فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 3028

وعندما كانت الازمة في اوجها غادر الشاه امريكا إلى باناما ، وبعد ان تلقى العلاج في احدى مستشفيات نيويورك ، غير ان الخميني لم يغير شروطه لحل الازمة وكان يطالب بالشاه الذي اصبح خارج السطلة الامريكية .ومع انني شخصيا اشك كل الشك فيما اذاعه بيرسلينجر المعلق السياسي في التلفزيون الامريكي بعد انتهاء مهزلة الرهائن من ان الحكومة البانامية كانت تريد القاء القبض على الشاه وتسليمه إلى ايران وان صادق قطب زاده وزير خارجية ايران لجهله باختلاف الساعة بين البلدين ، واعلانه خبر الاعتقال باثنتي عشر ساعة قبل الموعد المحدد ، مهد الطريق لخروج الشاه إلى مصر المحطة الامنة بالنسبة لاه ولاسرته . فحتى لو صح ما ادعاه سلينجر وكانت الحكومة البانامية مصممة على اعتقال الشاه بعد وصول الوثائق التي تثبت ادانته ، الا انني اشك كل الشك ان كان بوسع الحكومة البانامية تسليم الشاه إلى ايران ، ولكن من المحتمل ان الاعتقال بحد ذاته كان يمهد الطريق لحل الازمة والحفاظ على ماء وجه الخميني امام الشعب الايراني .

وفي يوم الرابع من شهر فبراير 1979 فوجىء العالم بالمؤتمر الصحافي الذي عقده جيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة الامريكية ليعلن للعالم فشل خطة انقاذ الرهائن بعد ان ارتطمت طائرة ناقلة الجنود في مطار صحراء طبس الايرانية الواقعة في جنوب شرقي البلاد ، بطائرة حربية اخرى وقتل طاقمهما والجنود الموجودين فيهما ، وكانت الطائرتين في ضمن مجموعة اخرى من الطائرات التي ارسلت إلى تلك الناحية البعيدة من طهران لانقاذ الرهائن فيها ، وكلما قيل عن الخطة واحتمال نجاحها وكتبت عنها الصحف في وقتها لم يتعد كونها خطة جنونية وان شئت قل انتحارية مما جعلت كثيرا من الناس يعتقدون ان ما ادعته ايران وامريكا حول سقوط الطائرات ، والتخطيط الفاشل لانقاذ الرهائن ، انما هو لالقاء الستار على المهمة الحقيقة لتلك الطائرات ، وهي ايصال المهمات العسكرية لثوار افغانستان عن طريق نهر هيرمند القريب من ذلك المطار الصحراوي الذي حدثت الفاجعة فيه ، وكانت الاشاعات تقول ان هذه الامدادات كانت تصل إلى الثوار الافغان بعلم من الحكومة الايرانية ، وعندما سقطت الطائرات ولم يكن بالمقدور اخفائها وتغطيتها اعلن النبأ بالصورة التي سمعها العالم ومن الجهتين الايرانية والامريكية بصيغة واحدة ، ان هذه الاشاعة التي كانت تدور رحاها في ايران كانت في الوقت نفسه تعطي ذلك الانطباع الخطير لدى كثير من ابناء الشعب الايراني من ان مهزلة الرهائن انما هي مسرحية اريد منها اضفاء نوع من الواقعية على الثورة التي كان الخميني يدعي ان ثمانين الف شهيد راح ضحيتها والدعم الامريكي للشاه كان احدى اسباب تلك الضحايا ، ومن ثم فان الصداقة التي تربط امريكا بالزمرة الحاكمة والتي يرددها كثير من الناس انما هي اشاعات لتشويه الثورة ورجالها .

اننا نسجل هنا صورة من تفكير المجتمع الايراني بكل اجنحته حول مهزلة الرهائن ، اما كشف الواقع فمتروك إلى الوقت الذي يسقط هذا النظام الجبار ويخلفه نظام آخر يكشف سوءة سلفه ، ومهما كان من امر فان حادثة طبس استغلت من قبل الخميني وزمرته ضد الامريكان واجهزة الاعلام الخمينية اظهرت الحادث في مظهر المعاجز والكرامات وبدأت تشبه بين سقوط الطائرات الامريكية اثر العواصف الرملية بسقوط جيش ابرهة من جراء طير الابابيل التي كانت ترميهم بحجارة من سجيل ، كما جاء في القرآن الكريم . وهكذا اخذ السذج الغفل من ابناء الشعب يطبل ويرمز ويتظاهر في الشوارع ابتهاجا بالنصر المبين لمرة اخرى ، وفي الوقت الذي كان كثير من ابناء الشعب يملأون الشوارع عرضا وطولا بالتظاهرات الصاخبة وبحماس منقطع النظير لتأييد امامهم الذي انتقم من الامريكان .

كان صادق الطباطبائي رسول الخميني وصهره يقيم في المانيا الغربية وعلى اتصال مستمر بالحكومة الامريكية لحل مشكلة الرهائن ، والشيء الوحيد الذي كان يطلبه الخميني هو ان تحفظ امريكا ماء وجهه امام شعب ايران ، وتبقى التنازلات التي يقدمها لحل المشكلة سرية او في تعابير غير مفهومة للشعب الايراني ، اما حجم التنازلات وثمنها الباهظ فلم يكن موضوع المحادثات التي استمرت ثلاثة شهور بين الطباطبائي واعضاء من وزارة الخارجية الامريكية ، لان الخميني وزمرته كانوا يريدون الحل بأي ثمن ، وقبل ان يعتلي ريغان سدة الحكم ، وبشرط واحد فقط هو اظهار الخميني بمظهر المنتصر في هزيمته النكراء ، واخيرا انتهت الصفقة بين الخميني وكارتر اما قصة تلك الصفقة فهي كالآتي:

لقد خسر كارتر والحزب الديموقراطي معركة الرئاسة امام رونالد ريغان والحزب الجمهوري فالجمهوريون استعملوا في حملاتهم الانتخابية ازمة الرهائن واستغلها الرئيس المرشح رونالد ريغان في خطبه ولم يستطع كارتر ان يدافع عن موقعه الضعيف لحل مشكلة الرهائن جيدا وخسر المعركة ، وفاز رقيبه باكثرية ساحقة ، الامر الذي اعتبره نصرا مبينا للحزب الجمهوري ورئيسه . وكان اول تصريح ادلى به الرئيس المنتخب حول ازمة الرهائن هو"ان النظام الحاكم في ايران يتألف من مجموعة من الوحوش والبرابرة وليس لديه تعليق اكثر من هذا".

وكان الخميني والخمينيون يعلمون جيدا ان المشكلة التي خلقوها لانفسهم لم تجن لهم ثمارا غير الشوك ولابد ان ينهوها بشكل او بآخر ، وكانوا على علم ان ريغان اذا استلم السلطة الفعلية بعد ان تنتهي مدة رئاسة كارتر سيواجهون شخصا عنيدا لا يلين ، وقد تكون ايران اول محطة من محطات العنف على يد الرئيس الجديد الذي وصل إلى الحكم بالتهديد والوعيد ، وحل مشكلة الرهائن بأي ثمن ، كما انهم كانوا بحاجة إلى ارصدتهم المحجوزة في بنوك امريكا للاستعانة بها في شراء الاسلحة للحرب مع العراق ، وشراء المواد الاستهلاكية ، وكان القحط يهدد البلاد بكارثة ، وكان الخميني وزمرته يعلمون جيدا ان مشكلة الرهائن اذا لم تحل على يد الرئيس القديم جيمي كارتر فان حلها على يد ريغان سيكون اصعب بكثير من سلفه مع الاخطار المحتملة اذا تأخر الحل إلى موعد استلام الرئيس الجديد للسلطة ، وكان الامريكيون يعلمون ايضا ان الخميني وزمرته يريدون الحل العاجل للاسباب التي مر ذكرها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت