(6) ومن هنا أخذت حركة التبشير في تطوير أدواتها ، فبدلا من الانكباب المباشر على محاولاته الفاشلة في إدخال النصرانية بأسلوب مباشر أخذ يلجأ - في الجزيرة كما في بقية العالم الإسلامي - في الماضي كما في الحاضر - أخذ يلجأ إلى وسائل التعليم والتمريض وإطعام الطعام ، وإلى جانب ما كانوا ينشئونه من مدارس تستقطع جزءا ولو ضئيلا من وقتها للتعريف بالنصرانية - وتلك هي أغلب المدارس الأجنبية الخاصة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي - أخذوا يتسللون ويطالبون بجزء من الكعكة في الجزيرة العربية ، ويتسللون إلى خطط الدول والحكومات في نشر التعليم لكي يجردوها تماما من تدريس الدين الإسلامي أو الاهتمام به ، أو تجريده مما يريدون القضاء عليه من الجهاد والعقيدة ، ولكي يقيموها على أسس علمانية صريحة تنتسب إلى هذا المذهب التربوي أو ذاك ، بدءا من سياسة دنلوب التعليمية على يد الاستعمار الإنجليزي في مصر ، ووصولا إلى السيطرة الحالية التي تتمتع بها مدرسة جون ديوي التعليمية على مناهج التربية والتعليم في جميع البلاد الإسلامية ، وانتهاء إلى خطة تجفيف الينابيع " الوهابية " التي تفرضها الولايات المتحدة أو تكاد تفرضها على الجزيرة العربية التي أفلتت سابقا في أيام الاستعمار الإنجليزي من هذا المصير
(7) وإلى جانب إقامة حركة التنصير لمؤسسات تعليمية تشرف عليها أو تتسلل إليها فإن اهتمامها كان في الماضي وما يزال في الحاضر ، في الجزيرة العربية كما في غيرها بإقامة المستشفيات يدخلها المسلمون ليجدوا فيها في بداية الأمر تنصيرا فظا ، وعندما تفشل هذه الأساليب الفظة يطور التبشير من أدائه في المستشفيات ، ويكتفي بمظاهر من النصرانية وإيحاءاتها التي يحيط بها المريض ، من نحو إغراقه في الخدمة الممتازة والمجاملات المحسوبة، وإغراقه بالحنان المفتعل في صحوه ونومه ، وتفتح عينيه على صورة العذراء أو رمز الصليب إلخ مما يقلل من مقاومة المريض للعقيدة الأخرى ، ويجعله راغبا في الاستماع إلى أصحابها ، أو على أقل تقدير يجعله متسامحا في تقبل أنشطة لهم لم يكن يتسامح فيها من قبل
(8) إن هذا التبشير لا يستهدف كما يظن بعض السذج إدخال المسلم في النصرانية - حيث يبنون على ذلك استحالة اختراقه للبلاد الإسلامية الأصيلة وفي مقدمتها بالطبع الجزيرة العربية - ومن ثم يتهاونون في مواجهة الخطر - ولكنه بالإضافة إلى ما يمكن من ذلك يستهدف خلع المسلم من الإسلام وإلباسه ثوب العلمانية ، باعتبار أن الإسلام هو عنصر المقاومة الوحيد الذي يقف في طريق الحملات الاستعمارية الصليبية المستمرة منذ قرون ، والتي تداعت إلى أكل القصعة ، منذ ما سمي في التاريخ المعاصر " المسألة الشرقية " أولا ثم في مرحلة تالية " مشكلة الشرق الأوسط " ثم الشرق الأوسط الكبير
لقد كان اهتمام الدول الاستعمارية بالمنطقة بعد فشل الاستعمار البرتغالي في اقتحام الجزيرة في ذلك الوقت وما يزال مرتبطا أشد الارتباط بالتنصير ، هكذا يرتبط الغزو العسكري بمقولات ثقافية وتبشيرية وهكذا كانت إرساليات التنصير تنزل بالخليج العربي وتعمل عملها بالمنطقة ، وكان اهتمام الدول الاستعمارية بالمنطقة قد ابتدأ من البرتغال ( 1522- 1640 ) إلى فرنسا وهولندا ثم بريطانيا ( 1798 - 1971 ) ثم بريطانيا وأمريكا منذ عام 1991 - 2003 ، وهو مستمر بعد احتلال العراق واحتلال الكويت وبعض قطر ، وبعض مواطن ظاهرة أو مستترة في السعودية والإمارات والبحرين ، تحت أسماء سياسية ودبلوماسية من الاتفاقيات التي تعقدها الولايات المتحدة مع الحكام . ويخدعوننا بقولهم علمانية
هذه حقائق تنطق بها المراجع التاريخية والخطط المستقبلية ، والوثائق والمؤتمرات وآخرها مؤتمر التنصير الذي انعقد بكولورادو بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 1978 م فليقرأ من يشاء ما كتبه الدكتور محمد عمارة عن هذا المؤتمر بعنوان " الغارة الجديدة على العالم الإسلامي " .
وهي ذات صلة حميمة مع الصهيونية حيث هما فكان لكماشة واحدة ، ينطبق أحدهما بالنيابة من الشمال على بيت المقدس ويطبق الآخر بالأصالة من الجنوب على مكة والمدينة وهاهو الغرب اليوم يواصل هذه الأحلام في خططه المسيصهيونية الحديثة ، التي وضعها قيد التنفيذ .
يتحدث الأستاذ محمود بكري - في جريدة الأسبوع -25 مارس 2002 عن التقرير الذي تبنته مجموعات من اللوبي الصهيوني برئاسة لوري ما داهان والذي تم إرساله إلى أعضاء الكونجرس بعنوان " لم لا " انطلاقا من أن هذه الفكرة - فكرة ضرب مكة وهدم الكعبة - والنقاش حولها مع التصميم عليها يجعلها قابلة للتنفيذ
ويرى التقرير أن ضرب مكة قد يدفع بعض الدول الإسلامية لمقاطعة الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا ، ويطالب بعدم التعويل على هذا العامل لأن هذه الدول لديها الأماني الكبيرة في أن تبني جسورا الصداقة مع الولايات المتحدة ، إن أقصى عمل يمكن أن تقوم به هو التعبير عن معارضتها لهذا العمل ، وانتقادها لهذا السلوك ، أما إذا تجاوزت هذه الدول حدودها فإنه يجب أن يصيبها ما أصاب مكة ، ويشير التقرير إلى أن المبادرة الهجومية هي أفضل خيار متاح أمام الإدارة الأمريكية ، ويضيف " لن يكفينا ضرب العراق أو التخلص من نظامه الدكتاتوري لأن هذا لن يردع الإرهابيين أو يعفيهم من تنفيذ أعمالهم ، بل إن ضرب العراق من وجهة نظرنا يتساوى في تقدير نتائجه مع ضرب مكة وهدم ذلك الحجر العتيد ، فكلاهما سيحقق ذات الآثار مع أن العمل الأخير - ضرب مكة - سيردع الإرهابيين عن الاستمرار في أعمالهم . ثم يستمر التقرير قائلا: " نحن أمام حرب دينية سواء شئنا أم أبينا ، وكل شعوب العالم الحر لم تسع إلى هذه الحرب الدينية ، إننا لابد وأن ننظر إلى هذه الحقيقة من زاويتها الأساسية والصحيحة ، ونحن دائما نعامل أصدقاءنا وندللهم حتى ولو كانوا يهددون أمننا ، الوقت لم يعد يحتمل مثل ذلك .. إنها دعوة صحيحة لإعادة تقييم المواقف ، فلتهدم مكة ، وليدمر الحجر ، وليذهب المتطرفون المحمديون إلى الجحيم بأفعالهم "