فهرس الكتاب

الصفحة 2921 من 3028

لذلك فكل رجائي من أصحاب الجبهة الثالثة، ألا يكونوا عونًا علينا مع أهل الباطل، وألا ينساقوا وراء جبنهم وخذلانهم وإيثارهم السلامة في الدنيا، والغنيمة بالراحة والاطمئنان الزائف، أن مجرد التعبد في المساجد هو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم (واللهِ) لم يرتض الذلة، ولا المهانة، ولا الصغارأبدًا، وأخبرنا صلى الله عليه وسلم عن رب العزة سبحانه وتعالى أن المسلمين في رباط إلى يوم القيامة، وأنه لا راحة للمسلمين ما دام الباطل حيًا بينهم، فإن كانوا قد ارتضوا سلامة الدنيا فإنا نسألهم أن يكفوا عنا أذاهم، ويدعون لنا الله يالهداية إن ضللنا، وبالعفو إن زللنا، وبالتوفيق إن سدد الله خطانا، وأنبه بشدة أن مدار منهج الدعوة إلى الله، يرتيط كل الارتباط بحالة البيئة التي نمارس فيها الدعوة، وأن الحكمة كما تقتضي الرويّة والهدوء والمناورة، فقد تقتضي في مواقف أخرى أن تردع خصمك بالقوة، وأن تغلظ عليه، وأن تقوَّمه بما يليق مع حاله، ومثل ذلك تكون الموعظة، وإن كلمة (الحسنة) المضافة إلى كلمة (الموعظة) في الآية الكريمة، قد تعني بحسب الفهم العام، اللين وجمال اللفظ ورقة المعنى، أما أنا فأضيف إلى هذا الفهم مما استوعبته من التفاسير القرآنية، وتغافل عنه الناس، أن الموعظة الحسنة هي تكليف إلهي لكل مسلم بتبليغ رسالة التوحيد لكل إنسان، فـ (الحسنة) هي التوحيد، و (الموعظة) هي الرسالة التي تهدي إليه، فتكون (الموعظة الحسنة) تكليفًا لكل مسلم ومسلمة، ألا يكف، ليل نهار ـ في العمل والشارع والمجلس والصحبة والجيران ـ عن تبليغ رسالة لا إله إلا الله، ومن يفرط في ذلك الواجب، فقد فرط في أمر الله.

فما بالكم بمن يتخاذل عن أداء هذه المهمة، ويحبسها على أهل الإسلام، ولا يبادر بتبليغها لمن هم أحق بها، وهم أهل الضلال، وأهل الشرك، وعبدة الأصنام، وأكلة لحوم آلهتهم، والتقرب إليه بمعاقرة الخمر، وتمثُّل الرهبنة والبتولية مع الإغراق في الجنس والشذوذ بين المترهبنين والمتبتلات ومضاجعة الأطفال وممارسة السحاق، حتى أفلست دور عباداتهم من كثرة القضايا التي رفعها آباء الأطفال ضد رجال الدين عندهم؟

فما بالكم بمن يسمح لنفسه أن يتغافل عن تجرؤ هذا الصنف البشري الموبوء، على ممارسة الدعوة إلى شركه وضلاله وفساده ووثنيته بين عوام المسلمين، مستغلًا فساد كثير من المؤسسات الدينية الرسمية والأهلية، وانهزاميتها، واستغراقها في العلاقات الإنسانية الرسمية مع مؤسسات الشر، إلى الحد الذي صرح فيه فضيلة وزير الأوقاف المصري (نصًا وحرفًا) في مكتبه، أمام بطريرك الروم الكاثوليك والوفد الذي رافقه بمناسبة تهنئتهم لسعادة الوزير بعيد الأضحى المبارك، أنه (لا يجوز لأي إنسان أن يُكَفِّر الآخر، لأنه يختلف معه في الدين) ، وأضاف الوزير أن للإسلام معنيان، ولم يذكر لهما ثالثًا؛ الأول هو الإسلام لوجه الله، والثاني هو الإسلام التاريخي الذي يعني الدين الإسلامي الذي أتى به محمد عليه السلام)، وأغفل سعادة الوزير سامحه الله أن الإسلام عقيدة، وأن كونه تاريخًا ينفي عنه قداسته التي فرضها الله على سائر خلق الله، وأنه أسمى من أن يكون تأريخًا لحدث بين أحداث أخر، ولا أدري على أي سند اعتمد سعادة الوزير على مصادرة إيماني، ومعاندة عقيدتي، ونهيي عن العمل بشرع الله، والحكم على أهل الأوثان والشرك والضلال وإنزال الله منازل البشر، بالكفر والطغيان والإفساد في الأرض، ولم يسأل سعادة الوزير نفسه: ما حكمه هو عند ضيوفه؟ هل هو مؤمن مثلهم بإيمانهم؟ أم أنهم يحكمون عليه بالكفر والضلال والحرمان من الملكوت، وأن مثواه عندهم جهنم وبئس المصير لأنه لا يؤمن بيسوع؟

إن المأساة المتجسدة في أخلاق المسلمين، هي ذلك الخنجر المسموم الذي يذبحون به أنفسهم أو إخوانهم وبأيديهم، بسبب رؤيتهم العوراء للأمور، وإحساس مؤسساتهم الدينية بالدونية، أو الافتتان بملابس أهل الكفر الذهبية، وقاعات دور عباداتهم الضخمة والملونة والمزركشة، والكلمات المعسولة التي يجيدونها نفاقًا وكذبًا وتدليسًا، ثم وأخيرًا لون الدولار الأخضر وما له من تأثير نفسي على القوى العقلية المريضة، أو الخوف من السجون والمعتقلات.

وأسأل سعادة كل وزير ومسؤل ديني رسمي وأهلي في كل بلد إسلامي:

ـ ماحكم الآخر فيك؟

ـ ما موقفه من قرآنك وسنة نبيك؟

ـ ما موقفه من ربك ومن رسولك العظيم؟

ـ ما حكم قتله للمسلمين في عقيدته، في البوسنة والهرسك وأفغانستان والعراق؟ أم أنكم ويالخيبة المسلمين فيكم ترون أنها حروب سياسية كما أوهموكم؟

إن عبدة الأوثان المشركين أعداء الله، يحكمون على المسلمين جميعهم، كبيرهم وصغيرهم، حاكمهم ومحكومهم، عالمهم وجاهلهم، بأنهم كفار مهرطقين وثنيين شياطين مسلطين على الناس مجرمين قتلة يعارضون مشيئة الرب، ويحاربون الكتاب الذي أتى به رُسُل، رُسُل، رُسُل الرب المتجسد، الذي لا يحب من لا يسجد لصنمه أو صنم أمه أو صنم واحدة من شفعائه أو شفيعاته الجميلات، ولن يقبل في ملكوته من لا يأكل لحمه ويشرب دمه ويعبده كلبؤة أو دودة أو خروف (تيس) بسبع عيون وسبع قرون كما جاء نصًا في كتبهم المعتمدة، ومع ذلك لا يخجلون من ذلك ويبشرون الناس به، ولا يستشعرون النقص، ولا يشعرون بالعار من إجرامهم ودمويتهم التي تنتشر في كل بقاع الأرض، حتى باتوا يملكون شرعية القتل والنحر في المسلمين، فإن هلك واحد منهم، أو سقط صنم من أصنامهم، تسلَّط علماء المسلمين الرسميين على جند الدفاع عن الإسلام الباذلين الدماء لتحرير أرضهم، بالفتاوى والصراخ والعويل على وجه الإسلام الذي يحتاج إلى تبييض ـ سوّد الله وجوههم ـ فأصبح المجرم في عيون علمائنا العملاء ضحية، وأصبح الضحية عارًا على أهله لأنه يبذل الدم من أجل دينه وعرضه وأرضه.

ثم أعود للكلاب المسعورة، وأقول أن هذا التعبير ليس غريبًا أبدًا عن عقيدتهم الإيمانية، فكل طائفة من طوائفهم تصف الأخرى في كتبها ومواعظها بـ (الذئاب الخاطفة) ، ولأن الذئاب لا تعيش في غير الجبال، فاستبدلتها أنا بالحيوان الأقرب لما يعيش في الحضر، وهي الكلاب، ولا أجد مسافة بعيدة بين الخطف والسَعَر، بل وجدت أنها أصدق تعبيرًا، وأقرب وصفًا لما يفعله هؤلاء الأوغاد في قرى مصر ونجوعها، يتجولون في الحواري والأزقة، يشمشمون في تراب الأرض عن الجيفة والنتن وكل مالا قيمة له، فينقضوا عليه، صيدًا ثمينًا وما هو بثمين، إنما زيَّنه لهم الشيطان فأخذوا يلحسون وساخة جسده، ويلعقون فضلاته، ثم يهزون ذيولهم شكرًا وامتنانًا.

لقد كانت تجربة المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي نُظِّم مؤخرًا في نهاية يناير حتى بداية الأسبوع الثاني من فبراير 2005 ، هي تجربة ثرية بكل المقاييس، لم ترق إليها واحدة من مشاركاتنا العشر السابقة في هذا المعرض السنوي، بفضل الله تعالى، ثم بفضل صفوة مختارة من شباب برنامج البال توك على الإنترنت، الذين واصلوا معنا الجهد ليلًا ونهارًا، في التصدي لجهود الكلاب المسعورة في أرجاء المعرض، يبشرون بالضلال والوثنية والشرك وإنزال الله من عليائه إلى منزلة البشر، وجَرَت عشرات المناظرات الحية، وجهًا لوجه، بين شباب غرفتنا والكلاب المسعورة في غرفهم، فسمعناها منهم تكرارًا، يعترفون بالخزي والسقوط والانسحاب، إلى أن بلغ الأمر (وأقسم بالله على صدق ما أقول) بكبير منهم يدعى صموائيل ... يقول نصًا: (لقد مسحتم بنا الأرض) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت