ثالثًا: رغم تعدد ميادين الأنشطة العلمانية والتغريبية و (التوفيقية) في هذه المرحلة إلا أن هناك قاسمًا مشتركًا يجمع بين هذه الأنشطة بدا وكأنه صرعة العصر التي تنطلق منها، ألا وهو: الحرية بمفهومها الغربي الليبرالي؛ فقد تمثل ذلك في الفكر: بطرح كل المسلَّمات (السابقة) على طاولة النقاش، ومن ثم: الرفض أو القبول، وفتح المجال لإدخال أي أفكار والترويج لها باسم حرية الفكر، وفي الإصلاح الديني: بفتح باب الاجتهاد وإعادة تفسير الإسلام بما يتلاءم مع (روح العصر) ، مما أدى لاحقًا إلى محاولات تطويع الإسلام و (علمنته) ، وفي السياسة: بالدعوة إلى الحرية الدستورية، ومقاومة الاستبداد، والتحرر من الروابط السياسية القديمة، وذلك ما أدى فيما بعد إلى رفض الإطار السياسي للخلافة، وإلى استقرار النيابة البرلمانية بوصفها مصدرًا للسلطات، وفي الاجتماع: بالدعوة إلى حرية المرأة وانعتاقها من قوامة الرجل وأسر الأسرة والتقاليد وتعاليم الدين، وهو ما أدى إلى التفكك الأسري والانحلال الأخلاقي، وفي الاقتصاد: بوضع أطر الاقتصاد الحر والارتباط بالرأسمالية العالمية واقتصاد السوق، ومن ثم: فتح المجال أمام الأفكار والتصورات الاقتصادية المنابذة للدين التي مثلها الحضور المكثف لرأس المال الغربي بما يحمله من احتكارات واستغلال وربا، وفتح المجال أيضًا لنشاطات اقتصادية منافية للإسلام أخلاقيًا واجتماعيًا.
هذه إجمالًا أهم مفاتيح هذه المرحلة، والآن لنعرض بعض تفاصيل تحولات الفكر والثقافة في هذه المرحلة:
دخول الفكر العلماني التغريبي الصريح:
مثلما كان الفكر النصراني هو واسطة نقل الفكر الفلسفي اليوناني إلى الفكر الإسلامي في العصر العباسي عبر حركة ترجمة واسعة آنذاك «كان هذا الفكر مؤهلًا أكثر من غيره لدور الريادة عندما جاءت الموجة (الهيلينية) الجديدة من أوروبا المسيحية ـ العلمانية هذه المرة، ومعها تجربة غير معهودة من قبل في تحديد العلاقة الجدلية بين الدين والعقل، تستند إلى مبدأ الفصل والتمييز والتفريق بينهما» (1) ، وهكذا كان النصارى العرب ـ وإن شاركهم غيرهم ـ رأس الحربة في نقل العلمانية الصريحة.
فبخلاف (المصلحين) المسلمين الذين كانت تؤرقهم محاولات تقديم الأفكار الغربية في صورة لا تتعارض مع الإسلام، مما دفعهم إلى اختيار مسلك التوفيق بينهما... «كان المثقفون المسيحيون يرفضون ربط التطور الاجتماعي بأية عقيدة دينية، ويسعون إلى التحرر من مشكلة الانتماء الديني بالتشديد على النظرة العقلانية إلى الإنسان والمجتمع» (2) ، ومن هنا: أخذوا ينهلون ويتبنون ـ بوضوح وبدون حرج أو حساسية ـ أفكار مفكري عصر التنوير الأوروبي.
وهكذا تمثل التيار العلماني التغريبي الصريح ـ في معظمه ـ في بعض نصارى الشام الذين هاجروا إلى مصر، وأخذوا في بث أفكارهم من خلال عدة طرق، محدثين حركة فكرية ثقافية كبرى داخل قطاعات كبيرة من (المثقفين) استخدمت فيها الصحف والمجلات التي أصدروها على نطاق واسع، مستغلين (حرية النشر) التي كانت توفرها سلطات الاحتلال لمثل تلك الإصدارات، وأيضًا من خلال ترجمة بعض الكتب الأوروبية التي تساير الاتجاه الجديد، وتحقيق وإخراج بعض الكتب الفلسفية والأدبية القديمة التي تخدم توجهاتهم، بإعادة طرح أسئلة كبرى حول الإنسان والكون والحياة، والتي تهدف أيضًا إلى إعادة صياغة العلاقات بين الأفراد والمجتمعات.
فبعد جيل فرنسيس مراش، وبطرس البستاني، وناصيف اليازجي، وفارس الشدياق، أتى جيل آخر يمثله سليم عنحوري، وأديب إسحاق، وشبلي الشميل، وفرح أنطون، وجورجي زيدان، وبشارة وسليم تقلا، وفارس نمر، ويعقوب صرُّوف... وغيرهم، ولا شك أن بينهم فروقًا فكرية، ولكن يجمعهم أنهم جميعًا نصارى ـ على اختلاف مذاهبهم ـ وأنهم ماسونيُّون، كما أن معظمهم درس في الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية) التي أشرنا إليها سابقًا.
كانت الصحافة أحد أهم أنشطتهم التي روجوا من خلالها أفكارهم بطرق ملتوية ومخادعة؛ فقد كان بعضهم يتعمد أن يتضمن اسم مطبوعته دلالة رمزية قد تخفى على بعض القراء: ففارس نمر يوضح أنه بعد رفض وزارة الداخلية المصرية الموافقة على إصدار جريدته الجديدة باسم (الإصلاح!) اختار هو وشركاؤه اسم (المقطم) ، يقول: «ولما سئلت عن السبب في اختيار هذا الاسم بالذات، قلت: لأنه الجبل الذي بنيت من حجارته الأهرام الثلاثة» (1) ، وكذلك جورجي زيدان أطلق على مجلته اسم (الهلال) مستغلًا ما يشاع بين الناس من أن الهلال رمز إسلامي، والحقيقة أنه أحد رموز الماسونية، ومن المعروف أن زيدان كان ماسونيًا، كما أن (جامعة) فرح أنطون كانت باسم (الجامعة العثمانية) ، وهذا الاسم وإن كان ظاهره يناصر الدولة العثمانية، إلا أنه يطرح بصفته بديلًا عن (الجامعة الإسلامية) ، وهذا الطرح كان دعوة لها أنصارها في ذلك الوقت، وهو يعني التجمع حول آصرة الجنسية العثمانية التي تضم أديانًا وأعراقًا شتى، بدل آصرة الإسلام، وهو يعني بمعنى آخر العمل على الدعاية لعلمانية الدولة في الانتماء والولاء.
وكما عمدوا إلى المداورة والخداع في الأسماء والعناوين عمدوا إليها أيضًا في المحتوى والموضوعات؛ فمجلة المقتطف «إذا أخذنا العدد الصادر [منها] في كانون الثاني 1896م على سبيل المثال، لوجدنا أنه يشتمل على مقالات في الأمراض السارية، والميكروبات في الهواء، والفروق بين الرجال والنساء، وتحليل فلسفي لمركز الإنسان بين الحيوانات... أما مؤسس الهلال... فقد كان ذا تركيب ذهني مختلف، فأعار العلوم الطبيعية في مجلته اهتمامًا أقل، موجهًا جل عنايته إلى علم الاجتماع، وأدب النفس، والسياسات العالمية، والجغرافيا والتاريخ، واللغة والأدب، وآثار العرب...» (2) ، ويعلق ألبرت حوراني على هذه الموضوعات قائلًا: «قد تبدو المواضيع التي كانت تعالجها هاتان المجلتان عديمة المغزى، خصوصًا وأنهما كانتا تتحاشيان كل ما يتعلق مباشرة بالسياسات المحلية أو بالدين أو بما شأنه أن يثير ضدهما العداء، غير أن وراء هذه المواضيع ووراء غيرها من هذا النوع كانت تكمن بعض الأفكار المعينة الدائرة حول: ما هي الحقيقة؟ وكيفية البحث عنها؟» (3) وبهذه الطريقة أصبحت مجلة كالمقتطف «أهم المجلات التي أخذت تدعو إلى التحلل من الدين» (4) .
وإلى جانب الصحافة ـ التي كانت تعمل على تشكيل الرأي العام ـ سلك طلائع العلمانية مسالك أخرى لتبديل البيئة الفكرية لمثقفي الأمة؛ ففي هذه المرحلة التاريخية نشطت حركة إحياء كتابات فلسفية قديمة، مع اهتمام خاص بفلسفة ابن رشد.
فعلى سبيل المثال: أصدر فرح أنطون سنة 1901م كتاب (ابن رشد وفلسفته) الذي أحدث جلبة كبيرة أدت إلى سجالات عديدة؛ حيث ادعى أنطون أن الإسلام قضى على الروح الفلسفية واضطهد العلم، وأن حل (النزاع) بين العلم والدين يتم بتحديد الحقل الخاص بكل منهما؛ بحيث لا يتجاوز أحدهما حدود الآخر، مؤكدًا أن الأنبياء فلاسفة، وأن الحقيقة واحدة يسربلها الأنبياء بالرموز الدينية من أجل العامة بينما تفقهها النخبة مباشرة (1) ؛ فأهمية الكتاب ترجع إلى أنه «لم يستهل المباحث الفلسفية الجديدة في مطلع القرن العشرين وحسب، بل فتح الباب أمام مساجلات فكرية هامة بين أقطاب الفكر في مصر... حول مسائل الخلق والأزلية والسببية، وسواها من القضايا الفلسفية الكبرى» (2) .