و قد وضح الإسلام العلاقة بين المعلم و المتعلم في ضوء الفكر التربوي الإسلامي، فقد أخذ القابسي بالقاعدة التي تقول:"إن الله ليملي للظالم حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فالعفو أسبق من العقاب، و الصبر مقدمة الحساب."
فأمر المعلمين بالرفق مع الصبيان و إن كان العفو مع الذنبين من الكبار واردا، فهو مع الصبيان واجب لصغر سنهم و طيش أعمارهم وضيق حلومهم و قلة مداركهم.
فالمعلم ينزل من الصبيان منزلة الوالد، فهو المأخوذ بآدابهم و القائم على زجرهم و هو الذي يوجههم إلى ما منه مصلحة أنفسهم وهذا التوجيه يحتاج إلى سياسة و رياضة حتى يصل المعلم بالطفل مع الزمن إلى معرفة الخير و الشر. (8)
3.الكفايات الأخلاقية: و من الكفايات الأخلاقية التي يجب توافرها في المعلم المسلم:
( أ ) القدوة يقول الشاعر
لا تنه عن خلق و تأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيما
يجب أن يكون المعلم قدوة حسنة لتلاميذه في تعليمه للأخلاق، فالمعلم في فكر التربوي الإسلامي بإشراط الغزالي على المعلم أن يعمل بعلمه و استشهد بقوله تعالى:
"أتأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم"
و يشير ابن جماعة إلى أثر القدوة الحسنة بقوله"و يسلك - أي التلميذ - في الهدي مسلكه - أي مسلك العلم - و يراعي في العلم و الدين عاداته و عبادته و يتأدب بآدابه و لا يدع الإقتداء به"
و لقد حرص الغزالي على أن يبين أن التمسك بالمبادئ و العمل على تحقيقها يجب أن يكونا من صفات المعلم المثالي، فنصح المعلم بأن لا ينادي بمبدأ و يأتي أفعالا تتناقض مع هذا المبدأ و لا يرتضي المعلم لنفسه من الأعمال ما ينهى عنه تلاميذه، و إلا فالمعلم يفقد هيبته و يصبح مثارا للسخرية و الاحتقار فيفقد بذلك قدرته عل قيادة تلاميذه و يصبح عاجزا على توجيههم و إرشادهم.
يقول الغزالي:"مثل المرشد من المسترشدين مثل النفس من الطين بما لا نقش فيه و متي يستوي الظل و العود أعوج ؟؟"
(ب) الزهد و التواضع
و يتمثل ذلك في أن يقتصد المعلم في ملبسه و مطعمه و مسكنه و حدها ابن جماعة بأن يكون ( من غير ضرر على نفسه و عياله) .
فالتواضع من صفة العلماء و أن لا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن يعلمه سواء كان دونه منصبا أو نسبا أو سنا.
(ج) الوقار و الهيبة
ينصح ابن جماعة المعلم بأن يتجنب مواضع التهم و إن بعدت و لا يفعل شيئا يتضمن نقص مروءته أو ما يستنكر ظاهرا و إن كان جائزا باطنا فإنه يعرض نفسه للتهمة و عرضة للوقيعة.
و أن لا يضحك مع الصبيان و لا يباسطهم لئلا يفضي ذلك إلى زوال حرمته عندهم، كذلك ف، مشية المعلم يجب أن تكون مشية العلماء و أن ينزه نفسه عن المهن الوضيعة و أن يصطحب الوقار و الهيبة مع إخلاصه في العمل ليكون رزقه حلالا.
و يظهر ذلك جليا في أفكار المسلمين الأوائل فعند أخوان الصفا المعلم له شروط و صفات أوجزها في ( الزهد في الدنيا و قلة الرغبة في ملاذها مع التهيؤ الفعلي في العلوم و الصنائع، صارفا عنايته كلها إلى تطهير نفسه قادرا على تحمل كافة المشاق من أجل العلم و أن يكون مشتملا برداء الحلم، حسن العبادة أخلاقه رضية، و آدابه ملكية، معتدل الخلقة، صافي الذهن خاشع القلب)
4.الكفايات الجسدية:
يهتم الفكر التربوي الإسلامي اهتماما بالغا في الجانب الجسدي عند المعلم فيصف القلقشندي المعلم بأنه"حسن القد، واضح الجبين، واسع الجبهة" (9)
و يبدوا أن ابن جماعة كان أكثر موضوعية كان أكثر موضوعية حيث وصف المعلم أن يكون دائما بالمظهر المناسب من حيث نظافته ونظافة ثيابه و تطيبه لإزالة كريه الرائحة ، فالمدرس إذا عزم على مجلس التدريس تطهر من الخبث و تنظف و تطيب ولبس أحسن ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه قاصدا بذلك تعظيم العلم
و يبدو أن ذلك مستوحى من اهتمام الدين الإسلامي بالصحة و النظافة بشكل عام فالوضوء و الاغتسال و أخذ الزينة عند كل مسجد مظاهر تأثر بها المفكرون في التربية الإسلامية و حرصوا عليها لأن النظافة من الإيمان.
فقد قال ابن جماعة مختصرا المعلم بأنه:"هو الذي كملت أهليته و كان أحسن تعلما - أي كفايته العلمية- و أجود تفهما - أي الكفاية المهنية - و ظهرت مروءته و عرفت عفته - أي الكفاية الأخلاقية-"
و لعلنا مما سبق عرضه لاحظنا بأن النظريات العلمية و الإنسانية الحديثة قد ظهرت عند علماء التربية العرب و المسلمين منذ مئات السنين حيث ظهرت إسهاماتهم جلية بعيدة عن اجتهاد الجهال و نزوات المخلفين، بل بذلوا عصارة فكرهم في بيان أصول التربية و فلسفتها و طرق تدريسها فظهرت عدة خلاصات و إيضاحات منها:
1.النظرة الخاطئة نحو التعليم كوسيلة ارتزاق حيث بين الإسلام أهمية هذه المهنة و وظيفتها.
2.بيان أهمية مهنة التعليم في الإسلام بعد أن تحقرت عند المجتمعات كمهنة إنشاءات و خطابات.
3.توضيح العلاقة بين الكم و الكيف في إعداد المعلم في ظل الفكر التربوي الإسلامي
و هذه البنود الثلاثة هي التي تحدد المعلم الرسالي من المعلم العادي.
ثالثا: الحاجات التكوينية اللازمة للمعلم في ظل الفكر التربوي الإسلامي. (6)
بالإضافة إلى ما سبق ذكره من سمات للمعلم و التي يجب أن تكون في المعلم الذي ينتهج الفكر التربوي الإسلامي لكي يكون متكاملا قدر الإمكان، فهناك عدة أمور يجب توافرها في المعلم ليكون معاصرا، منها:
1.مواكبة التغيرات الحادثة: فالتغير سمة من سمات الكون و ناموس التغير وارد في القرآن الكريم، قال تعالي:"كل يوم هو في شأن"الرحمن:29، فالثورة التكنولوجية الحادثة حاليا جعلت هناك تدفقا هائلا للمعرفة الدقيقة و إرسال كميات هائلة من المعلومات، يجب على المعلم في ضوئها أن يحسن استخدامها، و يسخرها داخل عمليته التعليمية لمواكبة التطورات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، مما يساعده على محاربة جميع التحديات التي باتت تغزو بلاد المسلمين.
لقد أصبحت الثقافة العامة الآن بعدا هاما من الأبعاد الأساسية لإعداد المعلم و التي تزيده سعة و تعمقا في الفهم و ميولا عقلية تدفع بصاحبها إلى البحث و الاستزادة من العلم و قدرة على متابعة الجديد و تفسير الاتجاهات و تفهمها.
و من هنا كان توجيه ابن جماعة للمعلم"بأن لا يدع فنا من الفنون أو علما من العلوم إلا نظر فيه ، فإن ساعده القدر و طول العمر على التبحر فيه فذاك ، و إلا فقد استفاد منه ما يخرج به من عداوة الجهل بذلك العمل، و يعتني من كل علم بالأهم فالأهم." (2)
2.تحديد مصادر برامج إعداد المعلمين وفق الفكر الإسلامي: لأن النظام التعليمي ينمو و يترعرع في ظل فكر فلسفي يغذيه، و يتم تحديد الأهداف لتكوين المعلم في ضوئها مما يساعد لمعلم على الحكم السليم في معالجة المشكلات. و من المصادر التي يجب أن ينبثق عنها إعداد المعلم: