يقول صمويل هننجتون في حديث له إلى صحيفة " دي سايت " الألمانية كشف فيه عن أبعاد نظريته في صدام الحضارات ، وعلاقتها بأحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن: تحت عنوان " الحدود الدموية للإسلام ": ( في الحقيقة توجد منافسة تاريخية منذ ميلاد الإسلام في القرن السابع والاحتلال العربي لشمال أفريقيا والشرق الأوسط وأجزاء من أوربا ، وفي القرن التاسع عشر تغير الحال حينما بدأ الغرب احتلال الشرق الأوسط واكتمل هذا في القرن العشرين ) [1] ، هذا هو " مربط الثأر" الذي كان وراء ما دبجته يراعته من قبل تحت عنوان صدام الحضارات . .
ويخدعوننا بقولهم علمانية
وفي شهادة نادرة يقول الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي بمصر في ندوة رابطة الجامعات الإسلامية بعنوان " الإعلام الدولي وقضايا العالم الإسلامي " التي انعقدت برحاب جامعة الأزهر في 30 \ 11 \ 1998: ) إن الهجوم على الإسلام والمسلمين ليس وليد اليوم أو الأمس القريب ، ولكنه يرجع إلى نشأة الإسلام نفسه ، ولم يتوقف الهجوم ولم ينته .) وترجع أسباب ذلك كما يقول إلى عوامل متعددة ( بعضها تاريخي يتمثل في العداء التقليدي الأوربي للعالم الإسلامي ، وبعضها اجتماعي يتمثل في تباين أسلوب الحياة بين المسلمين والغرب ، وبعضها سياسي يرجع إلى فترة الاستعمار حيث مازالت الدول الغربية تنظر إلى العالم الإسلامي باعتباره ثائرا ومتمردا عليها ، فالعالم الغربي لا يريد للعالم الإسلامي أن يستكمل نهضته ) [2]
عداء تكشف في العصر الحديث بدءا من حملة اللورد اللنبي على القدس أثناء الحرب العالمية الأولى: وتصريحه عند دخولها بقوله ( اليوم انتهت الحروب الصليبية ) ، وتهنئة وزير الخارجية لويد جورج له لإحرازه النصر في آخر حملة من الحملات الصليبية ، والتي سماها لويد جورج ( الحرب الصليبية الثامنة ) .وتصريح الجنرال غورو الفرنسي عندما تغلب على جيش المسلمين في ميسلون - خارج دمشق - في العصر الحديث عندما توجه فورا إلى قبر صلاح الدين الأيوبي عند الجامع الكردي ، وركله بقدمه وقال: ( ها قد عدنا يا صلاح الدين ) ، واليوم عندما أعلن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب فإنه سماها حربا صليبية ، أعلن ذلك في وعي ، أو في زلة لسان كما يقول المثبطون للمسلمين ، ولكنها معبرة عما هو مطمور في أعماق النفس كما يعرف أتباع فرويد .
ويخدعوننا بقولهم علمانية
وترجع حركة الأصولية المسيحية الصهيونية التي تهدد بيت المقدس على مستوى العقيدة الدينية إلى ما يسمى حركة الإصلاح البروتستانتي التي قامت في أوربا في القرن السادس عشر . وتبدأ القصة مما قامت به البروتستانتية من إعادة الفرد المسيحي إلى الكتاب المقدس لفهمه مستقلا عن الكنيسة ، وجعل العهد القديم - ما فيه مما يُزعم أنه توراة - مادة للقراءة والتفسير الديني مرة أخرى ، مما أدى إلى إعادة اكتشاف الجذور اليهودية للمسيحية ..، ولقد أدت هذه الحركة إلى فتح السفر المختوم - سفر رؤيا يوحنا - اللاهوتي أحد أسفار العهد الجديد ، هذا السفر الذي كان مغلقا أيضا ، لا يقرأ إلا من قبل الكنيسة الكاثوليكية ، وهو يمثل الآن الأساس الأكثر تفصيلا لما يسمى ( عقيدة الملك الألفي ) . ومع ذلك فإن هذه العقيدة لم يؤمن بها في بداية الأمر إلا بعض فرق البروتستانت ، ثم ظهرت حركة " الأطهار" في انجلترا ، حيث رأى هؤلاء أن أمريكا هي بالنسبة لهم أرض الميعاد الجديد ، لذا كانت الهجرة الأولى للأطهار تحمل معها نزعة عبرية . وتتجلى عقيدة الملك الألفي - كما يقول الدكتور القس رفيق حبيب - في ثلاث دوائر متداخلة: يأتي في قلبها الأصولية المسيحية المعاصرة ، وهي بالتحديد ما أصبح يسمى بالحركة الأصولية المسيحية الصهيونية. ويأتي في الدائرة الوسطى ما يسمى الأصولية الاقتحامية وتشمل التيار المتشدد للحركة الإنجيلية ، وفي الدائرة الخارجية يأتي ما يسمى الأصولية التبشيرية وهي الجسم الأكبر للحركة الإنجيلية أو الإنجيلية المحافظة.
أما الحركة الأصولية الاقتحامية فهي الأصولية المؤمنة بالملك الألفي وعودة المسيح بعد عودة اليهود وإعادة بناء هيكل سليمان ، وقيام الحرب النووية بين الخير والشر ، وهؤلاء يؤيدون إسرائيل باعتبارها تحقيقا لنبوءات الكتاب المقدس .
لكن السؤال هو: متى يعود المسيح ؟ هنا تظهر نظريتان عند أصحاب العقيدة الألفية: النظرية الأولى وتسمى الأصولية البعد ألفية ، وهي تعتقد أن المسيح سوف يعود للأرض بعد أن يحكم المسيحيون العالم ، ويبنون ملكا مسيحيا أرضيا لمدة ألف عام.
والنظرية الثانية وتسمى الأصولية القبل ألفية ، وهي أن يسوع المسيح سوف يعود للأرض ليبدأ هو حكم الأرض بنفسه لمدة ألف عام ، ويرجع الدكتور رفيق حبيب فيما يقدمه من هذه المعلومات إلى موسوعتين هما " موسوعة العالم المسيحية " و " موسوعة عملية العالم " تقوم كل منهما بمهمة تصنيف العالم حسب الدين ، وتصنيف المسيحيين حسب الطائفة ، وتصنيف المسيحيين داخل كل طائفة حسب موقفهم الفعلي من الإيمان . [3] ويخدعوننا بقولهم علمانية
ولم تنشأ هذه الأصولية منذ عقدين أو ثلاثة أو أربعة ، أو منذ ظهور كتاب المتفلسف الأمريكي صمويل هننجتون في كتابه " صدام الحضارات " أو كتاب قرينه الأمريكي ياباني الأصل " فوكويوما " عن " نهاية التاريخ " ، كما كان يريد بعض الكتاب الصحفيين والإعلاميين لنا أن نفهم بعد أن صمتوا عنها طويلا ، ولكنها كانت قد ارتبطت بالتراث اليهودي الذي كان كامنا في الكتاب المقدس ، في العهد القديم ، وفي سفر رؤيا يوحنا في العهد الجديد كما أشرنا سابقا .
واستمر هذا التراث يتفاعل لمدة مائة وخمسين عاما بعد وصول المهاجرين الأوائل إلى الأرض الجديدة " أمريكا " ، وفي بداية نشأة أمريكا قامت المؤسسات التعليمية على أسس التراث اليهودي ، وهي تلك المؤسسات التي أنشأها " الأطهار " ، ومنها الجامعات الأمريكية الكبرى وعلى رأسها جامعة هارفارد ، والتي أنشئت عام 1636 لتصبح بذلك أقدم جامعة أمريكية ، ثم تحولت هذه الجامعات إلى العلمانية ، ولكن أمريكا المعاصرة بدأت تعود للبحث عن جذورها العبرية في محاولة للبحث عن هوية خاصة ، وظل التيار الأصولي الوليد قابعا - كما يقول الدكتور رفيق حبيب - حتى بدأت حركته تظهر واضحة في منتصف الأربعينات من القرن العشرين على يد الواعظ الأشهر بلي جراهام ، وهنا في منتصف الستينيات وبعد عام 1967 على وجه الخصوص بدأت الأصولية السياسية تتفجر مرة أخرى ، لتصل إلى ذروتها في الثمانينيات من القرن العشرين وعلى يد الرئيس الأمريكي ريجان بخاصة .
وعندما وصل جيمي كارتر إلى البيت الأبيض أصبح أول رئيس يؤكد أنه " مولود ثانية " أي أنه مسيحي أصبح يهوديا ملتزما ( .. وهكذا أصبح التيار الأصولي من القوى الأولى في صنع القرار السياسي الأمريكي ) . [4]