فهرس الكتاب

الصفحة 2678 من 3028

( عندما يكون هناك تشريع قومى نافذ المفعول في الوقت الحالي، أو تمّ سنه ومصدره قانون ديني أو عرفي، فإن أية ولاية أو إقليم لا تمارس أغلبية السكان فيه مثل هذه الديانة أو العادات، يجوز لهم عندئذ:

(1) إصدار تشريع يسمح بأعراف أو ممارسات في ذلك الإقليم ، تتماشى مع دياناتهم أو عاداتهم, أو

(2) يحال القانون إلى مجلس الولايات للموافقة عليه بأغلبية الثلثين أو البدء في تشريع قومي ينص على مثل هذه الأعراف البديلة اللازمة حسبما هو ملائم.)،وهذا يعني أن بعض ولايات الشمال يمكن أن يكون لها وضع تشريعي خاص شبيه بوضع العاصمة الذي أثار جدلا حيث نصّ اتفاق قسمة السلطة على:-

( تراعي المحاكم عند ممارستها سلطاتها التقديرية عند توقيع العقوبات على غير المسلمين من السكان مبدأ الشريعة القاضي بأن غير المسلمين لا يخضعون للعقوبات الحدية المفروضة، وبالتالي ينبغي تطبيق عقوبات تعزيرية.)

(السلوك الناشيء عن الممارسات الثقافية والأعراف والذي لا يسبب إخلالًا بالنظام العام ولا يزدري أعراف الآخرين ولا يكون فيه تجاهل سافر للقانون يعتبر ممارسة للحريات الشخصية.)

اما مصادر التشريع على المستوي القومي هي:-

ـ التوافق الشعبي.

ـ قيم وعادات شعب السودان.

قد تجد الشريعة الغراء من هذا المصدر موضع قدم تنفذ عبره لتكون مصدرا من مصادر التشريع القومي، لكنّ معتقدات دينية أخرى ستكون صنوا لها، لتشكل مع الشريعة مصادر للتشريع القومي، فهل بعد ذلك سيعبر دستور الفترة الانتقالية عن إسلامية الدولة؟.

[1] هناك نصوص اخري في الدستور تحدد ذلك

[2] انتظمت البلاد عقب الاستقلال حملة شعبية تنادي بالدستور الاسلامي (جبهة الدستور الاسلامي.

[3] عام 1968

[4] ورد هذا في المادة (113) :

[5] جاء ذلك في المادة (114) :

[6] اجريت في عام 1984 تعديلات علي الدستور الدائم 1973

ظلُ الدستور -القانون الأعلى في الدولة- محل احتفاءٍ واهتمام من قوي المجتمع بمختلف مشاربها ، فهو يعبرُ عن وُجهة الدولة، فيبينُ ملامحها ويوضحُ قسماتها ، ومنذ أن نال السودان استقلاله بُذلت تضحيات جسام من أجل دستورٍ إسلامي يلبي الأشواق ،وهاهي التجارب الدستورية في بلادنا بلغت مرحلة دستور الفترة الانتقالية وفقًا لاتفاق السلام ، أحاولُ في هذا المقال ان أجيب علي السؤال الجوهري الذي طرحته من قبل.... هل سيعبرُ دستور الفترة الانتقالية عن إسلامية الدولة ؟، فانا لست ممن يرى ( أ ن الدولة كائن معنوي يفقد صفة الانتماء الديني القائم أساسًا على وجود ضمير فردي يتعبد ويتعامل [1] ) ،بل أعتقد أن الدولة كائنٌ يقوم علي ركائز فكرية راسخة تفصح عنها أجهزتها، و من ثمّ لم يكن نشازا أن اهتمت دول بالانتماء الديني للدستور وإن تدثرت بعلمانية ظاهرة غير مستترة،فالدستور التونسي [2] ينصُ على أن (تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها) [3] . كما ينص ذات الدستور على: (رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ودينه الإسلام) [4] ،واظنُ ان التنوع والتعدد-في الدين كان أم العرق- الذي يتكئ عليه اتفاق السلام متحقق في تونس.

إنّ الإجابة على السؤال المطروح تُبنى على الحقائق الآتية:-

ـسيضعفُ دستور الفترة الانقالية من مكانة اللغة العربية علي المستوى الرسمي، حيث جعل اتفاق السلام اللغة الانجليزية لغة رسمية هي الأخرى، ولا أرمي من هذا الوقوف في وجه اللغات الأخرى، فالواجب الاعتناء بها وإتقانها، لكنّ الدفاع عن اللغة العربية له مدلول ثقافي ملازم للإسلام، فالعربيةُ باتت لغة وطنية لكل السودانيين، فالجماعات الإفريقية القحة تعدها لغةَ التواصل، و الكنيسةُ في السودان لن تجد وسيلةً جامعةً -غير العربية- تبشرُ بها، ورغم ذلك الضيم الذي لحق باللغة العربية في اتفاق السلام، فانّ لها مستقبلا واعدا أزهر في السودان، ففي كل حين تكسب ساحة جديدة، فهي تسبق حتى الإسلام في انتشارها ممهدة له الطريق ،ولن تجد الحركة الشعبية من خيار غير (العربية ) تخاطب بها أنصارها وتنشر بها أفكارها.

ـ سيضعفُ دستور الفترة الانتقالية من مكانة الشريعة الإسلامية على المستوى القومي، حيث جُعلت المواثيق الدولية لحقوق الانسان أساسا وهاديا للدستور الانتقالي وقد تتعارض تلك المواثيق مع الشريعة [5] ،

فقد جاء في اتفاق السلام:-

(تحترم جمهورية السودان، بما فيها كافة مستويات الحكم في جميع أرجاء القطر - وبصفة كاملة - وتلتزم بموجب معاهدات حقوق الإنسان الدولية التي هي طرف فيها أو التي ستصبح طرفا فيها. ويشمل ذلك العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثفافية، والاتفاقيات الدولية لإزالة جميع أشكال التمييز العنصري واتفاقية حقوق الطفل واتفاقية الاسترقاق لعام 1926 في صيغها المعدلة والاتفاقية الملحقة المتعلقة بها والاتفاقية الدولية بشأن منع ومعاقبة جريمة الفصل العنصري والاتفاقية الدولية لمناهضة الفصل العنصري في الرياضة، الاتفاقية المتعلقة بوضع اللاجئين والبروتوكول المتعلق بها والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. ويتعين على جمهورية السودان السعي إلى التصديق على معاهدات حقوق الإنسان الأخرى التي وقعتها.)

ففي ظل هذا النص قد تنشأ دعاوى دستورية تطالب بالغاء القوانين المستمدة من الشريعة لزعمهم مخالفتها لمواثيق حقوق الانسان [6] . بل حتى في الشمال نفسه يمكن أن تتراجع الشريعة بعد [7] أن منح اتفاق السلام الولايات حق الاعتراض على أي تشريع له صبغة دينية، وقد كان الأمل معقودا بعد استثناء الجنوب من الشريعة الغراء ان يُنصّ صراحة انّه (لا يجوز اصدار تشريع في الشمال يخالف الشريعة ) ،فمثل هذا النص يَسدُ أي منفذ لتشريعات تخالف الشريعة، سيما وأن التوافق الشعبي المبهم يُعدُ هو الآخر مصدراَ من مصادر التشريع في الشمال،فإحكامُ النصوص امرٌُُ مطلوب ضمانا لسيادة الشريعة،والمتأملُ بعمق في وضع اللغة العربية والشريعة الاسلامية في دستور الفترة الانتقالية يشعرُ كأنهما طارئان [8] علي السودان ،فالعربيةُ في السودان هي مثل الإنجليزية التي يبلغ تاريخها مائة عام أو يزيد،والشريعة الإسلامية يمكن ان تعترض عليها أية ولاية فتسود أعراف ومعتقدات محلية.

ـ سيضعفُ دستور الفترة الانتقالية من هُويّة الجيش السوداني (إن اختار شعب الجنوب الوحدة علي الانفصال ) ، فالوحدات المشتركة التي ستكون نواة للجيش السوداني سيكون لها مبدأ عسكري جديد ،هو حتما لن يكون كما نصّ عليه الدستور الحالي (الدفاع عن الوطن شرف والجهاد في سبيله واجب) .

ـ إنّ هذه الحقائق تجعلُ دستور الفترة الانتقالية دون أشواق دعاة الدستور الإسلامي ودون طموحهم ،بل هو يؤسس - خاصة علي المستوي القومي- لدولة لن يكون للإسلام فيها نصيب وافر، ولا للشريعة حظ معتبر.

[1] هذا الرأي أورده د.منصور خالد في سلسلة مقالات له في صحيفة الرأي العام.

[2] تونس مثال لدولة تجاهر بعلمانيتها.

[3] المادة الأولى من الدستور التونسي.

[4] المادة 38 من الدستور التونسي.

[5] ثار جدل بعد توقيع اتفاق السلام حول دستورية جريمة الردة التي نصّ عليها القانون الجنائي لسنة 1991 ويري البعض عدم دستورية تلك الجريمة لمخالفتها لمواثيق الأمم المتحدة التي تنادي بحرية الاعتقاد.

[6] الشريعة ترعى حقوق الإنسان فيكفي قوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) لكن نظرتها لهذا المفهوم تختلف عن ما تدعو له المواثيق العالمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت