بل نظر إلى العبادات المحضة النظرة العقلية نفسها فجعلها مجرد رموز، ووصف الإحرام والطواف ورمي الجمرات بأنها عادات باقية من الأديان الأولى في طفولة البشرية، وكان يرى أن الإسلام والهندوكية والنصرانية يجب أن تكون عقائد دينية في نفوس معتنقيها فقط، وهذه العقائد كلها يجب ألا تؤثر في الوطنية، وقال: إن الجهاد يكون مشروعًا فقط عند الدفاع عن النفس وبشرط أن يحمل العدو المسلمين على تغيير دينهم صراحة.
وقد تطورت هذه الآراء على يد تلامذته فأصبحت أكثر تطرفًا ـ أو قل: صراحة ووضوحًا ـ، وذلك كله باسم (تجديد) الدين والإصلاح، وهو في الحقيقة تطويع وتطوير للدين.
وقفات مع المرحلة:
وقبل أن ننتقل إلى مرحلة تالية من تاريخ العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي نود الوقوف مع أحداث هذه المرحلة ـ والتي قبلها ـ وظواهرها بعض الوقفات؛ لعلنا نضع أيدينا على بعض الحقائق والدروس لنستفيد منها:
فأولى هذه الوقفات: أن أوضاع العالم الإسلامي في بداية هذه المرحلة وما قبلها مباشرة كانت أوضاعًا في مجملها تحوي كثيرًا من المظالم والتخلف، مظالم شاملة لا يوقفها معيار محدد للعدالة إلا القوة والسلطة، وتخلف شامل أيضًا كانت حقيقته التخلف عن الإسلام ذاته، ومظاهره التخلف عن الغرب الذي سبق العالم الإسلامي في العلوم والإدارة والصناعة والتجارة.
أي إن أوضاع العالم الإسلامي كانت تستحق الثورة وكانت في حاجة إلى الإصلاح، ولكن الثورة من أي منطلق، والإصلاح في أي اتجاه؟ هذا هو ما نختلف مع (الإصلاحيين) والعلمانيين فيه.
كما يجب أن نشير هنا أيضًا إلى أنه ـ رغم تلك الأوضاع ـ فإن الفجوة بين العالم الإسلامي والغرب في بداية هذه المرحلة كانت غير كبيرة (1) ، ومن هنا يمكننا القول: إنه كان من الممكن إذا توفرت الجهود المخلصة للإصلاح، ولم تتكالب قوى الغرب للإجهاز على العالم الإسلامي قبل إفاقته.. كان يمكن تدارك هذه الفجوة واللحاق بهم فيما تقدموا فيه من علوم مادية من غير تفريط في قيمنا ومبادئنا و (ديننا) ، ولكن ما حدث في الواقع هو العكس؛ إذ اتجهت الأنظار إلى قيم الغرب ومبادئه زاعمة أن هذا هو سر تقدم الغرب وحقيقة عمرانه (حضارته) ، ودارت الدعايات والترويج لهذه القيم والمبادئ، بينما كان النشاط في اقتباس علوم الغرب وأسرارها ضئيلًا وسطحيًا.
ثانيًا: من المعلوم أن «العلمنة بمعناها الشامل فلسفة تنطوي على (محاولة لإدراك معنى العالم المادي بوصفه معقولًا... وعلى إمكانية إدراكه، وبالتالي تغييره دون حاجة للقوى الفوقية والسماوية والدينية) » ، وتتفق المذاهب العلمانية الكبرى في المعنى النظري للعلمنة «الذي يتضمن (تَمْدِين الدولة والمجتمع والمؤسسات والقوانين وسائر الشؤون العامة، وإبعادها عن أي مؤثرات دينية) » ولذلك فإن العلمنة تعني صراحة: «إبعاد الدين عن ميدان تنظيم المجتمع الإنساني وشؤونه السياسية والاقتصادية والاجتماعية» (2) ، ومن خلال تأمل مجريات المراحل السابقة للعلمانية والتغريب في العالم الإسلامي نستطيع بلورة ملامح الغزو العلماني التغريبي التي استمرت أيضًا ـ ولكن بصورة أوضح ـ في المراحل اللاحقة، لتصب في اتجاه تحقيق معنى العلمنة السابق ذكره، ومن أهم هذه الملامح:
1 -إيجاد مرجعية فكرية جديدة بديلة عن المرجعية السائدة في المجتمع، وهي التي كانت في أصلها مرجعية إسلامية.
2 -وضع الأفكار (القديمة) الشائعة بين أفراد المجتمع موضع الشك، ومن ثم: بحثها ودراستها مرة أخرى في ضوء المرجعية الفكرية الجديدة، مما يؤدي إلى استبدال هذه الأفكار (القديمة) .
3 -ربط المجتمع الإسلامي بمنظومة عالمية في الفكر والاجتماع والسياسة والاقتصاد والقانون، وإحلال هذه المنظومة في المجتمع بحيث تمثل صبغة جديدة له.
4 -استبدال ولاءات جزئية قائمة على قيم أرضية (مادية) ـ عنصرية أو مصلحية ـ بقاعدة ولاء المجتمع المسلم، المتمثلة في الولاء لله ورسوله وللمؤمنين، ثم إعادة ترتيب هذه الولاءات الجزئية في منظومات وتحالفات أكبر قائمة على الأساس المادي ذاته.
5 -ولتحقيق هذا الهدف كان ينبغي تحطيم أدوات وحدة فكر هذه الأمة وعاطفتها القومية الإسلامية، وذلك بالقضاء على ـ أو على الأقل إضعاف ـ حضور اللغة العربية الفصحى (لغة القرآن) ، وعلى مفهوم العمران (الحضارة) الإسلامي، باعتباره عمرانًا متصلًا خرج من معين واحد، مع تشويهه والحط منه؛ لإيقاف عاطفة الفخر القومي الإسلامي الناشئ من هذا الاعتبار.
6 -كما ينبغي ـ لبلوغ هذا الهدف ـ تفتيت تماسك المجتمع، وذلك بغزو نواته الأولية المتمثلة في الأسرة، وذلك عن طريق استهداف المرأة، وإشاعة صور التفلت والانحلال الخلقي بين أفراد المجتمع.
وإذا كانت هذه الملامح بدت باهتة في المراحل السابقة فإننا سنلحظها واضحة كل الوضوح في هذه المرحلة.
ثالثًا: باستعراض الخطوات التي أدت إلى العلمانية والتغريب في الأقطار التي تعرضنا لها، نلحظ أن آلية هذه الخطوات تتشابه ـ إن لم تتطابق ـ في كيفية تسللها، وأن الغرب استفاد من تجاربه العديدة مع المسلمين في شتى البقاع وعلى مر العصور، وهي تبدأ بإظهار الفارق العمراني (الحضاري) بين الغرب الغازي والبلدان الإسلامية، والتأكيد على تفوق هذا الغرب، يتبع ذلك إحساس المسلمين بالانكسار والهزيمة النفسية التي تولد عندهم إعجابًا بهذا المتفوق، ثم العمل على محاولة مسايرته واللحاق به، فيفتح لهذا الغرب الباب لتعليم وتدريب من يُعَدُّون لقيادة البلاد، ويفتح الباب أيضًا لتسنم بعض هؤلاء المعلَّمين مراكز حساسة في البلاد، وفي الوقت نفسه: تُرسل البعثات من أبناء المسلمين النابهين وقياداتهم للاطلاع على هذا الغرب وأخذ العمران و (الحضارة) من منبعهما الأصيل!، فتتلقاهم هناك أيادي المستشرقين والمبشرين، ويغوصون في أوحال هذا المجتمع ويرتوون من مستنقعاته، ثم يعودون إلى بلدانهم ليكونوا (حزب الغرب) فيها.
وبعد ذلك تفتح أبواب البلاد ـ المعجبة بالغربيين والمهيأة لهم ـ لامتيازات الدول الأجنبية وأفرادها، فتبدأ سياسة (التغلغل السلمي) ، فيمتلكون الأراضي والعقارات، وينشئون المزارع والمصانع، ويديرون شركات البنية الأساسية، فتكون هذه الامتيازات ذريعة للتدخل السياسي والاقتصادي ثم العسكري؛ للحفاظ على حقوق رعاياهم وأعوانهم، فيصعب على البلاد بعد ذلك الخلاص منهم، وفي الوقت نفسه: يبدؤون باللعب على وتر حقوق الأقليات فتبرز الوطنية أو القومية أو الطائفية، ثم يطالبون بنظام قضائي (حضاري) وتعليم (معاصر) واقتصاد حر.. ويفتح الباب على مصراعيه للعلمنة والتغريب.
رابعًا: ولتمرير نهج التغريب والعلمنة فقد حرص المنفذون في هذه المرحلة على مراعاة عدة أمور عند التنفيذ، منها:
-أن يتم تمرير هذا النهج على يد رموز علمية واجتماعية مقبولة من المجتمع المستهدف، وكان أبرز من يقوم بذلك بعض العلماء والساسة اللامعين (أو الملمَّعين) الذين أظهروا ميلًا إلى الوافد الجديد؛ حيث كانت المؤسسة العلمية الدينية وحدها تمثل الحياة الفكرية حينئذ، وكانت المؤسسة السياسية هي أداة التنفيذ الأساس.
-أن يتم تسويغ الأفكار الجديدة تحت لافتات عديدة مقبولة: كالإصلاح، والتحديث، والنهوض، والأخذ بأسباب القوة والمدنية.. وإظهار أن هذه الأفكار غير متعارضة مع مبادئ الدين وقيم المجتمع.