إذا كان للتاريخ الإسلامي قواعد وأصول وضوابط شرعية يجب على المؤرخ المسلم أن يلتزم بها ، فذلك يعني الاحتياط عند الأخذ من كتب غير المسلمين ، خصوصًا وأن الحرية بلا قيود وبلا ضوابط تلقاها العلمانيون في الغرب أو الشرق ، وطبقوها على التاريخ الإسلامي بسبب الاختلاف في التصورات والمفاهيم والمبادئ ، مما جعل نتائج أبحاثهم ودراساتهم مناقضة للأحكام الإسلامية ، وواقع المجتمع الإسلامي ، لهذا فإن القضايا التي تطرحها كتب غير المسلمين من يهود ونصارى وغيرهم ، والتي تعالج التاريخ الإسلامي - خصوصًا الصدر الإسلامي الأول - ينبغي أن تدرس بعناية وحذر شديدين ، لأنهم لا يصدقون في كثير مما يقولونه عن الإسلام ونظمه ورجاله ، ولا يحل وفق ذلك لمسلم أن يروي عنهم أو يأخذ منهم ، لا سيما وأن من شروط البحث في هذه القضايا عرض الأقوال والأعمال على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
ثم إذا كان علماء الإسلام لا يثبتون الأحكام بما يرويه المسلم الضعيف الضبط ، فكيف يحق لقوم مؤمنين أن يحملوا عن كافر ساقط العدالة ! ويضمر من الحقد والبغضاء لهذا الدين مالا يعلمه إلى الله .
القاعدة الرابعة عشر: مراعاة ظروف العصر الذي وقعت فيه الحادثة .
ينبغي أن نعلم أن بعض تلك الأحداث الواقعة في صدر الإسلام لا يبررها غير ظروفها التي وقعت فيها ، فلا نحكم عليها بالعقلية أو الظروف التي نعيش فيها نحن أو بأية ظروف يعيش فيها أصحاب تلك الأحداث ، لأن الحكم حينئذ لن يستند إلى مبررات موضوعية ، وبالتالي تكون نظرة الحاكم إلى هذه الوقائع غير مطابقة للواقع .
ومن الملاحظ أن الخلط بين الواقع المأساوي الذي يعيشه المسلمون في هذا العصر ، وبين واقع المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام يرجع إلى الخطأ في الفهم الناتج في الغالب عن الصورة القاتمة والمغرضة التي يتلقاها النشء عن تاريخ الإسلام وحضارته بواسطة المناهج المحرفة التي تعمم الأحكام وتشوه بذلك التاريخ .
ولاشك أن مصدر الخطأ في هذه المنهاج هو تدخل أصحابه بالتفسير الخاطئ للأحداث التاريخية وفق مقتضيات وأحوال عصرهم الذي يعيشون فيه ، دون أن يراعوا ظروف العصر الذي وقعت فيه الحادثة ، وأحوال الناس وتوجهاتهم في ذلك الوقت ، والعقيدة التي تحكمهم ويدينون بها ، أو بعبارة أخرى إن مصدر الخطأ في منهجهم هو تطبيق واقع العصر الحاضر ومفاهيمه على العصور السابقة ، مع أن لكل عصر مميزاته الواضحة التي تسمى في منهج البحث العلمي ( روح العصر ) .
القاعدة الخامسة عشر: استعمال المصطلحات الإسلامية .
تعد قضية المصطلحات من أشد العناصر أثرًا وأهمية وخطورة في ثقافة الشعوب ، لأنه عن طريقها يتم تثبيت المفاهيم والأفكار ، ولأن المصطلحات بهذا القدر من الأهمية فإنه منذ أن تقرر في أوكار الصهيونية والصليبية تدمير الخلافة الإسلامية ، وأعداء الأمة الإسلامية يحرصون على تخريب الفكر الإسلامي وتشويه العقل المسلم من باب المصطلحات والمفاهيم .
فقد كان من تأثير الغزو الثقافي الأوربي للمسلمين أن شاعت بينهم مصطلحات ومفاهيم غريبة عن عقيدتهم وثقافتهم حتى كادت أن تختفي المصطلحات الإسلامية .
على أن هذا المنزلق يتمثل في عدم وعي الباحثين المعاصرين بأن المصطلحات الحديثة إنما تنبثق من رؤية خاصة للفكر الغربي .. فالمثقفون في العالم الإسلامي كانوا إلى مشارف الخمسينيات لا يدركون أن المصطلح جزء لا يتجزأ من التركيبة أو البنية الحضارية لأي مجتمع ، و كانوا في حالة الدفاع عن الذات ، يحاولون أن يوجدوا لكل عنوان برّاق في المدنية الغربية مثيله في الإسلام .
ولنذكر على سبيل المثال مصطلح: اليمين و اليسار و الاشتراكية و الديمقراطية و الرأسمالية .. الخ ، و رغم أن هذه المصطلحات لعبة صهيونية ، إلا أن بعض الباحثين مع الأسف وظفوها بصورة آلية ، حتى أن بعضهم ألفوا كتبًا يصنفون فيها الصحابة رضي الله عنهم إلى يمين و يسار و اشتراكي و رأسمالي . فيجب الحذر من التقليد الأعمى ، و في ذلك يكمن خطر الذوبان في الفكر الجاهلي الغربي ، والضياع وسط مصطلحاته الكثيرة التي تفقدنا ذاتيتنا المستقلة ، و ينبغي استعمال المصطلحات الإسلامية ؛ لأنها ذات دلالة واضحة و محددة ، ولأنها معايير شرعية لها قيمتها في وزن الأشخاص والأحداث .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد:-
إن دراسة التاريخ بحاجة إلى منهجية في معرفة الضوابط .. وهذه الضوابط لا تتأتى من فراغ .. بل بالممارسة والتجربة والتحليل والنقد ..
ولعل هذه الدراسات - التي سأذكرها بعد قليل - قد حاولت الالتزام بالمنهج الصحيح في نقد بعض النصوص التاريخية وتأصيل المنهج الإسلامي للتفسير التاريخي ، ذلك المنهج الذي يعتمد التصور الإسلامي للتاريخ ، ويفيد من منهج المحدثين في التعامل مع الرواية التاريخية ..
ولعلها أيضًا بما قدمته من حقائق تاريخية مستندة إلى هذا المنهج أن تكون لبنة من لبنات الجهود الجادة في بناء علم إسلامي قائم على تجربة تاريخية صحيحة وموثقة ..
وقد بدأت محاولات التنظير الحديثة لبناء منهج إسلامي في تفسير التاريخ الإسلامي - حسبما أعلم - من خلال مجموعة من العلماء الجادين ، من أمثال الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقاته على العواصم من القواصم لابن العربي ، ومن خلال مقاله عن المراجع الأولى في تاريخنا ، في مجلة الأزهر ( المجلد 24 / جزء / 2 ص 210 / صفر 1372هـ ) ، ومن أمثال الشيخ محمد قطب و محمد الصادق عرجون ، والدكتور أكرم ضياء العمري ، وقد قام - وهو رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية - بتوجيه عدد من الرسائل التي سجلت في قسم الدراسات العليا لنيل درجتي الماجتسير والدكتوراه نحو نقد المرويات التي احتوتها كتب الحديث والمغازي والتواريخ عن السيرة النبوية بهدف توثيق المعلومات عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم واصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ..
وحلقة اليوم تتعلق بذكر عدد من الكتب القيمة و المفيدة في هذا الباب والتي تعين على معرفة المناهج و الأصول والضوابط لقراءة وكتابة التاريخ الإسلامي ، والتي أنصح باقتنائها ..
1 -منهج كتابة التاريخ الإسلامي ، للدكتور محمد بن صامل السلمي .
2 -منهج دراسة التاريخ الإسلامي ، للدكتور محمد أمحزون .
3 -كيف نكتب التاريخ الإسلامي ، للأستاذ محمد قطب .
4 -فقه التاريخ ، للأستاذ عبد الحميد بن عبد الرحمن السحيباني .
5 -في أصول تاريخ العرب الإسلامي ، للأستاذ محمد محمد حسن شُرّاب .
6 -التاريخ الإسلامي بين الحقيقة والتزييف ، للدكتور عمر سليمان الأشقر .
7 -نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية ، للدكتور سليمان بن حمد العودة .
8 -قضايا ومباحث في السيرة النبوية ، للدكتور سليمان بن حمد العودة .
9 -المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ وتفسيره ، للدكتور محمد رشاد خليل .
10 -نحو رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي ، نظرات و تصويبات ، للدكتور عبد العظيم محمود الديب .
11 -تاريخنا من يكتبه ؟ للدكتور عبد الرحمن علي الحجي .
12 -حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي ، للدكتور عماد الدين خليل .
13 -قضايا كتابة التاريخ الإسلامي وحلولها ، للدكتور محمد ياسين مظهر الصديقي .
14 -منهج كتابة التاريخ الإسلامي لماذا وكيف ؟ ، للدكتور جمال عبد الهادي و الدكتورة وفاء محمد .