2 -عدم تجاوز النقل الثابت إلى إيراد الظنون والفرضيات ، فهذا من فضل الدين أن حجزنا عنه ، ولم يفعل هذا مؤرخ فاضل ، ولم يقل أحد أن حسن الأدب هو السكوت عن الذنوب ، وإنما حسن الأدب هو رده وتنقية سيرة الصدر الأول منه ، كما أن حسن الأدب يقتضي السكوت عن الظنون والكف عن اقتفاء مالا علم لنا به يقينًا ، وكثيرًا ما تلحّ على المرء في هذا شهوة الاستنتاج ودعوى التحليل ، وقد أمرنا الشرع أن تكون شهادتنا يقينية لا استنتاجية فيما نشهد من حاضرنا ، ففي الآية { إلا من شهد بالحلق وهم يعلمون } ، فكيف بمن يشهد بالظن والهوى فيمن أدبر من القرون ؟؟!
3 -إن الإسلام له منهجه في الحكم على الرجال والأعمال ، فهو يأمر بالشهادة بالقسط وعدم مسايرة الهوى في شنآن أو في محبة ، ويأمر باتباع العلم لا الظن ، وتمحيص الخبر والتثبت فيه لئلا يصاب قوم بجهالة ، وهذا في حق كل الناس ، فكيف بخير القرون ؟؟!
القاعدة السادسة: الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف .
الأصل في هذه القاعدة قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في منهاج السنة ( 4/337 ) : والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل ، لا بجهل وظلم كحال أهل البدع .
ويدخل ضمن هذه القاعدة ، العدل في وصف الآخرين ، والمقصود به هو العدل في ذكر المساوئ والمحاسن والموازنة بينهما .
فمن المعلوم أن أحدًا لا يسلم من الخطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند (3/198 ) : كل بني آدم خطّاء . ولذلك ينبغي للمسلم إذا وصف غيره ألا يغفل المحاسن لوجود بعض المساوئ ، كما لا ينبغي أن يدفن المحاسن ويذكر المساوئ لوجود عداوة أو شحناء بينه وبين من يصفه ، فالله عز وجل أدبنا بأحسن الأدب وأكمله بقوله { ولا بخسوا الناس أشياءهم } .
وحين نجد من يذم غيره بذكر مساوئه فقط ، ويغض النظر عن محاسنه ، فإن ذلك يرجع في العادة إلى الحسد والبغضاء ، أو إلى الظنون والخلفيات والآراء المسبقة ، أو إلى التنافس المذموم ، ولكن المنصفين هم الذين يذكرون المرء بما فيه من خير أو شر ولا يبخسونه حقه ، ولو كان الموصوف مخالفًا لهم في الدين والاعتقاد أو في المذهب والانتماء .
القاعدة السابعة: العبرة بكثرة الفضائل .
فإن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث ، وكذلك من غلبت فضائله هفواته اغتفر له ذلك ، وفي هذا الصدد يقول الحافظ الذهبي رحمه الله: وإنما العبرة بكثرة المحاسن . السير ( 20 / 46 ) .
وهذه قاعدة جليلة تعد بمثابة منهج صحيح في الحكم على الناس ، لأن كل إنسان لا يسلم من الخطأ ، لكن من قل خطؤه وكثر صوابه فهو على خير كثير ، والإنصاف يقتضي أن يغتفر للمرء الخطأ القليل في كثير صوابه .
ومنهج أهل السنة هو اعتبار الغالب على المرء من الصواب أو الخطأ والنظر إليه بعين الإنصاف ، وهناك قاعدة أخرى يمكن اعتبارها في هذا الباب وهي كما ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ( 8 / 412 ) : العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية .
القاعدة الثامنة: إحالة الحوادث على الخطأ في الاجتهاد .
نحن لا نعصم فردًا أو مجتمعًا ، إلا أن يكون نبيًا أو رسولًا ، ومن هنا يجب أن نعلم أن الذين صنعوا التاريخ رجال من البشر ، يجوز عليهم الخطأ والسهو والنسيان ، وإن كانوا من كبار الصحابة وأجلائهم ، إلا أنه ينبغي إحالة الحوادث إلى الخطأ في الاجتهاد .
القاعدة التاسعة: الطريقة المثلى في معالجة القضايا والأخطاء .
يلزم دارس التاريخ أن يدرس الظروف التي وقعت فيها أحداثه ، والحالة الاجتماعية والاقتصادية التي اكتنفت تلك الأحداث ، حتى يكون حكمه أقرب إلى الصواب .
القاعدة العاشرة: الاستعانة بعلم الجرح والتعديل للترجيح بين الروايات المتعارضة وبناء الصورة التاريخية الصحيحة .
ينبغي الاستعانة بمنهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات ، فهو الوسيلة المثلى للترجيح بين الروايات المتعارضة ، كما أنه خير معين على رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ صدر الإسلام .
وعلى هذا الأساس يتم اعتماد الروايات الصحيحة ثم الحسنة لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع الإسلامي في عصر صدر الإسلام ، وعند التعارض يقدم الأقوى دائمًا ، أما الروايات الضعيفة التي لا تقوى ، فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة ، على شرط أن تتماشى مع روح المجتمع الإسلامي ، ولا تناقض جانبًا عقديًا أو شرعيًا ، لأن القاعدة: التشدد فيما يتعلق بالعقيدة والشريعة ، كما قال الدكتور أكرم ضياء العمري في المجتمع المدني ( ص 25 ) .
ومن ناحية ثانية إذا كان أهل الحديث يتساهلون في الرواية عن الضعفاء إن كانت رواياتهم تؤيد أحاديث صحيحة موثقة: فلا بأس إذًا من الأخذ بهذا الجانب في التاريخ ، وجعله معيارًا ومقياسًا إلى تحري الحقائق التاريخية ومعرفتها .
ومن هذا المنطلق تتخذ الأخبار الصحيحة قاعدة يقاس عليها ما ورد عند الإخباريين مثل سيف بن عمر والواقدي وأبي مخنف .. وغيرهم ، فما اتفق معها مما أورده هؤلاء تلقيناه بالقبول ، وما خالفها تركناه ونبذناه .
القاعدة الحادية عشر: الرجوع إلى كتب السنة كمصدر مهم لأخبار صدر الإسلام .
إن من المفيد جدًا في كتابة التاريخ الإسلامي الرجوع إلى كتب السنة كمصدر موثوق وراجح لأخبار الصدر الأول ، لوجود روايات تاريخية كثيرة فيها على درجة عالية من الصحة ، ونظرًا لأن كتب الحديث خُدمت أكثر من كتب التاريخ من قبل النقاد .
وتتضاعف كمية هذه الأخبار الموثوقة بالرجوع إلى كتب السنن والمسانيد والمصنفات ومعاجم الصحابة وكتب الفضائل والطبقات والتواريخ التي صنفها المحدثون ، وكتابات العلماء الذين كانت لهم عناية بشرح كتب الحديث ، وذلك أن ثقافتهم الحديثية الممحصة واقتباساتهم من كتب التاريخ المفقودة التي دونها المحدثون الأولون جعلت شروحهم غنية بنصوص تاريخية .
فعلى سبيل المثال يعتبر كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر رحمه الله مثلًا واضحًا لهذه الكتب وهؤلاء العلماء ، إذ يشمل من الفوائد التاريخية كمية لا يستهان بها كما هو كتاب حديث .
القاعدة الثانية عشر: معرفة حدود الأخذ من كتب أصحاب الأهواء والفرق .
اعتنى أهل السنة بضبط مذهب الفرق وأقوالهم لتعرف أحوالهم ومواقفهم ويكون المسلم على بينة منها ، فلا يخدع من قبلهم ، ولأجل هذا لابد للمؤرخ المسلم من التعرف على اتجاهات هؤلاء وعقائدهم ، لأن ذلك يمكنه من التعامل مع النصوص التي وأوردوها بما لديه من خلفية عن اتجاهاتهم وآرائهم ومواقفهم ، ثم يقارنها بغيرها من الآراء التي عند المؤرخين أو العلماء العدول الثقات .
وعلى ضوء المقابلة والمقارنة بين النصوص ينظر إلى تعصب الراوي من عدمه ، فمن لاحت عليه أمارات التحزب أو التحيز لنحلة أو طائفة أو مذهب لا يؤخذ منه في هذه الحال ، أما من لا يلحظ عليه التعصب - وإن كان من أهل البدع - وكان صدوقًا في نفسه معروفًا بالورع والتقوى والضبط تقبل روايته .
القاعدة الثالثة عشر: معرفة ضوابط الأخذ من كتب غير المسلمين .