وفي تقرير فريق العمل الخاص بالإرهاب والحرب غير التقليدية بمجلس النواب عام 1990م؛ قال: «المسجد في مقدمة جهاد المتشددين المتطرفين ضد العالم الغربي المعاصر، وقيام صحوة إسلامية متطرفة، مع أهمية النفط، يجعل الصراع على الشرق الأوسط بمثابة أول مواجهة خطيرة بين هذه الصورة الجديدة من الإسلام والعالم اليهودي المسيحي» .
ويقول «برنارد لويس» : «الصراع الحالي ليس سوى صراع بين الحضارات، ورد فعل غير منطقي لمنافس قديم وتاريخي ضد تراثنا (اليهودي ـ النصراني) ، وحاضرنا العلماني، والتوسع العالمي للاثنين» ، وهذا هو نفسه ما قاله هانتنجتون عن الحدود الدامية للصراع بين الإسلام والغرب، والذي أكد أن الصدام سوف يكون حضاريًا، ويقول «موريتمر زوكرمان» : «إننا في الخط الإمامي لصراع يعود تاريخه إلى مئات السنين، فنحن العقبة الرئيسة في طريق رغبة المتطرفين لإلقاء قيم الغرب الشائنة في البحر، مثلما دخلوا يومًا مع الصليبيين» .
ويقول «دانيال بايبس» : «إن الأصوليين الإسلاميين يتحدون الغرب بقوة وعمق أكبر مما فعل ويفعل الشيوعيون، فهؤلاء يخالفون سياساتنا ولكن لا يخالفون نظرتنا إلى العالم كله؛ بما في ذلك طريقة اللبس والعبادة» . ويقول «إدوارد ديجيريجيان» مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى: «الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة الباقية، والتي تبحث عن إيديولوجية لمحاربتها؛ يجب أن تتجه نحو قيادة حملة صليبية جديدة ضد الإسلام» ، وهو التعبير نفسه الذي استخدمه «بوش الابن» في بداية الحملة الأمريكية الجديدة على العالم الإسلامي، والتي بدأت بأفغانستان وتتجه الآن إلى العراق.
هذه الرؤية كانت قبل أحداث 11 سبتمبر، وهو ما يؤكد أن التصورات كانت معدة، والأفكار جاهزة، وكانت تنتظر لحظة إخراجها المسرحي إلى الوجود، وجاءت أحداث سبتمبر لتكون الفرصة السانحة لإخراج هذه الخطط إلى عالم الوجود المنظور، وكما هو واضح؛ فإن البعد العقدي واضح في الرؤية الأمريكية التي عبر عنها ساسة ومفكرون، وتضمنها بشكل تفصيلي كتاب مهم عنوانه: (أمريكا والإسلام السياسي.. صدام ثقافات أو صدام مصالح) .
لمؤلفه «فواز جرجس» .
ومن المهم متابعة الرؤية الأمريكية الجديدة التي تتحدث عما أسميناه «السياسة الأمريكية.. ما بعد بن لادن» ، وهذه السياسة عبّر عنها أحسن تعبير اثنان من المفكرين الأمريكان هم «فوكوياما، هانتنجتون» ، ففي صحيفة نيوزويك بتاريخ 25/12/2001م قال «فوكوياما» في مقال خطير: «الصراع الحالي ليس معركة ضد الإرهاب، ولا ضد الإسلام بوصفه دينًا وحضارة، ولكن صراع ضد الفاشية الإسلامية؛ أي العقيدة الأصولية غير المتسامحة، والتي تقف ضد الحداثة» ، ومضى ليقول: «ويمكن تصنيف الفكر الوهابي بسهولة على أنه إسلامية فاشية، فهناك كتاب دراسي إجباري للصف العاشر يشرح أنه يجب على المسلمين أن يخلصوا بعضهم لبعض، وأن يعتبروا الكفار أعداءهم» ، ثم يوضح أكثر فيقول: «التحدي الذي يواجه أمريكا هو أكثر من مجرد مجموعة صغيرة من الإرهابيين، فبحر الفاشية الإسلامية ـ يقصد الوهابية ـ الذي يسبح فيه الإرهابيون يشكل تحديًا إيديولوجيًا هو أكثر من الخطر الشيوعي» ، ويوضح أكثر فيقول: «إن الصراع الأساسي ليس مع الإرهابيين فقط، ولكن مع الأصوليين الإسلاميين الذين يقدرهم «دانيال بايبس» بحوالي 15% إلى 10% من العالم الإسلامي، والذين يؤيدون أسامة بن لادن»، وينهي المقال بقوله: «الصراع بين الديمقراطية الغربية الليبرالية والفاشية الإسلامية ليس صراعًا بين نظامين حضاريين يتمتعان بقابلية البقاء نفسها» ، ويشير هانتنجتون إلى البعد الحضاري في استجابة الغرب مع أمريكا بعد سبتمبر، فيقول: «الدول الغربية تعاطفت بشكل كاسح مع أمريكا، وأعربت عن التزامها الانضمام للحرب، خاصة بريطانيا وأستراليا وكندا، وهي مجتمعات تشاطر أمريكا الثقافة الأنجلوساكسونية، ووقف الألمان والفرنسيون إلى جانب أمريكا؛ لأنهم اعتبروا العدوان على أمريكا عدوانًا عليهم، وقالت «لوموند» : (كلنا أمريكيون) ، وقال الألمان: (كلنا نيويوركيون) ، وذكر أن قلة عدد الشباب المسلم سوف تؤدي إلى تراجع الحروب بين المسلمين ـ على حد فهمه ـ، وفي السياق نفسه قال «ستانلي فايس» ـ الكاتب الأمريكي في «هيرالدتريبيون» : «إن حقيقة الحرب على الإرهاب تكمن في: هل ستقوم الدول الإسلامية باتباع النموذج السياسي لتركيا، أكثر النماذج نجاحًا في العالم بوصفها دولة مسلمة حديثة وعلمانية وديمقراطية، أو نموذج السعودية المبني على الرؤية الوهابية المتعصبة للأصولية الإسلامية، والذي يدفع معتنقيه إلى الوراء» .
إن الرؤية الأمريكية القديمة تنتقل من التفكير إلى التنفيذ، وكما أوضحنا؛ فإن الإدارة الأمريكية تتبنى الأفكار الأصولية النصرانية، والتي تؤمن بضرورة تدمير العالم الإسلامي، وتدعيم الكيان الصهيوني تمهيدًا لمعركة «هرمجدون» التي يتربع بعدها المسيح على عرش العالم، وبعدها تبدأ ألفية مسيحية جديدة، ويتحول اليهود إلى المسيحية، وسوف يكتشف المدقق الذي يولي أهمية للاقتراب الحضاري أن لحظات الخطر تكشف بقوة وعمق بروز البعد الديني والثقافي، وكما يقول «بيرلسكوني» رئيس وزراء إيطاليا وقت إعلان روما: «التاريخ والثقافة والجذور «النصرانية» ؛ هي التي توحد أوروبا في لحظة الخطر الراهن»، وها هي روسيا الأرثوذكسية، وإيطاليا الكاثوليكية، وأمريكا البروتستانية جميعهم يقفون صفًا واحدًا في مواجهة الإسلام الذي أطلقوا عليه الإرهاب!
* الأهداف الأمريكية .. العقل الإسلامي:
تسعى أمريكا في استراتيجيتها الجديدة نحو العالم الإسلامي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الخطيرة، وهي:
1 -القضاء على الإسلام السُّنِّي الذي يلتزم المنهج السلفي الصحيح؛ بدعوى أنه وهابي، والتأسيس لإسلام أمريكي مستنير لا يعترف بعقيدة الولاء والبراء، ولا يعترف بقتال الكفار أو جهاد الأعداء، ولا يعترف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يقول بأن المسلمين أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم، الإسلام الجديد ـ كما يريدون ـ نسخة مشوهة من الطقوس النصرانية التي تُمارس في دور العبادة.
2 -تغيير المناهج الإسلامية الدينية بوصفها منبعًا للأصولية والالتزام بالدين الإسلامي، وقد قدمت أمريكا مذكرة لحكومات إسلامية عديدة بضرورة تغيير مناهجها الدينية؛ حدث ذلك في السعودية واليمن وباكستان، وبالطبع كانت مصر سبّاقة لهذا، والعمل على علمنة التعليم الديني من أجل تجفيف ينابيع التدين عند الشعوب الإسلامية، وحتى لا يخرج «بن لادن» من جديد، أو حتى لا تظهر «طالبان» مرة أخرى.
3 -العمل على تجنيد «أئمة مستنيرين» يروجون للإسلام الأمريكي الجديد؛ عن طريق زيادة المنح الثقافية لرجال الدين الأمريكان؛ بحيث يقوم هؤلاء الأئمة بتفسير الإسلام وفق التصور الأمريكي؛ أي الإسلام الذي يعلي قيم الحياة (أي يمنع العمليات الاستشهادية ضد الغاصبين المعتدين، ويعزز قيم التسامح وقبول الآخر) ، الدور الآن على تجنيد المشايخ والدعاة بعد أن كانت أمريكا تسعى لتجنيد المثقفين المدنيين؛ أي أنها تركز الآن على الذين لم يتعلموا تعليمًا دينيًا.