بعد مهزلة الرهائن بثلاثة اشهر جمع الخميني جمعا من مرتزقته وخطب فيهم خطابا جاء فيه هذه الجملة"ان هذه الثورة الثانية - ( أي اخذ الدبلوماسيين الامريكان كرهينة - حتى يعيد الامريكان الشاه وامواله إلى ايران ) ، اهم بكثير من الثورة الاولى التي ادت إلى تغير النظام"، اما المرتزقة الذين كانوا من حوله فكانوا يحركون رؤوسهم تصديقا لقوله ويقولون بلى بلى ، واما الطبقة الواعية من ابناء الشعب فكانت تبكي وتضحك لما وصلت اليه امور البلاد . اما كيف بدأت تلك المهزلة المثيرة للسخرية ؟ فقد قيل فيها الكثير والفت عنها الكتب ومئات المقالات تصدرت الصحف العالمية بشأنها ، ولا اريد ان اكرر هنا ما قاله الآخرون فأنا لا أؤرخ المهزلة تلك وانما ابين هنا رأيي وقناعتي الخاصة حسب المعلومات التي توفرت لدي عندما عاصرت الازمة في طهران ، وما سمعته من الخميني عندما كان في باريس حول اسرة الشاه المتواجدين آنذاك في امريكا .
انا شخصيا لا اشك ان الخميني بشخصه كان وراء مهزلة الرهائن ، وهو الذي اوصى بتنفيذها إلى الطلبة عن طريق ابنه احمد ، وهنا اسجل ما سمعته من الخميني عندما كان في باريس لاعطاء صورة عن المنحنى الفكري للرجل ، مضافا اليها عوامل نفسية وسياسية اجتمعت كلها فخلقت مشكلة باسم الرهائن نتجت عنها خسارة اقتصادية لايران ببلايين الدولارات وخسارة معنوية لاتقدر بثمن .
في احدى المرات التي التقيت بالخميني في باريس ولعلها كانت آخر مرة التقي به هناك قال لي"ان الصحف كتبت خبر وصول اسرة الشاه إلى امريكا ، وكم يكون حسنا وياليت لو اخذوا هناك كرهائن ولم يفرج عنهم الا بعد ان تسترد منهم الاموال التي نهبوها من الشعب"، نظرت إلى الرجل باستعجاب وقلت له"كيف يمكن ان يحدث مثل هذا ؟ وكيف يمكن القيام بهذه المغامرة ؟ فمغامرة اخذ الرهائن مغامرة فاشلة ، ثم اضفت ان الاموال التي خرجت من ايران لن تعود اليها ، حتى الحصول عليها عن طريق القضاء امر صعب المنال".
قال لي"اخرجوا معهم اموالا كثيرة ومبالغ عظيمة ، وكرر جملة مبالغ عظيمة عدة مرات"، وانتهى الحديث إلى هذا الحد لانني لم اعلق عليه اكثر مما قلت ، فقد رأيت ان ما يقوله نوع من الهذيان ولايليق بعاقل ان يضيع وقته فيه ، ولكن لم يخطر ببالي في تلك الليلة ان القدر قد خبأ للرجل دورا بارزا وعظيما في مهزلة تكون حديث العالم وتشغل المجتمع البشري لشهور طوال ، وتسبب في سقوط رئيس الولايات المتحدة الامريكية في الانتخابات .
فلنعد إلى الاسباب الحقيقية التي ادت إلى مهزلة الرهائن ، اذا اخذنا بعين الاعتبار ان موضوع اخذ الرهينة كوسيلة انتقامية ، او كوسيلة لاعادة الاموال والاشخاص ، كان من المواضيع التي تشغل بال الخميني قبل ان يستلم السلطة ، ثم اضفنا إلى هذا الانحدار الفكري لدى الرجل والذي اشرنا اليه في مكان آخر من هذا الكتاب ، هو ان الخميني يحب نفسه وسمعته ونقاء صورته اكثر من أي شيء آخر في هذه الدنيا ، وقد سبق وان خاطب الشعب الايراني بعد نجاح الثورة بقوله:"انه سيعيد الشاه إلى ايران لمحاكمته"، فلو صدق هذا الوعيد واعيد الشاه حقا إلى ايران ، لكان الخميني يصل إلى مصاف الاولياء يعزى اليه علم الغيب والمعاجز ، الامر الذي كان يخدم الخميني ومآربه في تحريك الشعب حسب هواه وارادته ، وفي هذا الوقت حدث ما لم يكن بالحسبان ، فقد وصل الشاه من المكسيك إلى الولايات المتحدة الامريكية للعلاج ، والخميني الذي كان يسيء الظن بكل شيء وبكل احد ، زعم ان وجود الشاه في امريكا انما هو مؤامرة للاطاحة به وكان لا بد من عمل حاد لردع الامريكان من موقفهم العدائي ، ومع ان العلاقات الايرانية الامريكية إلى ماقبل مهزلة الرهائن كانت ودية وكان وزراء من اعضاء الحكومة البارزين يحملون الجنسية الامريكية ، هما اليزدي وامير انتظام ود. جمران ، ثم كانت الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية الايرانية الامريكية التي عقدت في عهد الشاه والتي بلغت الملايين كانت ولازالت قائمة بقوتها في العهد الجديد ، اذن كانت الصدمة قوية على الخميني الذي اعطى هذه الامتيازات للامريكان وهو يرى تلك الدولة تستضيف الشاه وتتعاون معه لتقويض حكمه ونظامه حسب زعمه . ودخل عنصر جديد في الميدان وهو الطلاب الشيوعيين (حزب تودة ) الذين كانوا ينتظرون الفرصة المواتية للقيام بعمل يفرح موسكو ويقضي على النفوذ الامريكي في ايران . والمطلعون على المنحنى الفكري لمرشد الثورة الايرانية والاضطراب الذي يسوده ، ومن ثم النتائج المغلوطة التي يستنتجها هو من معادلاته الفلسفية مضافا اليها روحه الشريرة التي لاتريد الهدوء والاستقرار لايران لأنه يرى ان الشعب سينصرف إلى اعماله وبناء نفسه اذا لم يخلق له مشكلة تصرفه عن واجباته وبذلك يصبح هو كمرشد للثورة مهمل الذكر نسيا منسيا ، الامر الذي يكون فيه نهايته وهو لن يسمح بذلك ما دام على قيد الحياة ، فخلق حالة من الهياج العام تحيي من جديد ذكره وتلقي عليه الاضواء ، وتجدد تماسك الناس حوله كان ضروريا في تقديره .
وقد استخلص الخميني من معادلاته الرياضية انه اذا قام بعمل عدائي حاد للامريكان مهما كات نتيجته فانه سيكون جوابا رادعا لاولئك الذين يتهمونه بالتعاون مع الامريكان ، وهنا لابد من صريح القول ان كثيرا من الطبقة الواعية من ابناء الشعب الايراني قبل مهزلة الرهائن كانوا يعتقدون ان سياسة الخميني نحو الامريكان امتداد لسياسة الشاه وكانوا يستشهدون بالوزراء الامريكيين في الدولة وعدم الغاء الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية بين البلدين ، كما ان بعض الصحف المعارضة كانت تشير إلى هذا الموضوع بصراحة كما قلنا في مكان آخر من هذا الكتاب ، وحانت اللحظة المناسبة ،
1.ليدافع الخميني عن شرفه وقداسته امام الشعب الايراني باتخاذ موقف عدائي حاد ضد الامريكان يثبت فيه انه عدوهم اللدود وليس متعاونا وصديقا معهم .
2.ليرغم الامريكان على ابعاد الشاه من اراضيها واتخاذ موقف الحياد من الجمهورية الاسلامية الفتية .
3.او تسليم الشاه إلى ايران وبذلك يصدق وعده الذي يضيف له قداسة.
4.او استرداد الاموال التي اودعها الشاه في البنوك الامريكية هو تتجاوز الآلاف من الملايين .
5.او تسليمه إلى ايران مع الاموال التي اخرجها من البلاد ، وبذلك يكون النصر المبين له ولدولته .
6.خلق جو من الهياج العام يشغل الناس به عن مشاكلهم الداخلية العظيمة التي كادت تعصف بالنظام الجديد بذريعة محاربة امريكا .
7.توحيد صفوف الشعب المتشتتة تحت لواء محاربة امريكا الشيطان الاكبر ، ويطول بذلك امد الحكومة الخمينية إلى ان يجد ذريعة اخرى لاشغال الناس من جديد .