فهرس الكتاب

الصفحة 2906 من 3028

وليس أدل على ذلك من أن القوى التي حكمت العالم الإسلامي بعد رحيل الاستعمار لم تكن الحركات الجهادية التي جابهت المستعمرين، بل كانت أحزابًا وقوى مشبوهة تشهد أعمالها وآثارها بأنها جنت على الأمة ما لم يجنه الأعداء السافرون، مما يعطي الدليل الواضح على أن تنفيذ المخطط اليهودي قد وكل إليهم، مع اختلاف في الأدوار وتنوع في الإخراج.

6-تنفيذ توصيات المستشرقين والمبشرين، والإشراف على إنجاح مهامهم، وتذليل العقبات التي قد تعترض جهودهم.

هذا غير الهدف الظاهر للاستعمار، وهو إذلال العالم الإسلامي، وتسخير أبنائه وثرواته لأطماع المستعمرين!

2-المستشرقون:

المستشرقون أدمغة الحملات الصليبية الحديثة، وشياطين الغزو الثقافي للعالم الإسلامي، ظهروا في حلبة الصراع في فترة كان المسلمون فيها يعانون من الإفلاس الحضاري والخواء الروحي وفقدان الذات، مما جعل الفرصة سانحة لأولئك الأحبار الرهبان، وجنود الصليبيين الموتورين؛ كي يثأروا لهزائمهم الماضية وينفثوا أحقادهم الدفينة.

واقتضت خطة وجودهم في عصر يعبد العلم ويضفي عليه قداسة الوحي في العصور السابقة، أن يخلعوا عن كواهلهم مسوح الرهبان والأحبار وسلاح الميدان، ويرتدوا لباس العلم ومسوح المعرفة، ثم جندوا آلاف المخطوطات ومئات المؤسسات الثقافية المختلفة لمعركة استئصال الإسلام، وعكفوا في صوامع البحث يديرون الصراع المرير بخبث ودهاء.

وما كان ليغيب عن بالهم أن القضاء على الأشلاء الباقية من الكيان الإسلامي الضخم، وسد كل الطرق التي قد تهيئ لبعث الحياة فيها، لا تتم إلا بسلب الأمة ذاكرتها متمثلة في تراثها العظيم، وفي الوقت نفسه شن حرب نفسية شرسة لإبادة مالا يزال عالقًا في أذهان المسلمين من عقائد الإسلام ومفهوماته، وإن لم تكن الإبادة التامة فلتكن الزعزعة والتفتيت.

وتتلخص جهودهم العملية في هذه الفقرات التي يقتضي المقام إيجازها:

1-الطعن في حقيقة الإسلام وحقيقة القرآن والنبوة، فقالوا عن الإسلام: إنه تطوير محرف لليهودية والنصرانية ، أو هو جزء من مجموعة الأديان الشرقية تولد من احتكاك الوثنية العربية بأديان فارس والهند .

وإن القرآن من وضع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو هو من إملاء راهب نسطوري تعلم محمد على يديه مدة طويلة في الشام !! أو هو نتف من نسخ التوراة والإنجيل المهجورة وآراء المتحنثين من العرب كورقة بن نوفل ، مع اقتباسات من الحكمة الشعرية لبعض المتأملين الروحانيين كأمية بن الصلت ... إلخ،

ثم قالوا: إن القرآن بعد وفاة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان موزعًا بين بعض الصحابة في العظام والجلود، وجزءٌ منه محفوظ في الصدور حفظًا غير تام ولا متناسق، وبعد سبعين سنة -أي: بعد أن تبعثرت العظام والجلود ورمت ومات الحفاظ- وجد المسلمون أن الضرورة تقتضي جمع القرآن فاجتمعوا (كما يجتمع رجال اللاهوت!) وأحضر كلٌ منهم ما كان في حوزته منه، واتفقوا على تنظيمه وتبويبه، لكنهم تشاجروا في مواضع كثيرة، وأخيرًا فرضت السلطة الحاكمة نسخة معينة وأحرقت كل النسخ المخالفة بدون مبرر، ونتيجة لذلك جاءت النسخة المعتمدة غير متحدة الموضوع ولا متناسقة السياق -بالإضافة إلى كونها غير مرتبة فالسور التي وضعها أو جمعها محمد في أول ادعائه النبوة وضعت في آخرها بينما وضعت الأخيرة في أولها... إلخ، ثم يقولون: إن اليسار الإسلامي -الشيعة والرافضة - ظل يحتفظ بنسخ أخرى تبلغ أضعاف النسخة المتداولة، التي كان يعتقد أن قسمًا كبيرًا منها قد فقد بسبب شاة تسللت إلى موضعها فأكلت الجزء المتعلق بالخلافة والسياسة من بعد محمد!!

أما نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد قالوا عن تلقى الوحي: إنه نوبات من الصرع والهستيريا، أو نوع من العبقرية الشعرية في أحسن تقدير، أو أن محمدًا لم يكن إلا اللسان المعبر عن المذهب الذي كان يعتقده الراهب بحيرا (وكان يمليه عليه في الصحراء العربية، ويكتبه ثم يدعي أنه وحي من الله) .

وقالوا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه إنه كان مجهول النسب، ولذلك دعي ابن عبد الله، كعادة العرب فيمن يجهلون أباه! وأن اسمه الأصلي قثم، فلما عبده العرب سموه محمدًا للتقديس، وأنه كان (حاشاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رجلًا شهوانيًا ويعاقر الخمرة...، بل تطرف بعض المستشرقين الشيوعيين، فقالوا إنه شخصية خيالية!

أما الطعن في السنة فقالوا: إن محمدًا في حياته كان يعد كل ما يتكلم به قرآنًا، وبعد موته ونشوب النزاع السياسي بين المسلمين احتاجت الأطراف المتنازعة إلى تأييد آرائها، وإذ لم تجد ما تؤيدها به من القرآن نسبت كل فرقة إلى محمد أقوالًا كثيرة لصالحها، ومن مجموع هذه الأقوال كتب علماء المسلمين بعد ثلاثة قرون -أي: بعد أن يكون كل شيء قد ضاع واختلط- كتبًا سميت كتب الحديث والسنة، وألزموا المسلمين بالإيمان بها كالقرآن، فاعتقدها المسلمون -باستثناء اليسار طبعًا-، وسموا أتباعها أهل السنة تمييزًا لهم عن اليساريين!!

ثم يعمدون إلى النقد المفصل للسنة، فيطعنون في كبار حفاظها كأبي هريرة والزهري ، ويقولون إن بعض الشخصيات كعروة بن الزبير - الذي يروي عن خالته عائشة -أم المؤمنين- شخصية خيالية!! [627]

2-القول بأن الإسلام استنفذ أغراضه: وهي دعوى تأتي في صور شتى، منها وصف الإسلام بأنه دعوى أخلاقية، جاءت لإنقاذ المجتمع العربي من عادته السيئة، كعبادة الحجارة ووأد البنات والسلب والنهب وشرب الخمر... إلخ.

وتارة يوصف بأنه حركة اجتماعية تهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية القبلية، والاستبدال بها تركيبًا اجتماعيا قوميًا متحضرًا للعرب.

ومرة يقال وهو خاص بالمستشرقين الشيوعيين -إن الإسلام ثورة غير ناضجة ضد الطبقة التي كانت تسود المجتمع المكي، تولدت من الصراع بين الطبقة الكادحة، مثل محمد وبلال وصهيب ، والطبقة الرأسمالية أمثال الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف .

وأقوال أخرى مؤداها اعتبار الإسلام ظاهرة معينة في فترة زمنية محدودة، يجب أن يدرس وينظر إليها، كما لو كان قطعة من الأحافير القديمة لا علاقة لها مطلقًا بالواقع المعاصر.

3-القول بأن الإسلام طقوس وشعائر روحية، أو على أحسن الأحوال دين بالمفهوم الغربي الضيق، فلا دخل له بأمور الحكم والحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي... إلخ.

وقضية الخلافة بدعة لا أساس لها في الإسلام، ومحمد إنما جاء ليؤسس دينًا، ولم يكن يهدف إلى تكوين دولة.. وعندما خرجت جيوش الإسلام الأولى لم يكن هدفها إلا السيطرة على المستعمرات الرومانية الخصبة وإكراه أهلها على الإسلام، لكن العرب الفاتحين أعجبوا بالتنظيمات السياسية والإدارية التي كانت لدى الروم فاقتبسوها منهم، ثم أدخلوها في صلب عقيدتهم بغرض التلبيس على العوام وضمان استمرار نفوذهم، ومنذ ذلك الحين ظهرت البدعة القائلة إن الإسلام دين ودولة في آن واحد!!

4-القول بأن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني:

وهي دعوى مركبة على الدعوى السابقة، هدفها إسقاط توحيد الألوهية من جهة، وتهوين شأن الأخذ من القوانين الوضعية من جهة أخرى، فما دام الفقه القديم مستقى من أصول أوروبية، فما المانع اليوم من الاقتباس من القوانين الأوروبية كالقانون الفرنسي أو السويسري... إلخ.

5-الادعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تتلاءم مع الحضارة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت