ولكن لم يرضَ المسلمون بهذا الواقع، فأصدر شيخ المحدثين مولانا شاه عبد العزيز الدهلوي (1159هـ ـ 1239هـ / 1746م ـ 1823م) في السنة نفسها فتوى تنم عن إحساس عميق بخطورة الوضع ومعرفة دقيقة للفرق بين الإسلام والعلمانية؛ حيث أعلن أن «... في هذه البلد (دلهي) لا يحكم إمام المسلمين إطلاقًا، بينما تسود فيه سلطة الحكام النصارى دون حرج، ونعني بإجراء أحكام الكفر: أن الكفار في وسعهم أن يعملوا بسلطانهم في الحكم، وفي التعامل مع الرعية، وفي جمع ضرائب الأرض والرسوم والمكوس والعشور والدموغ، وفي عقاب قُطَّاع الطرق واللصوص، وفي تسوية النزاعات وعقاب المجرمين، ومع ذلك فإن بعض أحكام الإسلام التي تتعلق بصلاة الجمعة والأعياد والأذان، وذبح البقر، ما زالت نافذة، إلا أن ذلك إنما يرجع إلى أن جوهر هذه الأمور لا قيمة له عندهم؛ إذ إنهم يهدمون المساجد دون تورع، ولا يستطيع المسلمون والذمِّيون أن يدخلوا هذه البلد أو ضواحيها إلا بأن يطلبوا منهم الأمان، وإنما لمصلحتهم هم أنهم لا يعرقلون مرور المسافرين والتجار... » (1) ، وقد عُدَّت هذه الفتوى بعد ذلك مرجعًا للعلماء والمسلمين عامة في عدم شرعية الوجود البريطاني في الهند، وكانت هي الأساس لكل دعوة إلى محاربة الإنجليز ومقاطعتهم. وعليه: كان المسلمون يعتقدون أن المسلم الصالح ينبغي عليه مقاطعة الإنجليز وعدم التشبه بهم حتى في أدق الأمور كالأكل بالشوكة والسكين، أو ارتداء حذاء برباط...، لأن ذلك من التشبه (بالكفار) .
وفي عام (1274هـ/ 1857م) قامت ثورة كبرى (الاعتصام الكبير) في ولايات عديدة من الهند تزعمها المسلمون وبعض الهندوس الذين نكبهم الإنجليز، واستمرت هذه الثورة حوالي العام حاول فيها المسلمون إعادة تنصيب آخر سلطان مغولي (سراج الدين أبو ظفر شاه) ، ولكن الثورة أخفقت وقضى عليها الإنجليز بوحشية وقسوة مع تخصيص المسلمين بالقهر المتعمد، وقبضوا على السلطان سراج الدين ونفوه بعد أن عزلوه وأهانوه إهانة شديدة ثم اضطروه إلى التنازل عن عرشه.
وبنهاية سلطنة مغول الهند أصبحت الهند كلها مستعمرة بريطانية، وأحس الإنجليز أن مصدر القلق في المسلمين هو موقفهم العدائي من (الكفار) ، وأن سبب التمردات والثورات التي تخبو ثم تشتعل من جديد هو فتاوى العلماء التي كانوا يصدرونها بوجوب الجهاد ضد الكفار ومقاطعتهم، فلجأ المستعمر إلى «بعض العلماء يصطنعهم ويستفتيهم في مسألة الجهاد في الهند: هل يجوز أم لا؟ ويصدر هذا البعض الفتاوى بأن الجهاد في حالة عدم التكافؤ بين قوة المسلم وقوة المستعمر عبث ومضيعة للنفس والمال، وأن المستعمر ما دام لا يتدخل في إقامة الصلاة وأداء الفرائض فلا تكون البلاد بلاد حرب...؟ واستجلبوا [أي: الإنجليز] فتاويهم حتى من مكة، كي يقضوا على فكرة الجهاد التي يعتنقها بعض المسلمين في الهند، ويعمل بها المتحمسون..» (2) ، وواضح ما في هذه الفتاوى من تراجع عن الوعي والانتباه اللذين بدوا في فتوى شاه عبد العزيز السابقة، وهنا يظهر مرة أخرى أهمية دور العلماء في المعركة ضد التغريب والعلمانية.
وتوازى مع ذلك الاتجاه: شروع الإنجليز في غزو المسلمين في العمق الفكري والاجتماعي غزوًا منظمًا، فحاربوا مدارسهم واستبدلوا بها المدارس الإنجليزية الحديثة، ونزعوا الأوقاف الإسلامية التي كانت تنفق على المدارس الإسلامية، وهددوا أو أغروا أغنياء المسلمين حتى يكفوا عن مساعدة هذه المدارس، وساندوا المنصرين بقوة، كما حرصوا على إبعاد المسلمين عن كل الوظائف ذات المسؤولية ووضعوا مكانهم هندوسًا وسيخًا.
وفي الوقت نفسه: أفاق المسلمون بعد انكسارهم في (الاعتصام الكبير) على الواقع الأليم الجديد، فبدأت الهزيمة النفسية تتغلغل إلى نفوس كثير منهم، كما بدؤوا يفكرون كيف يتعايشون مع الواقع الجديد الذي بدا لهم أنه سيكون طويلًا مستمرًا؟ ويبحثون عن سبل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ورأوا أنهم ـ بعد فقدانهم سلطانهم السياسي والاجتماعي ـ مهددون بفقدان هويتهم الثقافية وتميزهم الفكري، وانقسموا إزاء مواجهة ذلك فريقين:
فريقًا يرى الحفاظ على هوية المسلمين بتنمية معارفهم الأصيلة عن طريق إنشاء مدارس يدعمها عامة المسلمين أنفسهم حتى لا تتعرض لضغوط الحكومة الإنجليزية وكل من له صلة بها من الأمراء والأغنياء، وكانت أول مدرسة قامت على هذا الأساس مدرسة (دار العلوم) في ديوبند سنة (1283هـ/1867م) ، و «كان الأساس الذي قامت عليه هي وزميلاتها أساسًا فكريًا خالصًا، يتمثل في الاحتفاظ بالثقافة الإسلامية ولغتها (اللغة العربية) ومحاربة الثقافة الإنجليزية والحيلولة بينها وبين الغزو الفكري والخلقي للمسلمين في الهند، وقد كوَّن هذا الاتجاه مدرسة فكرية خاصة في الهند كان لها أثرها البعيد المدى في حياة المسلمين الخاصة والعامة هناك» (1) .
أما الفريق الآخر فقد رأى أن اتجاه الفريق الأول يؤدي إلى حرمان المسلمين من المشاركة في خيرات البلاد ووظائفها العامة، فدعا إلى إزالة الفجوة بين الإنجليز والمسلمين، وإلى غرس الثقة المتبادلة بينهم، كما دعا أصحاب هذا الاتجاه المسلمين إلى الإقبال على التعليم المدني الذي أدخله المستعمر للبلاد، ودعوا إلى إنشاء مؤسسة علمية إسلامية يتلقى فيها أبناء المسلمين التعليم الحديث مع تعاليم دينهم في جو مأمون موثوق به، وهكذا ولدت مدرسة (عَليكَرْه) سنة (1293هـ/1875م) التي تحولت فيما بعد إلى (الكلية المحمدية! الإنجليزية) .
وقد تكون بعض المقدمات التي قدمها هذا الفريق صحيحة، ولكن شخصية القائم على هذا الاتجاه، والمسار الذي سلكته المدرسة الممثلة له: يفضحان أن المقصود كان تدجين فكر المسلمين وتذويب التميز العمراني (الحضاري) الذي كانوا يتمتعون به ويحسونه ويفخرون به؛ فقد كان رأس هذه الاتجاه هو سيد أحمد خان (1817م ـ 1898م/ 1232هـ ـ 1316هـ) ، الذي كان موظفًا في الحكومة الإنجليزية بمهنة (قاضٍ) في محكمة، والذي عارض ثورة عام (1274هـ/1857م) وأنقذ أثناءها أُسَرًا إنجليزية كثيرة وحماها من فتك الثائرين بها، وقد كافأته بريطانيا على مواقفه الموالية لها عندما زارها عام 1869م (1286هـ) ، حيث كان ابنه يدرس هناك، فنزل لمدة سبعة عشر شهرًا ضيفًا مبجلًا على الأوساط الإنجليزية الراقية، فاحتفل به كبار الإنجليز الرسميين وقابل الملكة وولي العهد والوزراء الكبار، ونال الوسام الملكي ولقب الشرف (سير) ، وأثنت عليه الصحافة الإنجليزية، كما هيؤوا له زيارة الجامعات والمعاهد العلمية؛ ليستفيد منها عند إنشاء مدرسته الجديدة،.. في زيارة تذكرنا بالبعثات الباريسية (للمصلحين) العرب!
كما أن الرجل كانت له آراء فكرية خطيرة تدل على مدى الانحراف الذي يعمل على جر المسلمين إليه، فانحراف المعتزلة القديم في خلق القرآن وفي العلاقة بين العقل والنص تحول على يديه إلى القول بأن القرآن نزل على الرسول بالمعنى فقط، ثم صاغ الرسول ألفاظه من عنده، وقد تشبع سيد أحمد خان بالمذهب (الطبيعي) ، وهو مذهب داروين، وأنكر الجنة والنار والملائكة والجن، وأخذ يشتم الفقهاء ويستهزئ بالمحدِّثين وبالشعائر الإسلامية.