فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 3028

وفي عام 1336هـ / 1917م أي وقت اشتعال ما سُمي بـ ( الثورة العربيةالكبرى ) بقيادة المغامر المقامر ( حسين بن علي ) الذي وقف بثورته في صف النصارى ضد المسلمين الأتراك كانت وزارة الخارجية البريطانية قد أعدت وثيقة بالتزامن مع وثيقة ( وعد بلفور ) تبين الموقف البريطاني الرسمي وهدفه من استمرار القتال في الحرب العالمية الأولى ، جاء فيها: « لا شك في أن تحطيم الإمبراطورية العثمانية الفعلي هو أحد الأهداف التي نعمل على تحقيقها ، وقد يبقى الأتراك شعبًا على شيء من الاستقلال ضمن منطقة آسيا الصغرى ، وإذا تم لنا النصر فمما لا شك فيه أن الأتراك سيحرمون من جميع المنطقة التي نطلق عليها اسم الجزيرة العربية ، كما أنهم سيحرمون من معظم الأجزاء الهامة في وادي الفرات و دجلة ، وستفقد إستنابول و سوريا و أرمينيا ، كما أن أجزاء من جنوبي آسيا الصغرى إذا لم تضم إلى القوات الحليفة ؛ فإنها ستكون بصورة ما تحت سيطرتهم » 5 .

? وهنا تثور تساؤلات عديدة:

-أين كان علماء الأمة وحكماؤها وأهل الحل والعقد فيها ، وتلك الأحداث المتتابعة تفور وتمور بهذا الشكل المدمي للقلوب ، ولماذا اعتبرت هذه الأمور الخطرة على مستقبل الإسلام في العالم مجرد مشكلات ( محلية ) في الدولة التركية ؟!

-ولماذا سكتت الشعوب على هذه المهازل المجموعة في دفعة مركزة من التغيير الجذري والقسري الذي أصاب جوهر حياة الإنسان المسلم ؟!

-عندما زالت الخلافة العثمانية ؛ لماذا زالت معها معالم التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة على مستوى الحكومات التي خلفتها في تركيا وغيرها ، وهل كانت مشكلة المنافقين العلمانيين مع نظام الخلافة العثمانية أم مع نظام الحكم الإسلامي

نفسه ؟!

-هل كان دور المرتدين والمنافقين أسبق في إتمام المؤامرة أم كان دور الكفار من النصارى واليهود أسبق ، أم أن غياب الوعي وعجز الإرادة في خواص الأمة هو الذي مهد الطريق لهؤلاء وهؤلاء ؟!

-هل كان لهذه الهجمة صداها في عصر ما قبل الجماعات والحركات الإسلامية ، وهل قامت هذه الجماعات بعد نشوئها كرد فعل على النازلة هل قامت بمحاولات جادة لإيقاف تكرار هذه المؤامرة الكبرى في أماكن أخرى ؟ وهل كانت

هذه المحاولات على المستوى المتناسب مع النازلة ، أم أنها كانت نازلة عن مستواها بسبب فرقة الصفوف واختلاف الكلمة ؟!

-مع ما تواجهه الحركات الإسلامية خاصة ، والشعوب الإسلامية عامة ، من هجمة غربية ربما تكون أشرس من الهجمة السابقة في القرن الماضي .. هل من المناسب أن تظل برامج تلك الحركات والجماعات كما كانت عليه خلال القرن

الماضي ، وهل سيظل ( أمل ) إقامة النظام الإسلامي العالمي بخطواته المتدرجة على رأس أولويات العمل الإسلامي الآن كما كان الشأن قبل ذلك ؟!

-وأخيرًا ... ونحن لا نزال نعيش آثار العدوان على كياننا الإسلامي الجامع ، هل هناك أمل باقٍ في إعذار شرعي حقيقي إلى الله ، يؤدي فيه هذا الجيل الواجب المنوط به ، دون ترحيل للمسؤولية إلى الأجيال القادمة ... أم أننا سنظل

نؤثر الانتظار دون إعذار .. ؟!

أرجو أن تتيسر الفرصة لمناقشة هذه التساؤلات أو بعضها في أعداد قادمة

بإذن الله .

العلمانية .. « إمبراطورية النفاق » من مهد لها الطريق ؟!

الشيخ الدكتور / عبد العزيز كامل

في هذا المقال يتتبع الشيخ الدكتور / عبد العزيز كامل نشأت القومية ( العلمانية ) في البلاد الإسلامية وكيف أنها بدأت يهودية ثم حمل رايتها النصارى .. دعوة وتنظيرا ... ثم انضم إليهم ما أسماهم المنافقين ممن ينتسبون إلى الإسلام .

ويعرض الدكتور عبد العزيز مواقف علماء الأمة من نازلة إحلال العلمانية اللادينية محل الخلافة الإسلامية ، مناديا بقراءة جديدة للتاريخ الإسلامي المعاصر تبرز دور المنافقين في تغريب الدين

عندما يتناول المهتمون بالشأن الإسلامي الكلام عن حدث إسقاط الخلافة الإسلامية في تركيا ، ويتناوبون تقليب جوانب تلك النازلة الكبرى التي لا تزال الأمة تعيش آثارها منذ ثمانين عامًا ، فلا ينبغي أن يفهم ذلك على أنه إشادة مطلقة ، أو تزكية عامة لمسلك العثمانيين في إدارة شؤون عموم المسلمين ، فلا شك أن تلك الإدارة اعتراها الكثير من المآخذ المنهجية والسلوكية ، وبخاصة في المرحلة الأخيرة من عمر تلك الخلافة الممتدة عبر خمسة قرون ، ولكن تلك المآخذ لا ينبغي أيضًا أن تأخذنا بعيدًا إلى حد التهوين من شأن ما أصاب الأمة بعد حل رابطتها العالمية وكتلتها الإسلامية الدولية ممثلة في تلك الخلافة .

لقد كانت نكبة الأمة بسقوط السلطة في أيدي العلمانيين المنافقين اللادينيين بعدها في أكثر بقاع العالم الإسلامي ؛ أشد ضررًا وأنكى أثرًا من سقوط الخلافة العثمانية نفسها ، حيث جسَّد أولئك المنافقون العلمانيون بعد سيطرتهم المبدأ الفاسد الكاسد بفصل الدين عن الدولة ، وأصَّلوا فرقان الشيطان بين السلطان والقرآن ، ذلك الفرقان الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « ألا إن السلطان والقرآن سيفترقان ، فلا تفارقوا الكتاب » 6 .

وكان هذا « الفصل » بين الدين والدولة ، أو بين الشرع والحُكم ، تضييعًا للشرع وإضعافًا للحُكم ، بل كان إضعاف الحكم بالإسلام مقدمة لإضاعة الدين والدنيا معًا ، في تتابع مستمر قابل لأن يطال كل أسس الدين وثوابت الشريعة ، كما أخبر الصادق المصدوق في قوله صلى الله عليه وسلم: « لتُنقضَنَّ عُرى الإسلام عُروة عُروة ؛ فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ؛ فأولهن نقضًا الحُكم ، وآخرهن الصلاة » 7 .

وقد صدَّقت حقائق التاريخ المعاصر هذه النبوءة المعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فما أن يُنقَض الحكم بالإسلام في أرض ، إلا ويتسلط عليها شياطين الإنس ، فيقوضون بنيانها وينقضون عُراها بدءًا بمنصة القضاء الشرعي ، وانتهاء بإقامة الصلاة التي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم إقامة الولاة لها في الناس فيصلًا بين شرعية ولايتهم أو عدم شرعيتها ؛ وذلك عندما سأله بعض الصحابة عن حكم أئمة الجور قائلين: « أفلا ننابذهم بالسيف ؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة » 8 [3] .

الأمر إذن ، ليس ولاية عبد الحميد أو وحيد أو عبد المجيد من خلفاء آل عثمان ، وإنما هو في تعبيد طريق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ، وفي إقامة سلطان الشريعة التي لا تصلح ولا تقبل خلافة الإنسان في الأرض إلا بها: [ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ] ( ص: 26 ) .

ولا يصلح تحاكم الناس في الدماء والأموال والأعراض والسياسات والعبادات والمعاملات إلا لها .

[ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ] ( المائدة: 49 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت