، ما ندري ماذا يدخل فيها .
ومع هذا فإن كتب الفقه القديمة نجد الفتوى في حكم الغناء والسماع والموسيقى وأخذ الأجرة عليها . ينظر في هذا أبواب الكراهية والاستحسان ، أو أبواب الحظر والإباحة في جميع كتب الفقه القديمة من جميع المذاهب الفقهية المتبوعة ) .
( - نظرتها السوداء إلى كل قديم من الفقه وأصوله ، والصحابة والسلف: إن الناظر في هذه الحركة تبدو له في مواضع كثيرة مما قاله أصحابها أنهم ينظرون نظرة سوداء إلى كل قديم ، سواء كان فقها أو أصول فقه ، وسواء كان صحابة أو سلفا) .
( - اعتبارها العقيدة الإسلامية والأحكام الفقهية مرتبطة بالظروف القائمة في كل قرن ، وليست ثابتة:
لقد اعتبر الدكتور الترابي الأفكار الإسلامية المتعلقة بالاعتقاد ، وكذلك الأفكار الإسلامية المتعلقة بالأحكام الشرعية العملية ، أفكارًا غير ثابتة ، وأنها مرتبطة بالظروف القائمة في كل قرن ، لذلك فينبغي أن تتغير وتتبدل من عصر إلى عصر ، وأنه لا نصيب لها من الخلود والبقاء . وهذا ما قاله في هذا الصدد:"وإذا كان الفكر الإسلامي في كل قرن فكرًا مرتبطًا بالظروف القائمة ، فلا نصيب من خلود بعدها إلا تراثًا وعبرة ، وسواء في ذلك فقه العقيدة ، أو فقه الشريعة".
وهذه أفكار في منتهى الخطورة ، إذ تجعل الأفكار الإسلامية أفكارًا هشة جدا ، مردها وارتباطها الوحيد هو الظروف ، فتتلون بحسب الظروف التي تحكمها . وليست هي الحاكمة والمهيمنة .
وهذه الفكرة الخطيرة يكثر من تردادها الدكتور الترابي في محاضراته ونشراته ، وهي فكرة تثير الريب والتساؤلات ، وتجعل الدين ألعوبة للحكام ) .
( - وصفها بأن الفقه كان تقليديًا ، لا رسميًا ، ولا شعبيًا وأن الفقهاء وسطاء بين العباد وبين ربهم) .
( - تشبيهها الفقهاء برجال الكنيسة ، وتشبيهها الفقه الإسلامي بالفقه الإنجليزي )
( - اعتبارها أنه من حسن حظها ظهورها في بلد ضعيف الثقافة الإسلامية:
وإن مما يثير العجب والدهشة في هذه الحركة أنها تعتبر ضعف الثقافة الإسلامية في مكان ظهورها من حسن حظها . وأنه نعمة لا نقمة ! فقد قال الدكتور الترابي:"من حسن حظنا في السودان أننا في بلد ضعيف التاريخ والثقافة الإسلامية الموروثة ، وقد تبدو تلك لأول وهلة نقمة ، ولعلها ببعض الوجوه نعمة ! إذ لا تقوم مقاومة شرسة لتقدم الإسلام المتجدد"!
هكذا يا دكتور ترابي ، من حسن حظك وحظ دعوتك أنك تقول ما تريد باسم الإسلام وباسم تجديده في بلد ضعيف الئقافة الإسلامية ، وتعلل ذلك بأنه لكي لا تقوم مقاومة شرسة لتقدم ما تسميه ب"الإسلام المتجدد"!
( - عيبها على العلماء القدامى إيثارها الأحوط . ودعوتها للتفلت وعدم المحافظة:
الأمر الخطير في هذه الحركة أنها تعيب على العلماء القدامى إيثارهم في بعض المسائل الخلافية الأحوط والأسلم والأضبط ، ثم تدعو إلى الانطلاق والانفلات وترك المحافظة على طريقة سلفنا الصالح في طريقة البحث ، وفي التطبيق ، حتى إن الدكتور الترابي لا يرضى بالدعوة إلى الاعتدال ، وإنما يريد الدعوة إلى الانطلاق والحرية بدون تحفظ ) .
( - اعتبارها أهلية الاجتهاد جملة مرنة ، وأن الجمهور هو الحكم في ذلك: تعتبر هذه الحركة أن أهلية الاجتهاد شيئ نسبي وإضافي ، وأنها جملة مرنة ليس لها ضوابط ولا شرائط ، وأن الجمهور هم الحكم في تمييزالذي هو أعلم ، متخذين من أعرافهم مقاييس تقويم المجتهدين والمفكرين ، ولنسمع إلى الدكتور الترابي ماذا يقول:"فإذا عنينا بدرجة الاجتهاد مرتبة لها شرائط منضبطة ، فما من شيئ في دنيا العلم من هذا القبيل ! وإنما أهلية الاجتهاد جملة مرنة من معايير العلم والالتزام ، تشيع بين المسلمين ليستعملوها في تقويم قادتهم الفكريين !"ثم يقول:"وقد ينظم المجتمع أحيانًا ضوابط شكلية مثل الشهادات ، ليكون حمل شهادة الجامعة أمارة لأهلية بدرجة معينة ، وحمل الشهادة الأعلى إيذانا باستحقاق ثقة أعلى ، وهكذا ، وربما يترك الأمر أمانة للمسلمين ، ليتخذوا بأعرافهم مقاييس تقويم المفكرين ."
ومهما تكن المؤهلات الرسمية ، فجمهور المسلمين هو الحكم ، وهم أصحاب الشأن في تمييز الذي هو أعلم وأقوم ، وليس في الدين كنيسة أو سلطة رسمية تحتكر الفتوى"ويقول أيضًا:"وتقدير أهلية الاجتهاد مسألة نسبية وإضافية ، ولكن بعض الكتاب المتنطعين في الضبط يتوهمون أنها درجة معينة تميز طبقة المجتهدين من عامة الفقهاء"هكذا بكل بساطة ، أهلية الاجتهاد جملة مرنة ، والحكم فيها إلى عامة الناس ! متى كان هذا ؟ في أي علم من العلوم أو الفنون الأخرى ؟ أيجوز أن تكون كلمة"عالم بالقوانين والدساتير"كلمة مرنة ، والحكم فيها لعامة الناس وجمهورهم ؟ أيجوز أن تكون كلمة"عالم كبير ، أو خبير بالطب وجراحة القلب"كلمة مرنة ، والحكم فيها للجمهور ؟ .. وهكذا في جميع العلوم والفنون . فإذا كان لا يجوز ذلك في العلوم والفنون الأخرى ، فلم يجوز في العلوم الشرعية وحدها ، ويسمح أن يدعيها كل دعي ويمتطي صهوتها كل غبي ؟!"
( - أبرز الأصول التي دعا الدكتور الترابي إلى تجديدها:
إن من أبرز الأمور التي دعا الدكتور الترابي إلى تجديدها في علم أصول الفقه الإسلامي ما يلي:
1-الإجماع
2-أمر الحاكم
3-القياس
4-الاستصحاب
1-أما الإجماع: فقد نحا الدكتور الترابي في تجديده نحوًا لم يسمع به أحد من المسلمين ، ولم يخطر ببال عالم من علماء المسلمين القدامى أو المعاصرين !! وكل من يقرأ تصويره للإجماع الجديد الذي يقترحه ، لا يتردد لحظة أنه الاستفتاء أو التصويت من قبل عامة الناس على أمر من الأمور الذي تطرحها الدولة في الأنظمة الغربية على الناس ليأخذوا رأيهم .
يقول الترابي:"فإذن يمكن أن نحتكم إلى الرأي العام المسلم ، ونطمئن إلى سلامة فطرة المسلمين ، حتى ولو كانوا جهالا في أن يضبطوا مدى الاختلاف ومجال التفرق"