وتوازى مع ذلك النشاط حركة ترجمة واسعة لكتب منتقاة تعبر عن الفكر (التنويري) الغربي، وبعد أن كانت حركة الترجمة في المرحلة السابقة تتم برعاية الدولة ومرتبطة بمصالحها وتوجيهاتها الحديثة، نجد أن الترجمة في هذه المرحلة أخذت بعدًا جديدًا بانتقال معظم نشاطها إلى أفراد أصحاب توجهات تغريبية واضحة ومقصودة، عملوا على تجاوز ترجماتهم تحديث أجهزة الدولة نحو تحديث أفكار المجتمع وثقافته، حيث بدأت حركة نشطة لترجمة أمهات الكتب الفلسفية والاقتصادية والسياسية والأدبية والاجتماعية إلى اللغة العربية.
فكرتان وشخصيتان:
ولا يفوتنا في هذا المقام الحديث عن شخصيتين وفكرتين كانتا ذا أثر كبير في الحركة الفكرية في هذه المرحلة، باعتبارهما نموذجين للأفكار والشخصيات التي تمثل هذا الاتجاه في ذلك الوقت، ونعني بالشخصيتين: شبلي الشميل، وفرح أنطون، وأما الفكرتان: فالداروينية والاشتراكية.
فلقد أعطى تيار العلمانية الصريحة الاشتراكية بعدًا هو أقرب إلى حقيقتها، مخالفين النهج التوفيقي الذي سبقهم الأفغاني باستعماله عند حديثه عن الاشتراكية، ففي «أوائل التسعينات من القرن التاسع عشر بدأت صحف اللبنانيين الدورية الصادرة في مصر تتعرض للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والنظريات الأوروبية بشأنها، ومن بينها التعاليم الاشتراكية، وكان يعقوب صرُّوف في مجلته (المقتطف) ، وجورجي زيدان في (الهلال) ، وفرح أنطون في (الجامعة) من أوائل العارضين والمحللين لتلك التعاليم» (3) ، وهكذا «ظلت الأفكار الاشتراكية حتى قبيل الحرب العالمية الأولى محصورة بشكل رئيسي في نطاق العلمانيين المسيحيين، وأصدر سلامة موسى في عام 1913م [1331هـ] كتابه (الاشتراكية) » (4) ، وفي العام نفسه نشر المدرس المصري مصطفى حسنين المنصوري كتابه (تاريخ المذاهب الاشتراكية) وضمنه شروحات ميسرة للأفكار الاشتراكية، وهو يعد من أوائل من عرضوا مبادئ الفكر الاشتراكي والماركسي (5) .
وإذا كان يعقوب صرُّوف وجورجي زيدان ظلا في نطاق التحليل الوصفي للاشتراكية دون الالتزام بها سياسيًّا، فإن الشميل وأنطون كانا أول الداعين إليها باعتبارها التزامًا سياسيًا اجتماعيًا؛ حيث كان الشميل «يؤمن بحتمية الوصول إلى الاشتراكية مهما طال الزمن؛ لأنها ذات نواميس طبيعية تدعو إليها» (6) ، بينما ذهب فرح أنطون إلى أبعد من ذلك، فدعا إلى تأميم وسائل الإنتاج وإلغاء الملكية الخاصة، كما «كان يعتقد بأن على المرء ألا يكتفي بالتبشير بالاشتراكية إذا أراد تحقيقها، بل عليه أن يسعى إلى هذا التطبيق ولو بالقوة والثورة، وبالتالي يصبح من الضروري غرس فكر الثورة والعنف في عقول الطلاب منذ الصغر» (7) ، وهكذا شقت الاشتراكية طريقها في الفكر العربي المعاصر، لتتمثل بعد ذلك في نظم سياسية تتبناها وتدعو إليها.
أما الداروينية ـ أو مذهب النشوء والارتقاء كما عُرفت آنذاك ـ فكانت «أحد المجالات الأساسية للصراع ضد العلمانية... فكانت الداروينية في أواخر القرن التاسع عشر من ضروب النظرية التطورية التي شكلت عصب فكر القرن التاسع عشر، ومن المسلَّمات التي أخذ بها الغربيون والشرقيون معًا» (1) وقد أثارت الداروينية موجة قوية من الإلحاد؛ حيث طغى في هذا العصر مذهب المادية «القائل بأن العالم له أساس واحد هو المادة، ولا شيء وراءها، وكل شيء في الحياة مظهر من مظاهرها حتى الفكر والعاطفة، والمادة لا تتجدد ولا تفنى، وقوانينها قديمة أزلية أبدية، وليس في هذا العالم شيء يعتريه الفناء، وإنما تتغير الأشكال، وبناءًا على ذلك: فلا نفس ولا روح ولا دين ولا إله!» (2) ، وهكذا خطت (العلمانية) خطوة نوعية كبرى في مهاجمة الدين بمحاولة تحطيم أسسه الأولية.
شبلي الشميل (1850م ـ 1917م / 1266هـ ـ 1335هـ) :
يرى الدكتور عزيز العظمة أن التيار العلماني الشامل والآخذ بالعلمانية في أسسها المادية ونتائجها الاجتماعية كان «تيارًا صغيرًا... مثَّله أفضل تمثيل شبلي الشميل ثم سلامة موسى، وكان الاثنان قد أسسا سوية مجلة (المستقبل) في القاهرة عام 1914م، كتب فيها موسى مقالًا (كله فجور إلحادي) ، ودعا فيها الشميل إلى المادية والتطورية (دعوة مستقبلية فجة) » (3) .
فقد اعتقد الشميل «بأن العلم هو الدين الجديد للإنسانية جمعاء» (4) ؛ حيث اعتبره «أكثر من طريقة لاكتشاف النظام في ترابط الأشياء؛ إذ كان مفتاحًا لحل لغز الكون، لا، بل نوعًا من العبادة» (5) ، ويرى الشميل «أن دين العلم هو إعلان حرب على الديانات القديمة» (6) ، وعليه: فهو يرى أن: «ليس الحكم الديني والحكم الاستبدادي فاسدين فحسب، بل هما غير طبيعيين وغير صحيحين» (7) .
«وكان الكثيرون من الكتاب العرب المسيحيين من معاصري الشميل يبشرون بتلك الأفكار ويستنتجون منها وجوب وجود وحدة قومية تتعدى الفروق الدينية، لكن الشميل نفسه ذهب أبعد من ذلك في استنتاجه؛ فهو لم يحاول الاستعاضة عن التضامن الديني بالتضامن القومي فحسب، بل راح أيضًا يعلن أن لجميع أنواع التضامن الجزئي خطر التضامن الديني؛ لأنها تجزئ المجتمع البشري، فالتعصب القومي الأعمى لا يقل شرًا عن التعصب الديني الأعمى، لذلك لا بد أن تَحل ـ عاجلًا أو آجلًا ـ الوطنية العالمية محل الولاء للوطن المحدود» (8) ، ولعل هذا كان سببًا لأن راقته فكرة الاشتراكية حيث الدعوة إلى الأممية العالمية، فكان «أول من نشر بالعربية فكرة الاشتراكية، وإن لم يكن أول من سماها بهذا الاسم» (9) وهكذا انبثق الولاء للعالمية من الرؤية العلمية العلمانية!
ولدين الشميل الجديد مستلزمات اجتماعية وسياسية واسعة أيضًا «فالعلوم الطبيعية هي أساس العلوم الإنسانية، ولا تستمد الشرائع إلا من العلوم الإنسانية الصحيحة» (10) .
وعلى رأس العلوم الصحيحة عند الشميل: الداروينية، لذا: كان «أول داعية للأفكار الداروينية والفلسفات المادية في العالم العربي، تحت تأثير فلسفة سبنسر الذي جعل من الداروينية مبدأً فلسفيًا لا ينازع» (11) ، و «أضاف الشميل بذلك على غيره من العلمانيين نظرة مادية في الدين، وجعل من الداروينية نموذجًا عامًا لقانون تطوري يشمل نشوء وترقي الإنسان واللغة والشرائع، وقال بالتالي بأن تاريخية المجتمع كتاريخية الطبيعة، وقال أيضًا بنسبية الأخلاق ومفاهيم الخير والشر» (12) .
«ويترتب على نظرية التطور أيضًا أن القوانين السارية في كل مجتمع ليست شرائع أبدية معصومة، بل يجب أن تتطور بالتدرج وفق حاجات الإنسان وقضاياه، وقد تصبح الثورة ضرورية (!) إذا تحجرت تلك الشرائع ومنعت ذلك التطور» (13) .
وهكذا يتضح بجلاء أن العلمانية في صورتها الغائية الصريحة هي منظومة فلسفية كلية، تنبثق منها تصورات شاملة عن الإنسان والكون والحياة، كما تنبثق منها النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعبر عن هذه التصورات لتحل محل الدين والنظم المنبثقة عنه.
فرح أنطون ( 1874-1922م / 1291-1340هـ ) :