فإذا ما عدنا إلى التعددية الثقافية العقدية ـ التي نطرحها على نصارى مصر كبديل للتعددية السياسية الديمقراطية ـ فلن نجد لها مكانًا في عقول النصارى التي تشبَّعت بالخصومة لكل ماهو مسلم ، كما لن نجد لها موقعًا من الإعراب في أي نظام أو دستور في العالم إلا في سياق إحدى منظومتين:
الأولى: وهى منظومة العولمة التي تلغي كل الأديان وكل الثقافات ؛ لتنصهر في بوتقة (( اللادين ) )و (( اللاثقافة ذاتية ) )، ومن ثم تصبح أطروحة التعددية الدينية مرفوضة بإطلاق !0
الآخرة: وهي المنظومة القرآنية التي لا تسمح للأكثرية أن تطغى على حقوق الأقلية ، أو تنال من عقيدتها ، أو تستبد بها عقيدة أخرى لهم ، بل وتحكم بالعدل المطلق بين الأكثرية والأقلية دون زيغ أو مجاملة أو تثريب
وهذه المنظومة الأخيرة هي التي يرشحها المسلمون لشركائهم في الحضارة والتاريخ والأرض والعيش والحاضر والمستقبل ( نصارى مصر ) ، والتي يرفضونها لا لأنها لم تخضع عندهم للدراسة أو المناقشة ، أو تنقصها ضمانات ، أو تحمل في ثنايها ما يؤرق ؛ إنما لأنها ـ بداية ـ من المسلمين ! ، وهذا خطأ إنساني وعقدي جسيم 0
إضافة مهمة
إن خيار النصارى لمنظومة التعددية السياسية ـ ورفض المنظومة العقَدية ـ يستوجب على نصارى مصر أن يجيبوا بوضوح وإسهاب شديدين على سؤالين مهمين ؛ ذلك إن أرادوا ـ بحق ـ ألا يمارسوا مع المسلمين لعبة الصراع حتى النهاية
بل ويستوجب الأمر أن تكون الإجابة على مستوى الشفافية الإيمانية الكاملة ؛ حتى تستمر اللعبة السياسية أطول فترة زمنية ممكنة بعيدة عن الصراعات الدموية التي شهدها التاريخ ؛ إذ إن شرط الشفافية إن لم يتحقق ـ وصممت الكنيسة على الغموض والتغييب والأسرار ـ فأحسب أن حكَم المباراة في ظل النظام الدولي الاستبدادى الجديد سوف يستخدم البطاقات الحمراء والصفراء كثيرًا ، فيما يسمى بالفتنة الطائفية
أما السؤالان أو الرجاءان فهُما:
1_ أن تعلن الكنيسة الأم في مصر للمسلمين جميعًا ـ بصفتهم شركاء في التاريخ والحضارة والحاضر والمستقبل ـ مايلي:
ـ ما الكنيسة ؟0
ـ ما الطوائف التي تعمل في مصر ؟0
ـ ماحجم كل طائفة منها ؟0
ـ مَن المصريون ؟ ، ومَن الأجانب ؟0
ـ مادرجة انتماء كل كنيسة منها إلى الكنائيس الكونية ؟0
ـ ما أحقيَّتها في التواجد على أرض مصر ؟0
ـ ما أحقيتها في حكم مصر ؟0
ـ ماذا تريد لحاضرها ؟0
ـ ماذا تعد لمستقبلها ؟0
2_ ثانيهما: أن تعلن الكنيسة الأم ـ للمسلمين جميعًا ، وللنصارى جميعًا في الداخل والخارج ـ حقيقة موقفها من:
ـ دين الإسلام 0
ـ قرآن الإسلام 0
ـ نبي الإسلام 0
ـ عقيدة المسلمين 0
ـ حقوق المسلمين في العيش على أرض مصر 0
ـ حق المسلمين في حكم مصر بحسب تشريعات الكنيسة 0
فإذا ما كان خيار النصارى لمنظومة التعددية العقدية الثقافية ، ورفض المنظومة السياسية العولمية ـ فلا أحب أن ذلك يستوجب منهم شيئًا ؛ لأن عقيدة المسلمين قد فصَّلت القول والأحكام والتشريعات التي تضبط العلاقة بين الطرفين إجمالًا وتفصيلًا ، وهو غير ما شهدته صفحات سوداء كثيرة في تاريخ المسلمين والنصارى، والإسلام براء منها كل البراءة 0
الخط (( الهَمَايوني ) )
إن كذبة (( الخط الهمايوني ) )لا بد أن تنتهي ، وأن يتحمل أهلنا ـ من نصارى مصر ـ عبأها في شجاعة ، وأن يشرحوا لأبنائهم ـ بكل الوسائل التعليمية والإعلامية ـ أن هذا الخط الذي حدده الباب العالي في الدولة العثمانية ، التي كانت تحكم البلاد ، إنما اتخذه السلطان المسلم بناءً على طلب من الكنيسة الأرثوذكسية المصرية ، وبعد إلحاح شديد من نصارى مصر وبعد وساطات لوجهاء الأمة من النصارى والمسلمين حتى يستجيب ، ويُصدر أوامره بعدم السماح لأي جهة ـ أيًا ما كانت ـ بإصلاح أو ترميم أو بناء كنيسة جديدة إلا بعد الرجوع إلى الباب العالي ! 0
وقد فرحت وانشرحت قلوب نصارى مصر بهذا القرار الذي جاء استجابةٌ لإلحاحهم لمواجهة الزحف الكاثوليكي والبروتستانتي ، الذي جاء إلى مصر كالوحش الكاسر ينهش لحم الكنيسة المصرية بما يملك من أموال وإمكانات لم تكن متوفرة للكنيسة المصرية ،وكذلك حماية للأرثوذكس المصريين من جهود الكَثْلَكَة ( نسبة إلى الكاثوليكية ) والأنجلة ( نسبة إلى الإنجيليين ) ، التي مارستها الإرساليات الأجنبية في شعب النصارى ، واستطاعت أن تجذب إليها الآلاف من نصارى الأرثوذكس المصريين 0
ثم إضافة إلى هذه الحقيقة المهمة ـ التي يجب أن تتولى الكنيسة المصرية تبرئة السلطان العثماني منها ـ على الكنيسة أيضًا أن تعلن براءة العقيدة الإسلامية من هذا القرار ، أو استمراره حتى يومنا هذا على الورق ، أو على الواقع المعاش 0
وأن كل مَن يسيء إلى السلطان العثماني ـ في إصدار أمره الهمايوني أي ( السلطاني ) ـ إنما هو كاذب ومَدَّعِ ومدلِّس ، وغير قادر على مواجهة الحقيقة ، أو أنه يجهلها ، وأن الأمر الهمايوني قد أصدره السلطان بعد توسلات ورجاء بابا الكنيسة ورهبانها وقِسِّيسيها وشمَّاسيها وخدامها وحراس أبوابها ، بعدما هجمت الإرساليات الكنسية الكاثوليكية الرومانية والبروتستانتية الفرنسية والإنجليزية والألمانية والأمريكية على بلاد المسلمين تحت مظلة الحملات الصليبية أحيانًا ، وبمصاحبة قوات الاحتلال الغربي أحيانًا اخرى ، ثم من خلال الغزو الثقافي والفكري لبعض العقول في بلاد المسلمين ، إلا أن هذه الجهود لم تحقق أهدافها في المسلمين ، ولم تؤثر في عقيدتهم أو لغتهم أو عاداتهم أو تقاليدهم ، بالقدر الذي أساءت فيه للكنيسة الشرقية ، وأذلت أعناق أتباعها ، وأثارت بينها الانشقاقات والعداوات والخصومات ، وحطَّت قدر النصارى في عيون المسلمين المشاركين لهم في الأوطان ، كما أصابت هذه الكنائس بالضعف والوهن ، ومزيد من التشرذم والانغلاق ، حمايةٌ للذات ، وحفاظًا على البقاء ، فلم تجد الكنيسة المصرية مفرًا من تقديم طلبها إلى الباب العالي ـ سلطان البلاد ـ بأن يضع خطًا يوقف زحف الصليبيين الغاشم ، ولو كانوا طلبوا منه ـ قبل أن يُسقط عرشه ـ أن يلغي هذا الخط لفعل ، لكن ذلك لم يحدث أبدًا ؛ لأن نصارى مصر الأرثوذكس مازال مسلطًا عليهم سيف الكثلكة والأنجلة حتى يومنا هذا ، ولعل تجرِبة الأب دانيال البراموسي مازالت ماثلة أمام أعين الكنيسة الأرثوذكسية بعدما انشق الرجل عليها ، وذهب إلى الإنجيليين ، بصحبته عشرة آلاف من أتباعه الذين كانوا بالأمس ـ فقط ـ من أتباع الكنيسة المصرية المرقسية !0
وعلى الرغم من ذلك فإن هذا القانون ـ الذي يمنع ترميم دورة مياه بغير إذن رئيس الجمهورية (سابقًا ) ، ومجالس المدن والقرى (حاليًا ) ـ هو القانون نفسه الذي تحت ظله تم تجديد (جميع) كنائس وأديرة مصر ـ خلال عهد الرئيس حسني مبارك بطرق غير مشروعة ، (ولدى الكاتب صور فوتوغرافية لعشرات من هذه الكنائس قبل التجديد وبعد التجديد إن أراد صاحب شأن برهانًا ) 0
فتاوى واضحة
إلا أننا ـ بعد ذلك كله ـ نحتاج إلى فتاوى شرعية صريحة وواضحة حول:
ـ ما حق النصارى في مصر في احتلال المعابد الفرعونية واليونانية والرومانية التي تحولت إلى كنائس وأديرة ؟!0
ـ ماحق النصارى في مصر في تجديد وترميم الكنائس والأديرة القائمة ؟ 0