فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 3028

وبموافقة أتاتورك على تلك الشروط عقدت اتفاقية ( لوزان ) وتركت لحكومته كل الأراضي التي كانت قد سلبت من الأتراك العثمانيين ليظهروه بمظهر البطل صاحب الإنجازات ! لاحظ معي أن روح ( لوزان ) لا تزال قانونًا غير مكتوب ، يحكم العلاقة بين الكيانات العلمانية التي سارت على درب أتاتورك ، وبين دول الكفر المختلفة .

وقد حاولت بريطانيا في الوقت نفسه أن تشجع العرب على الانشقاق عن الأتراك ، لإنشاء خلافة عربية ، بشرط أن تكون ( روحية ) أيضًا ! فمرة تُمَنِّي ( الشريف حسين بن علي ) في ملك العرب جميعًا ، ومرة تتغاضى عن طموحات الملك فؤاد ملك مصر السابق في أن تكون القاهرة ( المحتلة ) عاصمة الخلافة !

فماذا كانت مواقف المسلمين ، بعلمائهم وفقهائهم ومفكريهم وأرباب الدعوة فيهم تجاه هجوم العلمانية ، ومفهوم الخلافة « الروحية » الذي انتهى إلى الفناء والإلغاء ؟!

كيف كانت منازلتهم لهذه النوازل الجديدة المناقضة لأمور معلومة من الدين بالضرورة ، وتتلخص في أن الحكم بشريعة الإسلام واجب يكفر منكره ، ويرتد جاحده ؟! ...

ماذا كان موقف علماء ذلك العصر ومفكريه من طاغية ذلك العصر المبدل للدين والمذل للمسلمين ؟! هذه بعض إلماحات مختصرة عن تلك المواقف قبيل وبعيد قرار إلغاء الخلافة البعض منها يدل على الكل ، في ملامح مرحلة حرجة من تاريخ الأمة المعاصرة ، أسست أزماتها لكل الأزمات والنوازل بعدها ، وتشابهت المواقف من المجرمين وقتها ، من المجرمين بعدها .

?ليتهم سكتوا:

-سبقت جرأة كمال أتاتورك على إعلان تحويل الخلافة إلى منصب روحي ، دراسة كان قد طلب إعدادها من فريق من ( الفقهاء ) الأتراك ، وتم صدورها في بيان فقهي تحت عنوان ( الخلافة وسلطة الأمة ) يتضمن القول بأن الخلافة مجرد مسألة سياسية صرفة ، ولا علاقة لها بالدين والاعتقاد ، ودعا إلى إرجاء الكلام فيها مطلقًا ، أو قلبها إلى مجرد سلطة روحية » .

وكان هذا الفقه الفاسد متكأ أتاتورك بعد ذلك في إلغاء الخلافة بشكل كلي .

-طرح أحد أبرز مفكري ذلك العصر ، وهو عبد الرحمن الكواكبي ( ت 1902م ) المنحدر من أصول إيرانية شيعية ، مبدأ الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية للخليفة ، بوضوح تام في كتابيه ( طبائع الاستبداد ) و ( أم القرى ) واقترح أن يكون للخليفة سلطة محددة بمنطقة الحجاز فقط ، تشبه سلطة البابا على مدينة الفاتيكان ، وقد اقتبس الكواكبي ذلك الطرح عن تيار ( العثمانيين الجدد ) الذين نقلوه بدورهم عن مؤلفات الأرمني النصراني ( مورداجا وهسون ) وقرينه ( غريك سوفاس ) .

-أطلق رجل بحجم ( أحمد شوقي ) قصيدة في تبجيل أتاتورك وسماها ( تكليل أنقرة وعزل الأستانة ) أي تكليل الكمالية وعزل السلطان والخلافة ، وعندما ادعى أتاتورك الانتصار على اليونان في حربه التمثيلية ضدهم أطلق أحمد شوقي أبياته المشهورة:

الله أكبر كم في الفتح من عجبِ * * * يا خالد الترك جدد خالد العربِ

ولكن أحمد شوقي أسقط في يده بعد ذلك عندما فوجئ بأن ( خالد الترك ) بدلًا من أين يجدد خالد العرب ، فإنه بَدَدَ مجد الترك ومجد العرب .

-كان زعيم الحركة السنوسية ، من أبرز من أيدوا الفصل بين الخلافة والسلطنة ، معتبرًا أن ذلك في مصلحة الإسلام ، بل إنه نشر في جريدة الأهرام المصرية ، في 28/9/1923م ، بيانًا ذهب فيه إلى أن نزع السلطة المدنية من يد الخليفة سيعزز نفوذه الإسلامي ؛ لأنه سيصبح زعيمًا عامًا وروحيًا للأمة كلها ! - كان موقف جمال الدين الأفغاني ( ت 1897م ) من السلطان عبد الحميد غامضًا ؛ فبعد تأييده في إعادة الاعتبار لمفهوم ( الجامعة الإسلامية ) بدأ يطالبه بأشياء مثيرة للشكوك ، كأن يطالبه بتعريب الأتراك ، ونقل عاصمة الخلافة إلى عاصمة أخرى .

وجمال الدين الأفغاني ليس أفغانيًا بل إيراني شيعي ( على الراجح ) ، كما أكد الشيخ مصطفى عبد الرازق في تقديمه لمقالات مجلة ( العروة الوثقى ) والكاتب ( قدري قلعجي ) في كتاب نشر له عام 1951م يتناول سيرة الأفغاني و محمد عبده و سعد زغلول .

وسيرة الأفغاني المملوءة بالتقية الشيعية انعكست على طريقة تعامله مع مسألة الخلافة الإسلامية ، وهو ما جعل السلطان عبد الحميد يرتاب منه وينأى عنه .

-وقف التيار الجهادي المغربي موقفًا غريبًا من أزمة الخلافة ؛ فقد عارض عبد الكريم الخطابي ( 1881 - 1962م ) الدعوة لإعادة الخلافة بعد إلغائها وكانت تعليمات الخطابي لمندوبه في مؤتمر إعادة الخلافة ألا يؤيد أي مرشح لها 13.

وبالرغم مما قامت به حركة الخطابي من بطولات فذة ، أفقدت الأسبان و الفرنسيين صوابهم وأجبرتهم على الانسحاب من أكثر الأراضي المغربية التي احتلوها ، فإن ذلك الموقف من الخلافة التي قامت بعد خلافة الأندلس التي كانت المغرب إحدى حواضرها الزاهرة ، كان غريبًا في وقته ، وحتى لو كانت لحركة عبد الكريم الخطابي قضاياها الخاصة الكبيرة وهذا ما كان بالفعل فإن من غير المفهوم أن يكون الجهاد في إحدى البقع الإسلامية صارفًا ولو وجدانيًا عن المشاركة في النوازل الجماعية التي تنعكس على مجمل أوضاع الأمة .

-وفي الجزائر كان للشيخ عبد الحميد بن باديس زعيم الإسلاميين في الجزائر في ذلك الوقت ومؤسس ( جمعية علماء الإسلام ) التي أضاءت سماء الجزائر بالعلم النافع والتجديد المتسارع موقف مغاير من أتاتورك خالف به جمهور الإسلاميين ؛ إذ نظر إليه على أنه « أعظم رجل عرفته البشرية في تاريخها الحديث » !! وقال عنه: « إنه عبقري من أعظم عباقرة الشرق الإسلامي كله » ووصفه بأنه « محيي الشرق الذي غيّر مجرى التاريخ » ولم يعد ابن باديس أتاتورك متهمًا بالقضاء على مكانة الإسلام ، بل جعل له ( شرف ) القضاء على ( أصحاب العمائم ) الذين أضروا بالإسلام !! ورأى ابن باديس أن الخلافة خيال غير قابل للتطبيق ؛ وأنه لا يمثله في الحقيقة إلا مؤسسة من ( أهل الحل والعقد ) التي يتصورها مرجعية دينية أدبية ، بعيدة كل البعد عن السياسة والتدخل في شؤون الحكومات ، وكان لا يتصور الخلافة نظامًا إسلاميًا شرعيًا ، ولكن يتصور بدلًا منها عالمية إسلامية ثقافية ! 14 .

قد تكون لحركة ابن باديس ظروفها الموضوعية وتقديراتها الخاصة لما جرى في تركيا ، وقد تكون للشيخ مآخذه على منهج خلفاء آل عثمان ، ولكن ذلك لا يعني بحال أن يكون الطاغية ( أتاتورك ) محلًا لهذا الاحتفاء والمدح ردًا على ما يُرى في العثمانيين من مثالب وقدح .

-وفي مصر التي كانت تحت الاحتلال الإنجليزي في ذلك الوقت ، نشأ اختلاف حاد تجاه ما أحدثه أتاتورك ، بلغت حدته أن عده بعضهم مرتدًا ، واعتبره آخرون مجددًا ، وبلغ اللغط قمته عندما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه الصاعق ( الإسلام وأصول الحكم ) فصاغ فيه أفكار الليبرالية العلمانية بلغة أزهرية ، تلبيسًا منه وتدليسًا ، وكان عبد الرازق قد تلقى قسطًا من تعليمه في جامعة أكسفورد ، وأسبغ عليه منصبه في القضاء وزنًا أدبيًا جعل مؤلفه فتنة في وقته ؛ حيث زعم فيه أن الإسلام دين وعبادة فقط ، ولا دخل له بالحكم ولا السياسة ، وبناء عليه فلا أساس لمشروعية منصب الخلافة ، ولا صحة لوجود شيء اسمه الحكم الإسلامي حتى في عهد الرسالة ؛ حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم كما زعم عبد الرازق مجرد مبلِّغ للدين والرسالة ، وقد عرض كتابه على ( طه حسين ) داعية التغريب الملقب بـ ( عميد الأدب العربي ) فأضاف طه إضافات على كتاب عبد الرازق زادته ظلمات فوق ظلمات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت