فهرس الكتاب

الصفحة 2732 من 3028

فقال سهيل: وعلى ألا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلاّ رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسفُ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكّة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّا لم نقض الكتاب بعد) . فقال: والله إذًا لا أصالحك على شيء أبدًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأجزه لي) . فقال: ما أنا بمجيزه لك، قال: (بل فافعل) . قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه.

وقد تمّ الاتفاق على الأمور التالية:

"على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. وعلى أنّ من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يردّه عليه، وأنّ بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عَيْبَة مكفوفة. وأن لا إسلال ولا أغلال وأن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه."

فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش وعهدهم.

وأنّك ترجع منّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك. وأقمت فيهم ثلاثة معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب"."

والواقع أن المسلمين تذمروا من هذه الاتفاقية وضاقوا بها ذرعًا، خاصة بعد أن جرت التعديلات على الصياغة الإسلامية للعقد، فقد اعتذر على بن أبي طالب عن مسح كلمة"رسول"فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وكتب ما أراد سهيل بن عمرو. وغضب المسلمون لرد المسلمين الفارين من قريش إليها فقالوا:"يا رسول الله أتكتب هذا؟ قال: نعم. إنه من ذهب إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجا".

وظهر الغضب الشديد على عمر بن الخطاب، وسائر الصحابة الذين كانوا قد خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي الطريق إلى المدينة نزلت سورة الفتح: (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) وقد استمرت الهدنة نحو سبعة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا.

إنّ هذه الغزوة وما تم فيها من صلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم -وبين أعدائه من المشركين- تحتاج إلى وقفة متأنية ودراسة منهجية حتى لا تتخذ مطية -بحسن نية أو بسوء نية- إلى تزيين التخاذل والاستجداء والاستسلام لأعداء الأمة. إن فيها مواقف متعددة في التعامل مع المشركين ودروسًا ينبغي فهمها واستيعابها من قبل أفراد الأمة:

لقد توالت الأحداث مؤكدة الحكمة البالغة والنتائج الباهرة لهذا الصلح الذي سماه الله تعالى (فتحًا مبينًا) وذلك فيما يلي:

1-اعترفت قريش بكيانهم لأول مرة فعاملتهم معاملة الند للند بعد أن كانت تصورهم أمام الناس بأبشع الصور مما كان له صداه العميق في داخل مكة وأرجاء الجزيرة العربية.

2-مبادرة خزاعة للتحالف مع المسلمين علنًا دون هيبة قريش حيث"كانت خزاعة عين نصح لرسول الله مسلميها ومشركيها لا يخفون عنه شيئًا كان بمكة".

3-كان السلام المبرم يتيح الفرصة للمسلمين للتفرغ ليهود خيبر، آخر معاقل يهود التي استُغِلَّتْ للتحريض على المسلمين في الخندق وما بعدها.

4-أتاحت الفرصة لهم لنشر الإسلام، يقول الزهري:"فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمر الناس بعضهم بعضًا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل إلا دخل فيه، ولقد دخل في ذينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك".

قال ابن هشام:"والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف".

5-بعد أن وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاءه أبو بصير مسلمًا وقد فر من قريش، فأرسلت في طلبه رجلين فسلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما، وفي الطريق تمكن أبو بصير من قتل أحد الرجلين وفر الثاني إلى المدينة وخلفه أبو بصير، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم"فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد"فما سمع ذلك عرف أنه سيرده عليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر..."."

وقد لحق بأبي بصير كل من تخلص من مكة من المستضعفين، وأخذوا ينتقلون إليه فلحق به أبو جندل بن سهيل بين عمرو وغيره، حتى اجتمعت منهم عصابة، وتعرضوا لقوافل قريش التجارية يقتلون حرسها ويأخذون أموالها"فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم"وهم بناحية العيص، فقدموا عليه وكانوا قريبًا من الستين أو السبعين"."

ثانيًا: قصة همّ النبي صلى الله عليه وسلم موادعة غطفان في غزوة الأحزاب:

لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الأحزاب، وتجمع المشركين على المدينة، أراد أن يخفف الضغط على المدينة، فيصالح قبيلة غطفان، لتحييدهم وتخذيل الأحزاب، فعرض على عيينة بن حصن الفزاري والحارث ابن عوف المري، رئيس غطفان، الصلح على ثلث ثمار المدينة، وأن ينصرفا بقومهما ويدعا قريشًا وحدها وكانت هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما مراوضة ولم تكن عقدًا فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما قد رضيا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالًا: يا رسول الله، هذا أمر تحبه فنصنعه لك؟ أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع؟ أو أمر تضعه لنا؟ فقال:"بل أمر أصنعه لكم، فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة"، فقال له سعد بن معاذ:"يا رسول الله، وإن قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان، ولا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قرى، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلا (السيف) حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فسُّر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (أنتم وذاك) وقال لعيينة والحارث: (انصرفا، فليس لكما عندي إلا السيف) ."

ثالثًا:

قد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم طوائف وقبائل وبلدانًا ومنهم: مخشي بن عمرو الضمري من بني ضمرة بن بكر وكان هذا في غزوة الأبواء. وصالح أيضًا أكيدر بن عبد الملك وهو رجل من كندة بدومة الجندل، وصالح كذلك آهل نجران، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك السبيل وفق الضوابط التي سنقف عليها إن شاء الله .

المسالمة والمصالحة عند الفقهاء

إن أصل مادة: (السلام) تأتي من الفعل الماضي الثلاثي (سَلَمَ) ، والتي من معانيها الاستسلام، والطاعة والخضوع، والصلح وترك الحرب والمنازعة السلم والأمان والذي يعنينا من هذه المعاني المشتركة في لفظ (سلم) ، ما جاء على معنى المصالحة والمسالمة والموادعة: أي ظهور بوادر لغياب الحرب أو توقفها - فالجنود لا يزالون في الميدان، والقادة يفاوضون على ترتيبات السلام.

على ضوء العرض المختصر لما سبق من الآيات الأربعة، ومواقف الرسول صلى الله عليه وسلم في المصالحة والمهادنة، فإن الفقهاء اختلفوا في جواز الصلح مع الكفار وهم في ذلك على قولين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت