فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 3028

طريق الفريق المتكامل من المنافقين الزنادقة المتسمين بأسماء المسلمين ، وصاحَبَ ذلك عمليات الغزو الفكري التي كانت تمهد دائمًا لكل أنواع الغزو الذي يليها ، ومع تكثيف إرساليات التنصير ، وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية ؛ تهيأت الدولة

للسقوط بعد استعصاء طويل استمر كما قال المؤرخ الفرنسي ( دين جروسيه ) 220 عامًا تضافرت فيها جهود أعداء العثمانيين وكل المسلمين للقضاء على هذه الدولة المجاهدة .

ولا حاجة الآن لحكاية مراحل ذلك المسلسل الطويل ، ولكن ما يعنينا هو الفصل الأخير المعاصر لعملية الإسقاط ، والتي تفرعت عنه فصول أخرى متشابهة في تفاصيلها وإن كانت مختلفة في مسمياتها .

لم يستطع المسلمون بعد ثمانين عامًا من وقوع هذه النازلة أن يعالجوا آثارها ، ولم يستطيعوا أن يعيدوا بناء كيانها الجامع ( دولة الخلافة ) ، أو يردوا الاعتبار لذلك المنصب الشاغر ( الخليفة ) ذلك المنصب الذي شغرت بشغوره الثغور ، وتجرأت على الأمة بعده الكلاب والذئاب والغربان والنسور ! .

يكاد المرء ألا يصدق ما حدث عندما يسترجع بالذاكرة تسلسل الأحداث ، فالحدث على جلالته وفجاعته جاءت خاتمته على يد رجل وضيع ، لئيم في خبثه ، وصلد في عناده وصلفه ، رجل تحدى أمة بأكملها ، ولم تخرج له الأمة أحدًا من رجالها ... إلا قليلًا من المغلوبين على أمرهم ، كيف استطاع هذا الطاغوت اليهودي الأصل ( مصطفى كمال أتاتورك ) أن يحمل المعول وحده في المرحلة الأخيرة ويهدم ذلك الصرح كله ؟!

لاحظ معي تسلسل خطوات التآمر السافر ، ولاحظ معه كيف مرت هذه النوازل الجسام على الأمة مرور الكرام ، أو على الأقل .. مرت الغزوة بسلام بعد أن دمرت مستقبل أمة الإسلام لعقود طويلة في بلدان كثيرة .

سأعرض في لقطات سريعة خلاصة الجريمة الكبرى والنازلة العظمى التي لم تتم منازلتها بما يليق بخطورتها ؛ بحيث تعودت الأمة بعد ذلك على أن يتم تكرار ( السيناريو الأتاتوركي ) على يد العديد من صغار الفجار الذين عدّوه مثلهم الأعلى ، ونموذجهم المحتذى .

? الزلزال وتوابعه:

ــــ عندما عزم أتاتورك على إلغاء الخلافة بعد أن أعطاه الإنجليز « الاستقلال » بهذا الشرط ؛ عرض على مجلس النواب بالجمهورية التركية الجديدة اقتراحًا بفصل الدين عن الدولة ، فأحال مجلس النواب الاقتراح على لجنة قانونية لدراسته ،

وبعد الدراسة رفضت اللجنة القانونية الاقتراح ؛ لأنه يخالف الدستور الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة ، فغضب أتاتورك وطلب التصويت على القرار فيما يسمى بـ ( الجمعية الوطنية ) .

-كان معنى فصل الدين عن الدولة كما أراد أتاتورك في البداية ؛ أن يبقى الخليفة مجردًا من السلطات ، وأن ينظر إليه فقط على أنه صاحب وظيفة دينية روحية فحسب ، مع ترك تصريف شؤون الدولة للوزراء في ظل نظام علماني لا ديني ولا أخلاقي ، وكان أول من طُبقت عليه هذه الأفكار الخليفة عبد المجيد ، ولكن الأتراك تعاطفوا معه ضد أتاتورك وزمرته ، إلا أن هؤلاء المارقين فرضوا أفكار الردة بقوة الإرهاب ، وأمر أتاتورك بالفعل بقتل عدد من معارضي إلغاء الخلافة .

-عندما وُوجه أتاتورك باعتراضات المعارضين لمسعاه المشؤوم ؛ هاجمهم بلهجة عنصرية تفوح منها رائحة القومية الجاهلية المنتنة المختلطة بروح الصهيونية اليهودية العفنة ، حيث قال لهم: « أليس من أجل الخلافة والإسلام قاتل

القرويون الأتراك وماتوا طيلة خمسة قرون ؟ لقد آن لتركيا أن تنظر إلى مصالحها لوحدها ولا شأن لها بالمسلمين الهنود أو العرب أو غيرهم ؛ لتنقذ تركيا نفسها من زعامة المسلمين » !

-لم يكتف أتاتورك بنزع الشرعية عن الخليفة ومنصب الخلافة ، حتى راح يتهم الخليفة الأخير بأنه عميل وصنيعة المستعمرين الإنجليز ، وفي صبيحة 2/3/ 1924م أعلن إلغاء منصب الخلافة كلية ، وطلب من الخليفة عبد المجيد وأسرته

مغادرة البلاد في غضون عشرة أيام ، وأصدر أمرًا بحرمانهم من الإقامة بتركيا ، ثم أتبع ذلك بإلغاء كل المناصب الدينية .

-تحول اللدود بعد ذلك إلى إلغاء كل معالم التمسك بالدين عند الشعب التركي المتدين بطبعه ، فحوَّل أوقاف المسلمين إلى أملاك الدولة لتنفقها في غير ما أوقفت له ، وحوَّل المعاهد الدينية إلى مدارس تدرّس المناهج العلمانية ، وألغى المحاكم

الشرعية بعد أن أوقف العمل بأحكام الشريعة ، ثم طوَّر مسيرته الإجرامية بمزيد من الخطوات القسرية التي تهدف إلى طمس الهوية لشعب عريق في تدينه ومحبته للدين ، فألغى حجاب المرأة ، وأمر بحظر تعدد الزوجات ، ومنع الرجال من لبس

غطاء الرأس الشرقي ( العمامة والطربوش ) واعتمد لهم ( القبعة ) الأوروبية ، وحتى الكلام ... حظر التحدث فيه بالعربية ، بعد أن أرغم الناس على كتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية ، واستمرأ ذلك الطاغوت سكوت الناس ، فأمرهم بتغيير أسمائهم وكناهم إذا كانت عربية ، لتحل محلها أسماء وكُنى طورانية !! .. وويل للمغلوب إذا غزاه الغالب4 .

-وكان لا بد من خطوات تضمن الإبقاء على إلغاء كل ما يتعلق بالإسلام بقوة القوانين الجائرة ، فعدل الدستور ليرفع منه العبارة التي تنص على أن الإسلام دين الدولة ، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع ، وكان ذلك في عام 1928م ،

بعد أربعة أعوام من إلغاء منصب الخلافة ، ثم خطا خطوة أكبر فألغى تدريس العلوم الدينية سنة 1929م ، ثم أصدر تعليماته بألا تمارس الشعائر في المساجد إلا باللغة التركية بما فيها الأذان ، وحتى القرآن أمر بكتابته باللغة التركية وحروفها اللاتينية ، ولم يأت عام 1932م إلا والأذان يرفع باللغة التركية ، وألغى أتاتورك كذلك الأقسام الشرعية بالجامعات التركية .

-لم يكتف ذلك الذئب الأغبر بإيقاف العمل بأحكام الشريعة ، حتى أعطى لنفسه الحق في تبديلها وتغييرها ، فأصدر مرسومًا بمساواة الرجل والمرأة في الميراث ، وأجرى تغييرات كثيرة في القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية ؛ لتتلائم

مع القوانين الأوروبية التي أحلها محل الأحكام الإسلامية ، واستورد للمسلمين القوانين الكفرية ، السويسرية والإيطالية وغيرها ، ليثبت سلطان الاحتلال قبل أن يرفع عقيرته بتحقيق الاستقلال .

-كانت تركيا أثناء ذلك كله خاضعة للاحتلال البريطاني ، ولم يشأ الإنجليز الأعداء أن يغادروا تركيا التي احتلوها في الحرب العالمية الأولى ، إلا بعد أن يتم الكماليون الجريمة تحت إشرافهم ، وبعد أن اطمأن الإنجليز إلى أن تركيا أصبحت

في يد ( أمينة ) سلَّم قائد قوات التحالف ( اللورد هارنجتون ) حكومة أتاتورك مقاليد الأمور ، وأذن لتركيا بالاستقلال بزعم انتهاء دور الاحتلال ، وبالرغم من بقاء الاحتلال بصور أخرى كتلك التي ثبتها أتاتورك ، إلا أن بعض نواب الإنجليز

احتجوا في مجلس العموم البريطاني على ( منح ) وزارة الخارجية البريطانية تركيا الاستقلال ( مبكرًا ) ، وقد دافع وزير الخارجية البريطانية آنذاك ( اللورد كرزون ) عن هذه « التهمة » بأن قال للنائب المعترض: « لا تخف من تركيا فقد قضينا عليها ، ولن تقوم للأتراك قائمة كما كانت من قبل ، فقد قضينا على عنصري القوة فيها: الخلافة ، وأحكام الإسلام » ! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت