من رحم الإحتلال والمعاناة والتجريد من الحقوق ظهرت بواعث المفهوم القومي العربي الحديث,وهو امتداد لفعل حضاري عربي اسلامي له جذوره الواضحة في التاريخ ,لكن أخذ في مرحلة تفكك الدولة الإسلامية ومجيء الإستعمار صورة رد فعل مشروع حدد بعده القومي الواضح ومحتواه في الحرية والخلاص من الإحتلال والإضطهاد وحق الشعوب في تقرير مصيرها ,وهذا ماأعطاه شكلًا مختلفًا عن المفهوم القومي الأوروبي بل كان مناقضًا له لأن مفهوم القومية العربية أخذ منحى تحرري وإنساني وحضاري عبر عنه بوضوح رموز القومية العربية بإعادة التركيز على مفهوم الهوية والحرية والتنمية ,ومع استمرار نمو الشعور القومي الذي تجسد بشكل عملي بالنهضة والتحرر من الإستعمار وتحقيق الإستقلال السياسي لمجمل أجزاء الدولة الإسلامية التي أخذت أشكال إدارية سياسية مستقلة أنتجت واقع التجزئة الحالي وبروز الدول القطرية, وأول مرة في التاريخ العربي يتراجع دور الإسلام الذي صاغ كل مكونات الأمة بشكل فريد وكان هذا أحد أهم الأسباب التي أدت إلى تفتيت الأمة العربية إلى كيانات هزيلة وتغييب العامل الجامع ودفعها إلى التحرك بناءً على حوامل نظرية وفكرية جزئية ,ومع تجزئة الواقع الجغرافي تجزأ الواقع الفكري والسياسي,واختلطت الأمور بين تيارات سياسية طبعها الصراع والتنافر والقصورعن المقاربات الصحيحة وبالتالي الدوران حول محاور خارجية جعلت من الواقع العربي حقل تجارب لنظريات ملتبسة خارجية ليس لها صلة بالواقع العربي وتناقضات الشعوب الإجتماعية والإقتصادية ,ففقدت المشروع المستقبلي الواضح وأدخلت المنطقة في دوامة الضياع التي لازالت فيها...هل وقعنا في"سخرية التاريخ"؟!
بدو المرحلة الحالية التي تمر بها المنطقة العربية تائهة بدون دليل فكري ثقافي وحتى سياسي , إذ تغيب عن الأحداث المنظومة الموجهة سواءً الإجتماعية العامة أو الفردية الخاصة لحركة الشعوب ,ويحضر الخلط واللبس والتخبط على كافة مناحي الحياة , وفي هذه اللحظة التاريخية الحرجة التي تطغى عليها ثورة المعلومات وسرعة الإعلام وسهولة انتشارها ووصولها إلى عقول الناس وتوليفها قسرًا كما يخرجها أصحابها بدون تصفية وبدون قدرة على التأثير في رسم الحدث من قبل كافة النظم الفكريةالسياسية والإعلامية العربية (إن وجدت) التي فقدت صلتها بالأحداث , سوى مايزيده الإعلام الرسمي ومنظروا الأوهام والفساد من خبراء الفردية والديكتاتورية التي تساهم هي الأخرى في حصار الشعوب ضمن حالة الضياع واليأس والإحباط , وفي عصر شئنا أم أبينا يشهد اندماجًا كونيًا في الفكر والسياسة والإقتصاد ويتميز بحركية شديدة بهذا الإتجاه , تعيشه المنطقة العربية حكامًا ومحكومين بمنتهى الوهن القومي والديني والسياسي , مماجعلها عرضة ً لتقاذف المشروعات الخارجية ولسوء الحظ أنها بضعفها وخوائها وفراغ عقولها تساهم بشكل كبير في خدمة المشاريع العولمية من حيث تدري ولاتدري.
وفي نظرة سريعة إلى التاريخ العربي في مراحله المختلفة نرى أنه محددًا بقوتين رئيسيتين عندما تعملان إيجابيًا وتتفاعلان معًا ,أو تتناوبا القيادة بتناغم , تعطيه وجودًا في الزمان والمكان وعندما تضعفان أو تتخاصمان تتنافران وتعكسان حالة من الضياع والخروج من ساحة الفعل بل وحتى الخروج من التاريخ , العرب اليوم هم في اللحظة الفاصلة بين الإستمرار أو الخروج من الزمن , وهاتان القوتان هما القضية القومية وقوة الإيمان أي الدين وبشكل أساسي الإسلام , ورغم أن مساحة التفكير في هذا الإطار ليست حميدة دائمًا والحركة ضمن هذه المساحة محفوفة بالمخاطر والألغام , سببها الأساسي هو التخلف والقصور الكبير في كلا المنظومتين السياسيتين اللتان تقودان ظاهريًا الشعوب في مرحلة فائقة التعقيد والخطورة والتداخل الفكري والديني والإثني والحقوقي ومحصورة في إطارالعولمة الذي هو في أهم جوانبه يعمل على تغريغ الشعوب من محتواها التاريخي القومي والديني والفلسفي وتفكيكها وإعادة تركيبها على قياس العصر والفاعلين فيه خدمةً لمصالحهم وأهدافهم ,وهذا عمل مشروع ولانقول (حق) , والتاريخ البشري هو هكذا كان وسيبقى كذلك ,يحكمه الصراع الإيجابي حينًا والسلبي حينًا آخر, وحب السيطرة والمصالح والبقاء في معظم الأحيان.
وفي عالم اليوم الذي قطع شوطًا حضاريًا كبيرًا على مستوى العلوم والنظرة إلى الإنسان وحقوقه وعلاقاته الإنتاجية الجديدة وتشابكهه الإقتصادي بما يمهد لنشوء تكوين اجتماعي كوني جديد ,أي مرحلة مابعد الأمة وحتى الدولة وأول مظاهره هو الكتلة البشرية التي تمثل الإتحاد الأوروبي والشركات الكونية , ورغم دلالة وملامح التسمية الجغرافية فهو في حقيقته انعكاس لفلسفة جديدة قيادية وريادية على مستوى الإقتصاد والإنتاج والإستهلاك والعلاقات الإجتماعية الأوسع أي منظومة قيم جديدة, نرى أن المجتمعات والشعوب العربية ارتدت إلى الوراء إلى كهوف الماضي ,أي لازالت تجتر العلاقات الإجتماعية والإقتصادية ماقبل مدنية وماقبل وطنية وبضمور قومي وديني واضح على مستوى الفهم والفعل ,مما يعني أن مقومات الإستمرار في التاريخ قد تضاءلت إلى أبعد الحدود , ومع الإعتراف الكامل بأن التاريخ العربي وتاريخ المنطقة بكل محتوياته القومية والدينية والإثنية قد بني على دعامتين اثنيتين: القومية والدين والإسلام تحديدًا , ولم نعرف في التاريخ الحديث سوى الدولة الإسلامية والتي عمودها هو الإسلام بفقراته القومية ,شكلا جسمًا واحدًا ونهضة حضارية ومدنية لازلنا نتغنى فيها ,لكن من خارجها مئات السنين ,حتى أصبحت أشبة بخرافة يؤشر عليها الضعف الحالي الذي لايمكن تصوره بأي حال على أنه امتداد لذاك المحرك الحضاري والإنساني القيادي في الماضي.
وعليه فالشعوب العربية ومعها مكونات هذه المنطقة الجغرافية التي تشكل كيان ثقافي متجانس , تعيش حالة استعصاء تاريخي أهم مسبباته هو في التاريخ أولًا , أي في لحظات الضعف والوهن القومي والديني , التي حولت القومية إلى شعور وحلم ووهم , والدين إلى مصالح سياسية طغت على دوره الرسالي العام الذي بشر به الرسول محمد (ص) ثانيًا, ومخلفات تفكك الدولة الإسلامية وبعدها مرحلة الإستعمار ثالثًا , والنظم الفكرية والسياسية التي أنتجها وجود الإستعمار ورفعت شعارات الإستقلال كهدف مرحلي بدون برامج للمستقبل رابعًا , وتصدر مرحلة مابعد الإستقلال نظم فكرية وسياسية هجينة ليست بمستوى المرحلة التاريخية التي تمر بها الشعوب العربية والمنطقة بشكل عام خامسًا, وبقيت الشعوب تراوح في ظل أنظمة فاقدة العلم والعقل والدين والبرنامج من جهة , وظالمة ديكتاتورية فردية فاقدة الشرعية والمسؤولية ,وهمها الوحيد هو الإستمرار في الحكم دون امتلاك أدنى المؤهلات الفكرية والدينية , وبشخصيتها (الكثة) هذه التي غدت مأوى للفساد , لم تجد أمامها سوى التعامل مع المشاريع الخارجية لتدخل المنطقة في دوامة الوصاية والجهل والعنف والتطرف وحالة الإستعصاء العام التي هي فيها .
أخيرًا نختصر وننظر إلى الواقع الحالي بدون القفز أو الهرب من الماضي ونسأل: هل الضعف هو في عزل القومية عن الدين ودفعهما للمواجهة ؟!, والتي عبرت عنه مايسمى العلمانية العربية بمقولة نظرية سليمة ( فصل الدين عن الدولة ) وملغومة واقعيًا وعمليًا بكل سهام التفكيك والتفتيت , أهو خطأ في المفهوم ,أم عجز في أدواته وتجلياته العربية ؟!