-في خضم هذا اللغط المخلط للمفاهيم ، كان الشيخ مصطفى صبري ( 1869 - 1954م ) آخر شيوخ الإسلام المفتين في الدولة العثمانية قد أصدر كتابًا بعنوان: ( الرد على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة ) فكان صوتًا صادقًا صادعًا بالحق في وجه تغول الفكر العلماني وهجمته الانتهازية على أصول الإسلام من خلال تآمرهم على صرحه الباقي وحصنه الأخير .
وكان الشيخ أيضًا ممن اغتر بدعاوى الإصلاح التي رفعها الاتحاديون ، فشارك في تأييد خلع السلطان عبد الحميد في مجلس ( المبعوثان ) على غير إدراك لأبعاد تآمر هؤلاء الاتحاديين على تركيا والعالم الإسلامي كله ، ولما تبينت له تلك الأبعاد قال نادمًا: « أيدت خلع السلطان عبد الحميد ، وبعد ستة أشهر تبين لي أن ثقله السياسي كان يساوي ثقل أعضاء مجلس المبعوثان جميعًا ويزيد » .. وبدأ بعد ذلك في الكشف عن حقيقة الكماليين التي اتضحت له ، وهاجم أتاتورك في أوج تألقه والتفاف الناس حوله ، وألف في الرد على من أيدوا اتجاهه المنحرف ، وبخاصة علي عبد الرازق ، حيث فند شبهاته وأبطل دعاويه .
-أما بالنسبة للأزهر كأعلى مؤسسة علمية إسلامية في ذلك الوقت فقد فوجئ علماؤه بكارثة إلغاء الخلافة ، وفوجئوا كذلك بمسارعة الحسين بن علي إلى الدعوة لنفسه بالخلافة دون مشورة من بقية المسلمين ، كما كانت مفاجأة لشيخ الأزهر في ذلك الوقت ( محمد أبو الفضل الجيزاوي ) أن يرشح الملك فؤاد ، ملك مصر الأسبق نفسه لهذا المنصب بعد أن دعاه إلى ذلك حفيد الأمير عبد القادر الجزائري ، فطلب منه أن يعلن نفسه خليفة ، ويجعل من القاهرة عاصمة جديدة للخلافة ، وكان لهذه الدعوة أنصار في مصر ، كما كان لها معارضون مغالون في المعارضة ، وعلى رأسهم الأحزاب العلمانية الناشئة ، كحزب الأحرار الدستوريين و حزب الوفد .
-ثارت دعوة من خلال الأزهر لعقد مؤتمر إسلامي عام لمناقشة مسألة الخلافة الإسلامية ، كان من ورائها دفع من قصر الحكم في مصر .
وكان واضحًا أن للملك فؤاد رغبة في أن يصبح خليفة للمسلمين ، فقوبلت هذه الرغبة من معارضيه السياسيين أشد المعارضة ، وكانت معارضة شخصية سياسية أكثر منها دينية ، ونجح هؤلاء المعارضون السياسيون في أن يقحموا السياسة في الدين على عكس مبدئهم المشهور ( لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة ) فهنا فقط أدخلوا السياسة في الدين ، وأغروا بعض المشايخ كما حدث من علي عبد الرازق ، بأن يصيغوا هذا الرأي السياسي المعارض صياغة دينية ، فجاء هذا الكتاب الكارثة ، على تلك الخلفية السياسية الشخصية الانتهازية .
-تزعم حزب الأحرار الدستوريين ( العلماني ) المعركة ضد الخلافة ، لا اعتراضًا على شخص الملك فؤاد فقط ، بل رفضًا لمسألة الخلافة من أساسها لا بل رفضًا لحكم الشريعة بالمرة ، فقد كان ذلك الحزب رافضًا لأن ينص الدستور المصري لعام 1923م على أن الإسلام هو دين الدولة ، وكانت اللجنة المشكلة لوضع هذا الدستور كلها من أعضاء ذلك الحزب ، وكان حزب ( الأحرار ) هذا مدعومًا من الإنجليز ، وكان ينافسه في العمل الحزبي ، حزب الوفد الليبرالي العلماني أيضًا ، ولكنهما مع اختلافهما الشديد الذي وصل إلى حد العداوة ، اتفقا على معارضة عودة الخلافة .
-أما المؤتمر المدْعُو له لبحث النازلة العامة بحثًا عامًا فقد تنادى للاستجابة له علماء شرعيون كثيرون ، وقد كان هذا الأمر جيدًا في وقته ؛ فأن يبت علماء الأمة في شأن عظيم من شؤونها في مؤتمر عام أمر يحمد لهذا الجيل ، ويحسب في رصيده ، أما ما لم يحمد فهو أن ذلك المؤتمر قد انتهى إلى طريق مسدود ؛ فقد عقد ذلك المؤتمر في التاسع عشر من شعبان سنة 1343هـ الموافق 25/3/1924م ، أي في السنة نفسها التي أعلن مصطفى كمال أتاتورك فيها إلغاء الخلافة ، وبالرغم من أنه عقد لبحث قضية إسلامية عالمية ، فقد غلبت عليه الصفة الإقليمية ، فجُل العلماء المجتمعين على فضلهم لا يمثلون إلا العلماء الرسميين الذين ينتمون إلى البلد التي يقودها ذلك الملك المرشح للخلافة وهي مصر .
-انتهى مؤتمر النازلة الكبرى بعد بحث طويل إلى مقررات تتلخص في تقرير شرعية منصب الخلافة وطرق انعقادها ودعائم بقائها وأسباب زوالها عن الشخص المعقودة به ، ليخلص التقرير الصادر عن المؤتمر من ذلك إلى أن عزل كمال أتاتورك للسلطان وحيد الدين عن الخلافة جاء لأسباب ارتضاها المسلمون الذين كانوا يدينون لخلافته ، ثم أشار التقرير إلى الخطوة الثانية من خطوات أتاتورك ، وهي تحويل الخلافة إلى خلافة روحية في شخص السلطان عبد المجيد ، وبيَّن أن ذلك الفعل من المجلس الوطني التركي ( بدعة ) ما كان المسلمون يعرفونها من قبل ، لكن التقرير نبه على أن خلافة عبد المجيد على هذا الشكل ليست شرعية ، وأن البيعة له بشرط أن يكون معزولًا عن السياسة لم تكن صحيحة أصلًا ، وحتى لو كانت صحيحة فإن عبد المجيد لم يكن يملك النفوذ والقوة المشترطة فيمن يتولى الخلافة ، لهذا فإنه ليست له بيعة في أعناق المسلمين لزوال المقصود من تنصيبه شرعًا ، واعتبر التقرير أنه « ليس من الحكمة ولا مما يلائم شرف الإسلام والمسلمين أن ينادوا ببقاء بيعة في أعناقهم لشخص لا يملك الإقامة في بلده ، ولا يملكون هم تمكينه منها » .
? إذن فما هو الحل ؟!
حاول المؤتمرون أن يسوِّغوا العجز عن تقديم مبادرة لحل الأزمة ، بأن « العالم الإسلامي أصبح في أزمة بسبب الضجة التي أحدثها الكماليون في تركيا بإلغائهم منصب الخلافة ، وجعلوا هذا الاضطراب سببًا في أن « لا يتمكن المسلمون معه من البت في تكوين رأي ناضج في مسألة الخلافة ، ولا في من يصح أن يكون خليفة لهم » ومن أجل هذا دعا مؤتمر الأزهر إلى عقد مؤتمر أوسع: « لهذه الأسباب نرى أنه لا بد من عقد مؤتمر ديني إسلامي يُدعى إليه ممثلو جميع الأمم الإسلامية للبت فيما يجب أن تسند إليه الخلافة الإسلامية ، وتكون بمدينة القاهرة ، تحت رئاسة شيخ الإسلام بالديار المصرية ، على أن يعقد في شهر شعبان من 1343هـ مارس 1925م » أي بعد مرور عام كامل من المؤتمر الأول !!
ولم ينس المؤتمرون قبل أن يطووا أوراقهم أن يوجهوا الشكر للأمم غير الإسلامية ( الكافرة ) التي « راعت » ظروف المسلمين في هذا الظرف العصيب ، فلم تتدخل في شؤونهم .. « نعلن شكرنا للأمم التي تدين بأديان أخرى غير الدين الإسلامي ، ولدول تلك الأمم على ما أظهروه إلى الآن من ابتعادهم عن التدخل في شؤون الخلافة الإسلامية ، ونرجو منهم أن يلاحظوا أن مسألة الخلافة مسألة إسلامية محضة لا يجوز أن تتعدى دائرتها ، ولا يهتم بها أحد من غير أهلها » !
ولنا ملاحظات وتساؤلات على ذلك المؤتمر ، وهي: هل كان المؤتمرون لا يعلمون شيئًا عن الدور الذي لعبته دول الأمم ( التي لا تدين بالإسلام ) في ترتيب خطوات إسقاط الخلافة بأشكال مباشرة وغير مباشرة ؟ .. وهل كانت وظيفة المؤتمر فقط أن يضفي شرعية على عزل السلطان عبد المجيد ؟
وكيف لم يكن الحكم الشرعي في العلمانية المطروحة بديلًا للخلافة موضوعًا ضمن مقررات المؤتمر ؟ وكيف نجح العلمانيون في أن يؤثروا على توصيات المؤتمر بحيث لا يشير أي إشارة إلى حل بديل في قضية الخلافة ؟
المؤتمر إذن لم ينجح ، وأرجأ إعلان عدم نجاحه إلى عام قادم يعقد فيه المؤتمر الثاني لبحث ( النازلة الكبرى ) !
? المؤتمر الثاني الموعود: