فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 3028

الحمد لله لا يزال للعطاء وهابًا ، وللمذنبين توابًا ، يفتح للتائبين أبوابًا ، وكل شيء أحصاه كتابًا ، رب واحد لا أربابًا ، اللهم افتح لنا إلى الجنة بابًا ، واجعل لنا من النار حجابًا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قوله حقًا وصوابًا ، أعظم رحمة وأشد عذابًا ، أجزل لمن أطاعه ثوابًا ، وحذر من عصاه عذابًا ، حتى يَقُولَ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله مؤمنًا يقينًا لا مرتابًا ، وهاديًا ومعلمًا توابًا ، أفصح الناس بيانًا وخطابًا ، وأحسن البشر جاهًا مهابًا ، صلى الله وسلم عليه شفيعًا مجابًا ، وعلى آله وأصحابه أفضل آل وأصحابًا ، عليهم سحائب الرحمة أحقابًا ، والتابعين وكل تابع أوابًا ، ومن تبعهم واتخذ إلى ربه مآبًا . . . أما بعد:

فخير الوصايا ، وأفضل الهدايا ، تقوى رب البرايا ، فتقواه توصد أبواب البلايا ، وتغلق منافذ الدنايا ، وتحسن ختام المنايا ، قال الباسط بالعطايا: { لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } .

أيها المسلمون: خلق الله البشر وأوجدهم ، وذرأهم وأنبتهم ، ووهب لهم الخيرات تترى ، ليبلوهم أيهم أحسن عملًا ، وحتى تستقيم الحياة الأسرية وتسكن ، وتهدأ وتطمئن ، جعل فيها زوجين ، كما قال سبحانه: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ، ومن هذين الزوجين تنشأ الأسرة ، ومن الأسرة يتكون المجتمع فالأمة ، قال سبحانه: { وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } ، ولا تقوم للأمة قائمة إلا بسواعد رجالها ، وقوة شبابها ، وتمسكها بعقيدتها وثوابتها ، وإذا ما فقدت شيئًا من ذلك تقوض بنيانها ، وتهدم أركانها ، ونخرها كيد الأعداء ، وفتك بها الخصماء ، فالخصوم لا يزالون يخططون ، ليوقعوا الأمة في حبائل مخططاتهم ومصائدهم ، وشباك خبثهم ومكائدهم ، قال تعالى: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } .

عباد الله: يسعى الزوجان في بداية حياتهما الزوجية ، جاهدين لإنجاب الذرية ، فمنهم من يرزق بالأبناء والبنات ، ومنهم من يُمنع الفلذات ، حكمة من رب البريات ، قال فاطر الأرض السموات: { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } ، ومن حُرم الذرية ، تراه يسعى بكل ما أوتي من جهد ومال ، لإيجاد الأولاد ، وكثير ممن أوتي الذرية فرط في توجيه الأخلاق ، وخان العهد والميثاق ، فلم يراع حقوقًا مرعية ، ولا آدابًا شرعية ، بل فرط في التربية الإسلامية ، والقيم الأخلاقية ، وهو موقوف للحساب والعتاب ، أمام شديد العقاب ، قال تعالى: { وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } ، فالأبناء اختبار وابتلاء للآباء ، فإما صبر ورعاية ، واهتمام وعناية ، وإما امتعاض وإهمال ، وإخفاق ووبال ، فالصبر الصبر أيها الأخوة والآباء ، والحذر الحذر أيتها الأمهات والأولياء ، ربوا أبناءكم صغارًا ، يبرونكم كبارًا ، وهل يجني الشوك إلا من زرعه ، فاحتسبوا الخير وأجره ، فقريبًا مرتحلون من هذه الدار ، إلى دار الأشبار ، فإما نعيم وروح وريحان ، ورب راض غير غضبان ، وإما ظلمات وأحزان .

عباد الله: الإسلام دين الرحمة والتربية ، دين المحبة والقدوة الحسنة ، أترون أبًا لا يكن لأبنائه حبًا ولا شفقة ، فهذا فاقد الأبوة ، مسلوب الحنان ، منزوع الرحمة ، غافل عن أصول التربية ، أخرج الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ ، أَبْصَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ الْحَسَنَ ، فَقَالَ:"إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ"فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّهُ مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ"، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"إنَّكُمْ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ وَمَا نُقَبِّلُهُمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم:"أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ" [ رواه البخاري ومسلم ] ، فيا أيها الآباء والأولياء كونوا كإمام الأنبياء ، وقدوة الأصفياء ، صلى الله وسلم عليه في رحمته بالأبناء ، وشفقته بهم ، وعطفه عليهم ، وفي المقابل احذروا من تضييع رعايتهم ، والتفريط في النصح لهم ، فإنهم بذلك الأعداء من حيث لا تشعرون ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ } ، فاحذروا رعاكم الله من إهمال تربية الأبناء ، وتركهم على كل حال ، اعتدل أو مال ، فأنتم من سيبوء بالخسارة ، ويحصد الندامة ، في يوم لا يظلم فيه العبد مثقال ذرة ، [ أضيع أم حفظ ] "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت