فهرس الكتاب

الصفحة 2907 من 3028

وواضح أن هذا الادعاء يقوم على استغلال الشعور بالنقص، والإحساس بالتخلف الذي وخز الأمة الإسلامية عند احتكاكها بالحضارة الأوروبية، فقالوا: إن الإسلام دين قبلي صحراوي، وشعائره وتشريعاته لا تنسجم مع الحياة العصرية المتمدنة، وكيف يصح أن يعيش الإنسان في عصر الصواريخ والطائرات على شريعة الصحراء والجمال، بل إن هذه الشريعة نفسها هي سبب التخلف وداء الشرق العضال، وأن السبيل إلى التطور والحضارة لهو نبذ محمد وكتابه.

6-الدعوى إلى نبذ اللغة العربية، وهجر حروفها وأساليبها:

وهي دعوى موازية للدعوى السالفة، وتحتج بالحجة نفسها -عدم ملاءمتها للحضارة- وغرضها مسخ الأمة وقطع صلتها بدينها نهائيًا، ومنها تفرع القول: بأن النحو العربي غير علمي، وافتعال التضاد بين قواعد النحو واللغة وبين أساليب القرآن بقصد هدم الاثنين.

والزعم بأن الشعر الجاهلي، وكثيرًا من شعر صدر الإسلام منحول، لأن اللغة والتفسير يستمدان الشواهد منه.

7-إثارة ما سمي: (قضية تحرير المرأة) :

وهي دعوى ركز عليها أولئك، لعلمهم بنتائجها المتعددة التي منها: الطعن في الشريعة ذاتها لأنها سبب احتقار المرأة -بزعمهم-، ونشر الإباحية والانحلال في المجتمع الإسلامي، والقضاء على الأسرة الذي يؤدي إلى تجهيل النشء بدينه، ويتيح لهم الفرصة لتربية أبناء الإسلام كما يشاءون فقالوا: إن الإسلام يحتقر المرأة لذاتها، ولا يجعل لها قيمة معنوية سوى الاستمتاع المجرد، وأنه يبيح بيع وشراء وسبي النساء، وأنه يوجب على المرأة أن تعيش وتموت جاهلة مهملة بما يفرض عليها من الحجاب، ويعد حقها في الترفيه والاستمتاع عارًا شنيعًا، في حين يتاح للرجل كل وسائل اللذة بالتسري وغيره...

ومزاعم أخرى كثيرة كان الواقع السيئ يمدهم بأدلتها، ويسهل لهم إثارتها.

8-تهوين شأن الحضارة الإسلامية، وتشويه تاريخها:

يزعم المستشرقون أن أعظم مآثر المسلمين الحضارية هو نقل التراث اليوناني -نقله فقط وحفظه من الضياع - وأن روائعهم العمرانية مقتبسة من الفن البيزنطي... إلخ، أما تشويه التاريخ الإسلامي فلم يدعوا وسيلة لذلك إلا سلكوها، حتى سلبوه كل فضائله، وحصروه في الناحية السياسية؛ ليصبح سلسلة من المشاحنات والمؤامرات والدسائس، ثم كرسوا الحديث عن الحكام في موضوعات الحريم والجواري والشعراء، وعمدوا إلى عظمائه في الحرب والسلم، فوصفوهم بالجمود والتزمت ومعاداة التحضر، واتخذوا من الخزعبلات المدسوسة في التراث مصادر لتشويه سيرهم، ومن هنا بذلوا جهودهم لترجمة ونشر تلك الخزعبلات ومنح الدرجات العليا للباحثين فيها، وكانت ثمرة ذلك كله أن مفهوم الحضارة الإسلامية لا يتجاوز عند غالبية المثقفين معنى كلمة (فولكلور) .

9-بعث الحركات الهدامة والطوائف الضالة وتضخيم أدوارها:

هذا العمل جزء من تشويه تاريخ الإسلام، إلا أنه استأثر باهتمام بالغ منهم، لأنه يحقق أغراضًا كثيرة في آن واحد، فقد حرصوا على تجديد الغزو الفكري البائد، الذي نظمته الطوائف والفرق المنحرفة كالباطنية بفروعها المتعددة من إسماعيلية وقرامطة وبابكية ، والعبيديين المسمين فاطميين والزنج أًصحاب الثورة المعروفة، والدروز، والمتصوفون وفرقهم، مع العناية الخاصة بالشخصيات الضالة كالحلاج وعبد الله بن سبأ وعبد الله بن ميمون القداح والحاكم العبيدي .. الخ، هذا غير الفرق التي أحدثت للغرض نفسه كالقاديانية والبابية وفروعهما.

10-نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها:

تخصص عدد من المستشرقين في هذا المضمار، فعكفوا على دراسة اللغات البائدة والتنقيب عن آثار الغابرين، ولفقوا من رفات هش ما أسموه التاريخ الحضاري للعرب، ثم مدوا آثار تلك الحضارات إلى العصر الحاضر، فبدا الفتح الإسلامي وحضارته نشازًا في هذه السلسلة، أو في أحسن الأحوال عاملًا من بين عوامل عدة.

ومن أمثلة ذلك بعث الفرعونية في مصر والفينيقية والآشورية في الهلال الخصيب والحميرية في اليمن ، واختلقوا القومية الطورانية لحساب الجمعيات السرية التركية -كما سيأتي- ونجم عن ذلك نتائج خطيرة، منها: تحسين سمعة الجاهلية وتمجيد طواغيتها الغابرين، وبث النعرات الانفصالية، وقطع صلة الأمة بماضيها الحقيقي، أو على الأقل إشغالها عنه، وتهيئة النفوس لتقبل إمكان قيام الحياة المتحضرة بدون الإسلام كما عاشت تلك الحضارات قبله.

11-وضع منهج لاديني للبحث العلمي:

لو لم يكن من ثمرة جهودهم إلا ذلك لكفى، فإن جامعات العالم الإسلامي المعاصرة تدرس التراث الإسلامي وفق ذلك المنهج الذي يتمسح بالموضوعية والحياد العلمي، وهو أبعد ما يكون عنهما، ومن أوضح وأقرب الأمثلة على ذلك ما نلحظه في كتابات كثير من الباحثين المسلمين، من إصرار على استعمال عبارة (قال القرآن) عند إيراد الآيات احترازًا من قول: (قال الله) وإطلاق لفظة (محمد) تمامًا كما يستعملها المستشرقون بدون ذكر الرسالة أو الصلاة عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ومع كون هذا المنهج لادينيًا فهو في الوقت نفسه غير علمي، لأنه غالبًا يدور على هذه الأسس:

1-يعمل المستشرقون على إخضاع النصوص الفكرية التي يفرضونها حسب أهوائهم، والتحكم فيما يرفضونه من النصوص، وكثيرًا ما يحرفون النص تحريفًا مقصودًا، ويقعون في سوء الفهم، -وعن عمد أحيانًا- حين لا يجدون مجالًا للتحريف.

2-يتحكم المستشرقون في المصادر التي يختارونها، فهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث النبوي، ومن كتب التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقله الدميري في كتاب (الحيوان ) ، ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في الموطأ ) [628] ويهاجمون صحيح البخاري ، ويمجدون كتاب الأغاني ، وألف ليلة وليلة .

وعلى الرغم من ذلك، سرت عدوى هذا المنهج في أبناء المسلمين إلى حد يثير الريبة والعجب، وقبل أن نختتم الكلام عن أساليب المستشرقين ينبغى أن نشير إلى أن أعمالهم تسير وفق خطة مدروسة، ولذلك فهي تتغير تبعًا لمقتضيات التغير بعد تقييم نتائج المرحلة السابقة، ولذا فلا غرابة أن تختفي من كتبهم الأساليب الاستفزازية والطعن المكشوف، إذ يبدو أن خطة (احتواء الفكر الإسلامي) هي المعمول بها حاليًا.

وأيًا ما كانت النتائج، فإن ما اضطلع به هؤلاء من مهمة تدمير المقومات الإسلامية، وتمهيد الأرضية الفكرية التي تقوم عليها الحياة اللادينية في الشرق قد آتى أكله في أكثر من ميدان.

3-المبشرون:

كما أن للمستشرقين والمبشرين أهدافًا مشتركة، فإن لهم وسائل متداخلة، ويمكن القول بأن ميدان المستشرقين الأساسي هو الثقافة والفكر، بينما يركز المبشرون جهودهم في النواحي الاجتماعية والتربوية.

وليس غريبًا أن يجهل المسلمون الدوافع الحقيقية للتبشير، فقد كان يجهلها بعض أتباع الإرساليات التبشيرية أنفسهم، إذ لم يكن الجميع يدركون أبعاد الخطة الجديدة ومراميها، بل كانت العقلية الصليبية التي استثيروا بها من بلادهم لا توحي لهم بكل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت