لقد كانت الفئات السياسية المناهضة للشاه تعلم جيدا ان الفرصة مواتية لها وعليها ان لا تعطي الفرصة للشاه للمرة الخامسة ان يفلت من يدها ، واذا كان الشاه بدأ بالتنازل امام مطالب الشعب فلابد وان الرضوخ سيستمر كلما ازداد الشعب في المطالبة بحقوقه المغتصبة واتحدت الفئات السياسية كلها على العدو المشترك . وربما ان الشعب هو شعب مسلم يتغلب عليه روح الايمان فكان لابد من استغلال هذه الروحية لا سيما والعداء قد استحكم بين الشاه وكثير من رجال الدين وكان على رأس قائمة المناوئين الخميني الذي كان يعيش في العراق بعيدا من بطش الشاه وفي مأمن من سافاكه . فارتأب الفئات السياسية ان تتخذ من هذا الشيخ العجوز الذي بلغ الثمانين قائدا للنضال .
وكان يخيل للناس كافة ان اختيار الخميني قائدا للثورة يعطي تماسكا للشعب الايراني في نضاله ويجتمع تحت لوائه من كل صنف ونوع ، فلم يفكر احدا قط ان الثورة اذا نجحت فان مرشدها يخون ثقة الشعب به ويرتكب خيانة منكرة عظيمة تتجاوز حدود التصور ، فيحتكر السلطة لنفسه ولزمرته ويرتكب في سبيل السلطة من الاثام ما تقشعر من سماعها الابدان ، بل كان التصور السائد ان الرجل يقود الثورة وهو غير طامع في الحكم راغب عنه ولذلك لم تجد الفئات السياسية خيرا من الخميني للعمل على جمع الفئات السياسية المختلفة الاهواء تحت راية الثورة التي يقودها ، وقد اقسم ايمانا مغلظة امام العالم انه لا هو ولا زمرته يطمعون في أي شيء من مكاسب الثورة ، بل لايريدون لانفسهم جزاء ولاشكورا وانهم سيعتزلون السياسة عندما تنجح الثورة ويعودون إلى مدارسهم الدينية في مدينة قم ، يقرأون ويؤلفون ويدرسون ، والحرية المطلقة تكون للشعب في اختيار النظام يريده ويحبذه .
لقد افردنا لهذه الخدعة الكبرى فصلا خاصا نلقي الاضواء على الاسباب التي ادت إلى اختيار الخميني مرشدا للثورة ومن ثم سطوه على الثورة الايرانية بالنار والحديد . اما الان فنعود إلى بيان الاسباب التي ادت إلى انهيار النظام الشاهنشاهي ليكون القاريء الكريم على بينة من امر الثورة الاسلامية في ايران وليكون على علم باخطر مراحلها في اخطر مرحلة من تاريخ النظام الشاهنشاهي المقبور .
لقد بدأ الشاه بالتنازل امام مطالب الشعب واقال عباس هويدا رئيس وزرائه المزمن الذي حكم البلد 14 عاما ارضاء للشعب ثم اقال الجنرال نصيري رئيس السافاك وعينه سفيرا في باكستان ، وشكل حكومة جديدة يرأسها اموزكار المعروف بعمالته لامريكا وتعثر اموزكار في مهمته بسبب الاضرابات المستمرة التي شلت المصالح العامة فاستقال بعد شهرين ليخلفه شريف امامي الذي استقال بعد فترة وجيزة ليستلم الحكم الجنرال ازهاري ، ولم يكن نصيب ازهاري في الحكم اكثر من سلفيه فاستمرت الاضرابات واشتدت المواجهة بين الشعب والحكومة ، واراد الشاه ان يرضي الشعب فأمر باعتقال عباس هويدا رئيس وزرائه المفضل متهما اياه بالفساد والاستغلال واعيد جنرال نصيري إلى طهران ليعتقل مع هويدا بنفس التهمة وحملا مسئولية خراب البلاد ودمارها .
وحصلت مواجهة دموية بين الشعب والجيش في تبريز استعمل الجيش فيها سلاح الجو ، أي الطائرات السمتية لضرب المتظاهرين فقتل رهط كبير ، وهاج الشعب وماج عندما علم بأنباء تلك المجزرة الرهيبة فاستمرت الاضرابات وامتنع الموظفون عن الذهاب إلى دوائرهم حتى ان طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة بدأوا يقرأون اناشيد حماسية ضد الشاه في صفوف المدارس فأمرت الدولة بتعطيل المدارس الثانوية والمتوسطة ، اما الجامعات فكانت تغلي وفي مواجهة مستمرة مع الجيش والسافاك وحصل ارتباك في اجهزة الدولة وفي الجيش كان اخرها يوم الجمعة الاسود الذي اطلق الجيش النار على المتظاهرين في طهران في ساحة (جاله) .. فاستشهد في تلك المواجهة عدد غفير من ضمنه نساء حوامل كن يتقدمن التظاهرات وزاد الطين بلة هذه المجزرة المنكرة فاستقال ازهاري وظهر الشاه على شاشة التلفزيون يقول لشعبه: ( لقد سمعت ندائكم وها انا معتذر اليكم ، سأفعل ما تأمرون وها انا امد يدي إلى رجال الدين العظام ليساعدونني في حل مشاكل البلاد ) .
لقد كان هذا الخطاب انتحارا للشاه وايذانا بنهاية نظامه ، فقد ظهر بمظهر الضعيف المسكين الذي يستجدي العطف من اعدائه الذين عبر عنهم في خطاب جماهيري بالكلاب النابحة التي لا تستطيع رؤية القمر المنير . ان هذه الاهانة الموجهة إلى رجال الدين والخميني بالذات كانت قد صدرت من الشاه قبل ثلاثة اشهر فقط من خطاب الاعتذار ولم يزل صداه عالق في الاذان ، وكان الشاه في الحقيقة قد ضيع اللبن في الصيف فلم يجد الاعتذار خيرا بل زاد في سخط الساخطين واتحاد المناوئين وعرف الشعب ان مليكه بدأ يستجدي العون من اعدائه ومن ينتظر من العدو خيرا ومرحمة فقد حانت ساعته فأجهز الشعب على ملكه من كل صوب وحدب .
وبدأ الشاه يتخبط في اتخاذ القرارات ، فطلب من الدكتور شاهبور بختيار عضور الجبهة الوطنية تشكيل حكومة تخلف حكومة الازهاري ، الذي استقال تحت وطأة الهياج العام والاضرابات المستمرة . وكان للدكتور بختيار سجل حافل بالنضال وقضى سنوات في سجن الشاه وكان الشاه الاب رضا بهلوي قد قتل والده في السجن خشية نفوذه وسلطانه . وقبل الدكتور بختيار تشكيل الحكومة فطردته الجبهة الوطنية من عضويتها لانه خالف رأي الحزب الذي ينتمي اليه ، وكانت الجبهة الوطنية قد طلبت من بختيار عدم التعاون مع الشاه ، ومع ان بختيار ابلغ الجبهة انه قبل المسؤولية بشرطين: اولها حل السافاك والثاني مغادرة الشاه لايران لفترة طويلة يحل محله مجلس الوصاية على العرش وبذلك يكون مطلق اليدين في اتخاذ القرارات ، الا ان الجبهة اصرت على رفضها في أي نوع من التعاون بين احد اعضائها البارزين والشاه ، استلم بختيار السلطة وشكل دولة مدنية اعتبرها الشعب اوهن من بيت العنكبوت ، فلا الاضرابات توقفت ولا اجهزة الدولة تعاونت معه ، بل ازداد الوضع السياسي من سيء إلى اسوأ . وبدأ كبار رجال الدولة واعضاء الاسرة المالكة يغادرون ايران حاملين حقائبهم المليئة بالاموال التي نهبوها من الشعب ، وفي خلال ستة اشهر تجاوزت رؤوس الاموال التي خرجت من ايران عن طريق البنك المركزي واودعت في النبوك الاجنبية باسم الساسة القدامى واسرة الشاه الفا مليون دولارا .
واخيرا غادر الشاه وملكته ايران بصورة مهينة ، وعند سلم الطائرة رأى المودعون دموع الشاه تسيل على وجنتيه وكأنه يودع وداعه الاخير مع وطنه وامته . وعندما عرف الشعب مغادرة الشاه خرج إلى الشوارع عن بكرة ابيه يهلهل ويصفق واهازيج الافراح والابتهاج ملأت الخافقين.
غادر الشاه طهران إلى المغرب بدعوة من الملك الحسن وترك المغرب بعد ايام إلى جزر الباهاما في البحر الكارائيبي ينتظر القضاء والقدر وفي قلبه بصيص امل للعودة إلى البلاد . كانت امال الشاه معلقة على ثلاثة عوامل:
1.تغير السياسة الامريكية نحوه .
2.حكمة بختيار في معالجة الازمة العارمة .
3.قادة الجيش الذين بقوا اوفياء معه إلى الساعة الاخيرة .
وفي اقل من شهر واحد خابت امال الشاه كلها ، فلا الامريكان غيروا سياستهم ولا بختيار بقى سيد الموقف والجيش استطاع التحرك ، بل الذي اصبح سيد الموقف هو الشعب وحده وهكذا استجابت الاقدار لارادة الشعب الذي لم يخرج من محنته الكبرى الا بعد اللتيا والتي ليبتلي بالطامة العظمى ، فكان شأنه كالمستجير من الرمضاء بالنار .