فهرس الكتاب

الصفحة 2733 من 3028

القول الأول: لا يجوز الصلح أبدا؛ وقالوا نَسَخت آية السيف كل معاهدة مع الكفار، وإن ما مضى في آية الأنفال، إنما كانت أحكامًا أولية، وأما الأحكام النهائية فإنها نزلت فيما بعد في سورة براءة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكف عن كل من اعتزله فلم يقاتله سواء كان قد عاهد، أو لم يتعاهد معه حتى ذلك الحين، وأنه ظل يقبل السلم مع الكفار وأهل الكتاب حتى نزلت أحكام سورة براءة فلم يعد يقبل إلا الإسلام أو الجزية وقال بهذا جماعة من السلف.

غير أن المحققين من المفسرين والفقهاء ردوا القول بنسخ آية السيف في التوبة لآيات المسالمة والمعاهدة.

القول الثاني: أنّ المسالمة مع الأعداء جائزة, بحجة آية الأنفال {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} , وما كان في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواقف الصلح والمهادنة. وقال بهذا جماهير الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة ولكنهم مع قولهم بجواز (السلام) مع الأعداء, وضعوا ضوابط وقيودًا, لاستيعاب النصوص الأخرى التي ظاهرها حرمة (السلم) . كآية القتال {فلا تهنوا وتدعو إلى السلم وأنتم الأعلون} ، فقالوا: إنّ الصلح جائز إذا كان المسلمون في ضعف شديد, وحاجة ماسة إلى المصالحة تمكنهم من استعادة قوتهم, أو يمكنهم الصلح من تحييد العدو المهادن الموادع لمدّة ولأخذ أهبتهم لنزال عدو آخر, يرى المسلمون حاجة ماسة للبدء بقتاله وفل شوكته, أو أن تكون هناك مصالح أخرى يحددها الإمام أو الأمة عبر مجالسها الشورية. ومن ثم تواضع أهل العلم على تعريف (السلم) اصطلاحًا فقالوا:

المسالمة: هي أن يعقد المسلمون أو إمامهم لأهل الحرب عقدًا على ترك القتال مدة بعوض وبغير عوض وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة ومصالحة.

أو هي: مصالحة المسلمين للكافرين على تأخير الجهاد إلى أمدٍ معين لضرورة أو مصلحة .

أقوال الفقهاء في حكم السلام الدائم:

إن السلام والمصالحة من حيث التوقيت بزمان قسمان:

الأول: السلام الدائم:

ومعناه أن تضع الحرب أوزارها، ويحل الوئام للأبد، وصورته الجائزة شرعًا: ما وقع في فتح بيت المقدس ودمشق زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث يدفع الكفار الجزية، ويخضعون لسلطان الإسلام ولا ينالون من المسلمين نيلًا، ولا يبغونهم غائلة، وهذا جائز بنص القرآن في سورة براءة: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ، والشرط في ديمومة هذا الصلح بقاؤهم على ما شارطوا عليه، ودفع الجزية والنصح للمسلمين، وعدم القيام بفتنة أحد من المسلمين عن دينه والإفساح لدعوة الإسلام بالذيوع والانتشار.

أما صورة السلام الأبدي المحرم شرعًا: فهو على نوعين:

أ-أن يقاتل المسلمون الكفار، ويطلبونهم في ديارهم، ثم يلتمس الكفار من المسلمين سلامًا دائمًا، على أن يبقى الكفار في ديارهم على كفرهم بالله، ويرجع المسلمون إلى أرضهم دون أن يلزم الكفار بالجزية؛ فهذه مصالحة باطلة، وموادعة في الشرع ساقطة، وذلك لأربعة أمور:

1-تعطيل فريضة الجهاد في سبيل الله، وهو ذروة سنام الديانة، الماضية إلى يوم القيامة.

2-تعطيل فريضة الدعوة التي أوجبها الله تعالى على المسلمين.

3-فيه مخالفة صريح ما أمر الله تعالى به من مقاتلة الكافرين حتى يسلموا أو يعطوا الجزية صاغرين.

4-فيه إقرار الكفار على سلطانهم في الأرض، وإنما السلطان كله لله، كما قال سبحانه: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) .

قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: (إن النبي r قبل نزول براءة وآية الجزية كان الكفار والمشركين وأهل الكتاب تارة يقاتلهم وتارة يعاهدهم فلا يقاتلونهم ولا يسلمون فلما أنزل الله براءة وأمره فيها بنبذ العهد إلى الكفار وأمره أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون صار حينئذ مأمورًا بأن يدعو الناس ألى قتال من لا بد من قتالهم أو إسلامهم وإذا قاتلهم قاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية لم يكن حينئذ أن يعاهدهم بلا جزية كما كان يعاهد الكفار من المشركين وأهل الكتاب كما عاهد أهل الحديبية) .

ب-أن يستولي الكفار على بعض ديار المسلمين، فيقتلون ويسلبون، ويجعلون الدار دار كفر بعد أن كانت دار إسلام، فهذه الصورة أشد حرمة من سابقتها وهي التي انطبقت على النصارى قديمًا حين استولوا على فلسطين وبعض بلاد الشام، وحديثًا يتنزل على ما أقدمت عليه عصابات اليهود في عصرنا من الاستيلاء على فلسطين وأجزاء من بلاد الشام وما ينادون به من هجرة كل يهودي محتال من شذاذ الآفاق الذين ضاق العالم بهم، فقذفهم على شواطئ بلاد الشام كما يقذف البحر زبده الذي يذهب جفاء، فهذه الصورة واضحة البطلان، لما ذكر في الصورة الأولى من الأسباب وأيضًا لما في ذلك من الإقرار على ولاية الكفار وهو محرم إجماعا، ولذلك حرم الشرع زواج المسلمة من الكافر، لما للزوج على زوجته من ولاية، وكذلك حرم تملك الكافر للرقيق المسلم، بل نزع من الكافر ولايته تزويج قريبته المسلمة، فكيف يتصور صحة عقد صلح يؤدي إلى دخول المسلمين تحت ولاية الكفار المطلقة.

القسم الثاني: السلام المؤقت: وهو على نوعين:

1-أن تقع معاهدة السلام محدودة بمدة معينة، نحو عشر سنين مثلًا كما كان في صلح الحديبية، وهذا جائز عند جماهير العلماء مع اختلافهم في أقصى مدة يمكن أن تكون عليها المعاهدة، وستأتي المسألة في الضوابط إن شاء الله.

2-صلح مؤقت مطلق أي لا تحدد له مدة معلومة بل يقال فيه إن شئنا نقضنا هذا الصلح بعد يوم أو بعد عام أو بعد ذلك، أو أن يقال في عقد الصلح متى شاء أي من الفريقين نقض الصلح على أن يعلم الآخر وينبذ إليه ولا يغدر به، وقد سمى بعض الفقهاء هذا النوع: بالصلح المطلق وممن سماه بذلك العلامة ابن القيم رحمه الله، وقد رد على من ظن هذا صلحًا مؤبدًا فقال: (وأصحاب هذا القول كأنهم ظنوا أنها إذا كانت -أي الهدنة- مطلقة تكون الأزمة مؤبدة كالذمة فلا تجوز بالاتفاق ) ، وهذا النوع من الصلح لأهل العلم فيه قولان:

-منهم من منعه وهم الجمهور.

-ومنهم من أجازه وهو ما رجحه ابن القيم في أحكام أهل الذمة مع اتفاقهم جميعًا على عدم صحة الصلح الدائم المؤبد وأنه باطل إلا إذا دخل الكفار به في حكم المسلمين وذمتهم، قال ابن القيم: (والقول الثاني وهو الصواب أنه يجوز عقدها مطلقة وإذا كانت لم يمكن أن تكون لازمة التأبيد بل متى شاء نقضها ..فإنه إذا عقد عقدًا إلى مدة طويلة فقد تكون مصلحة المسلمين في محاربتهم قبل تلك المدة) .

ضوابط السلام الشرعية:

الضابط الأول:

إذا تعين الجهاد بطل الصلح, كما إذا دخل العدو أرض المسلمين أو كان طالبًا لهم. جاء في فتح العلى لمالك (1/289) في الصلح والمعاهدة في المعيار في باب الجهاد ما نصه:"إذا أوقع الخليفة الصلح مع النصارى, والمسلمون لا يرون إلا الجهاد فمهادنته منقوضة وفعله مردود). وحيثما تعين الجهاد في موضع لم يجز فيه الصلح, كما لو كان العدو غالبًا على المسلمين, وكل مُتَنَقَّل في تعيين فرض الجهاد مانع من الصلح لاستلزام إبطال فرض العين الذي هو الجهاد المطلوب في الاستنقاذ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت