معاشر المسلمين: بعد أن يُرزق العبد بالأبناء ، بعد تعب وعناء ، أتظنون أنه سيلقي بأحدهم إلى نار تلظى ، ليصطلي بحرها ، ويقاسي سعيرها ؟ أو تعتقدون أن ذلك الأب سيقدم على قتل أحد أبنائه ، بسفك دمه ظلمًا وعدوانًا ؟ كلا والله ، لن يفعل ذلك إلا فاقد العقل والأهلية ، فإن ذلك عند الله وعند الناس عظيم ، وتلكم الجريمة في ميزان الشرع والعقل ، وعند الناس إحدى العظائم ، ولا يختلف على شناعتها اثنان ، ولا يختصم فيها عاقلان ، وبل هي مما أجمع عقلاء البشر على شناعتها وفظاعتها ، فسبحان الله كيف ينتقد الناس ويعجبون ، ويلومون ويتهمون ، ولكنهم في المقابل يغفلون ، ويغضون الطرف ويتعامون ، عن فئة من الآباء القتلة ، ممن لا يجدون على جرمهم نكيرًا ، ولا يعدون جرمهم خطيرًا ، فئة من الآباء القتلة ، لم يسفكوا من أبنائهم دمًا ، ولم يمنعوهم مالًا ، ولم يؤخروا لهم طلبًا ، يلبون لأبنائهم ما يريدون ، ويأتون لهم بما يشتهون ، بهم يرأفون ، وعليهم يعطفون ، يسهرون على أبنائهم إذا مرضوا ، ويقلقون عليهم إذا تغيبوا ، ويمنحونهم إذا طلبوا ، فلماذا هم قتلة ؟ أما إنهم لم يقتلوا نفسًا معصومة ، ولم يسفكوا دمًا حرامًا ، لكنهم قتلوا في أبنائهم ما هو أخطر من ذلك وأكبر ، قتلوا في أبنائهم أعظم المعاني ، وأنبل الخلال ، وأجمل الخصال ، قتلوا إنسانيتهم وعقولهم ، وسفكوا دم الحياء من وجوههم ، وسلبوا أرواحهم ، قتلوا إيمانهم وحياءهم ، حينما اسلموا تلك الأرواح البريئة ، والنفوس الطاهرة ، والعقول الناضجة ، لتكون فريسة للقنوات الهابطة ، والأغاني الساقطة ، تصنع منهم جيلًا ضعيف الصلة بالله ، هامشي التفكير ، منزوع الإرادة ، مهزول الكرامة ، للشهوات يحيا ، وعليها يموت ، عن أنس رضي الله عنه ، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ اللَّهَ سائِلٌ كلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعاهُ: أَحَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ" [ أخرجه ابن حبان بسند صحيح ] .
أيها المسلمون: لقد ابتلي بعض المسلمين بالتساهل بمشاهدة القنوات الفضائية ، بحجة الأخبار والحوارات ، وجلبوها إلى بيوتهم ، فجلبت معها العار ، والخزي والدمار ، نقلوا داءها ، ونشروا وباءها ، في أجواء بيوتهم المحافظة المستقيمة ، يدسوا سمها في قلوب أبنائهم وبناتهم ، تلك القلوب المستنيرة بنور الفطرة ، قاتل والله ذلك الأب الذي ينصب طبقًا فوق سطح بيته ، يجلب العار ، ويقود إلى النار ، ويقضي على بذرة الحياء وشجرة الإيمان ، فماذا تحوي هذه القنوات ؟ وماذا تقدم لروادها ؟ أليس كثير من برامجها يعد للدين مخالفة ، وللعقيدة مجازفة ؟ أليست تحوي صورًا فاتنة ، وحركات مثيرة ماجنة ، وأغان هابطة صاخبة ؟ ألم تروا إلى آثارها على المجتمع وسلوك أفراده ؟ من أين تعلم شبابنا الرقصات ، وأنواع القصات ؟ من أين جاءت نسائنا بهذه الألبسة الفاضحة ، والتسريحات المضحكة المبكية ؟ ألم تروا كيف اشتد سعار الشهوات ، فكانت النتيجة صورًا من الانحرافات الجنسية ، والمخالفات الأخلاقية ؟ أليست تعلم أولادنا التناقض في حياتهم ؟ القنوات الفضائية تغتال الفضائل ، وتدعو للرذائل ، إن هذه القنوات بمثابة الشرارة الهائجة ، والرصاصة الطائشة ، التي تقتل ، أو تصيب في مقتل ، إن مشاهدة الأبناء لتلكم القنوات المتردية ، تجعل منهم أبناء شهوات وشبهات ، وإذا حدث شيء من ذلك ، فإن الأب هو المسؤول الأول عن هذه الجرائم ، وتلكم العظائم ، لأنه هو موقد النار ، ومشعل الفتيل ، إن إدخال القنوات الفضائية ، إلى بيوت المسلمين ، يؤدي إلى قتل إيمان الأولاد ، ويغتال فيهم حياءهم وعقولهم ، فيتجهون نحو الانحلال والتميع ، إن هذه القنوات تدمر الأخلاق الدينية ، وتستثير الغرائز الهمجية ، وتشجع على الهبوط إلى درك الانحراف ، والشرب من مستنقع الفحشاء ، فيموت في داخلهم نبات الشرف ، وثمرة الصيانة ، وتحيى فيهم جذوة الخلاعة ، وحب الإجرام ، فما أنتم قائلون أيها الآباء الكرام ، للملك العلام ، عندما تسألون عن أبنائكم ، ألم تسمعوا قول الله تبارك وتعالى: { وقفوهم إنهم مسؤولون } ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، والله خير حافظا وهو ارحم الراحمين ، فتوبوا إلى الله إني لكم من الناصحين .
يا من تشاهدون القنوات الفضائية: تحت أي حجة واعتذار ، اسألوا قلوبكم عن حالها مع خوف الله ورجائه ، وعن شأنها مع الخشوع والدعاء ، واسألوا أنفسكم عن حالها مع الصلاة وقراءة القرآن ، ستجيبكم عيونكم الجامدة ، وقلوبكم القاسية ، وهممكم الضعيفة ، فلا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا ، وإذا أبيتم إلا أن تقتلوا أنفسكم بمشاهدة ما في القنوات من استخفاف ، وما فيها من هبوط وإسفاف ، فإن العقلاء يناشدونكم الله ، ألا تمتد يد القتل والغدر إلى أبنائكم وبناتكم ، فتحملوا أثقالكم وأثقالًا مع أثقالكم ، وتبوؤوا بأوزاركم وأوزار الذين تظلونهم بغير علم ، ألا ساء ما تزرون ، فطوبى لمن كان مفتاحًا للخير ، مغلاقًا للشر ، وويل لمن كان نقيض ذلك ، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول ما سمعتم ، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب وخطيئة ، فاستغفروا ربكم إنه كان غفارًا .
الحمد لله ، عالمِ السرِّ والخفيّات ، وفَّق من شاء إلى اغتنام الأوقاتِ في الباقيات الصّالحات ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نتضوّع بها عبيرَ الجنان الخالدات ، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله خير الهداة والدّعاة ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمّة الثقات ، وسلّم تسليمًا كثيرًا . . أما بعد:
ففي إطار المسؤولية الجماعية يأتي دور البيت والأسرة في حمل مسؤولية التربية الإسلامية الصحيحة للأجيال المسلمة، وكذا معاقل التعليم المختلفة في تنشئة الطالبات والطلبة، ومسؤولية المجتمعات في النهوض بالإفراد، ودور الإعلام في تهذيب الأخلاق والسلوكيات.
إخوة الإيمان: إن مسؤولية تربية الأجيال وإعداد النساء والرجال مسؤولية عظمى، وإن قضية العناية بفلذات الأكباد وثمرات الفؤاد من النشء والأولاد قضية كبرى يجب على أهل الإسلام أن يولوها كل اهتمامهم؛ لأن مقومات سعادتهم أفرادًا ومجتمعاتٍ منوطة بها.
وإنما أولادنا أكبادنا فلذاتنا تمشي على الأرض
ولذلك لابد من الإعداد لها أيما إعداد، رسمًا للمناهج، وإعدادًا للبرامج، وتضافرًا في الجهود، وتوليةً للأكفاء، لتتمَّ المسؤولية التربوية سليمة من تعثُّر الخطى، بعيدة عن التناقض والازدواجية، محاذرةً للتقليد والتبعية، اعتزازًا بشخصيتنا الإسلامية، وشموخًا في مناهجنا الشرعية، مترسمين هدي القرآن الكريم ونهج السنة النبوية.