فهرس الكتاب

الصفحة 2668 من 3028

[2] رتّب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وجوب المحبّة والنصرة والتأييد بحيث (لا يُسلمه ولا يظلمه) (ولا يخذله) كما في حديث الصحيحين، وجاء في أحمد والترمذي: (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتّى تحابّوا) ، وفي الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه) . وورد في أبي داود: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على مَن سواهم) ، و (المؤمن أخو المؤمن يكفّ عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه) ، وفي مسلم: (المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه اشتكى كلّه، وإذا اشتكى عينه اشتكى كلّه) ، وفي الصحيحين: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا) . قال الحافظ ابن رجب:"إنّ الأخ من شأنه أن يوصل لأخيه النفع، ويكفّ عنه الضر. ومن أعظم الضرر الذي يجب كفّه عن الأخ المسلم: الظلم" [جامع العلوم والحكم: 441] . وقال يحيى بن معاذ الرازي:"ليكن حظّ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضرّه، وإن لم تُفرحه فلا تَغُمّه، وإن لم تمدحه فلا تذمّه" [المرجع السابق: 446] .

[3] قرّر النبي صلى الله عليه وسلم أن الولاء والبراء من العقائد التي لا يصح إسلام العبد إلا بها، ومن أعظم الشواهد على صدق الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم: (أوثق عُرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله) [رواه أحمد] .

وكفى بذلك دليلًا على خطورة هذا الأمر وضرورة أن يعالج المسلم ما يعتريه في ذلك من خللٍ ويهتدي بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا ) ) [سورة الأحزاب: 21] .

رابعًا: مظاهر الولاء للكفار في زماننا: [أفاد ذلك الشيخ: عبد الحي يوسف في دروس تفسير آيات الأحكام في رمضان 1421هـ، وذلك بتصرف يسير]

[1] الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم [وقد أفتى علماء الإسلام في لجنة الفتوى والبحوث بجامعة القرآن الكريم بكفر من قال بإيمان اليهود والنصارى] ، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الباطلة، أو السماح لهم بترويج كفرهم والدعوة إليه ونشره بين المسلمين. ويدخل في ذلك ما يسمّى بمؤتمرات حوار الأديان التي تهدف إلى إزالة الفوارق بين الإسلام والديانات المحرّفة, وتجاوز الخلاف العقدي بين المسلمين وغيرهم.

[2] التولِّي العام، واتخاذهم أعوانًا وأنصارًا، ومداهنتهم على حساب الدين. قال تعالى: (( ودّوا لو تُدهن فيُدهنون ) ) [سورة القلم: 9] . ومن ذلك مشاركتهم في أعيادهم أو تهنئتهم بها, قال تعالى: (( والذين لا يشهدون الزور ) ) [سورة الفرقان: 72] أي أعياد المشركين. ومنه أيضا زيارة الكنائس والمعابد الشركيَّة التي يُسبُّ فيها الله تعالى ويُكفَر به.

[3] طاعتهم فيما يشيرون به وتوليتهم أمور المسلمين مع أنّ التولية شقيقة الولاية, لذلك كانت توليتهم المناصب نوعًا من توليهم، وقد حكم الله أنَّ من تولاهم فإنه منهم قال الإمام ابن حزم:"صحّ أنّ قول الله تعالى: (( ومن يتولّهم منكم فإنه منهم ) )إنما هو على ظاهره فإنه كافرٌ من جملة الكفار, وهذا حقٌّ لا يختلف فيه اثنان من جملة المسلمين". أخرج الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:"قلت لعمر رضي الله عنه: لي كاتب نصراني. قال: مالك قاتلك الله! أما سمعت قول الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) ) [سورة المائدة: 51] ، ألا اتخذت حنيفًا ـ مسلمًا ـ . قلت: يا أمير المؤمنين! لي كتابته وله دينه. قال: لا أُكرمهم إذ أهانهم الله, ولا أُعزّهم إذ أذلّهم الله, ولا أُدنيهم وقد أقصاهم الله". وأقرب مثال على عاقبة ذلك ما حدث بنيجيريا (( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) ) [سورة الحشر: 2] .

[4] تعظيمهم وإطلاق الألقاب عليهم, وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقال للمنافق: يا سيّد [رواه أبو داود بإسناد صحيح، كما في رياض الصالحين بتخريج الألباني] , والكافر من باب أولى, ونهى أيضًا عن ابتداء الكافرين بالسلام, قال صلى الله عليه وسلم: (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام) [رواه مسلم] .

[5] التآمر معهم، وتنفيذ مخططاتهم، والدخول في أحلافهم وأحزابهم وتنظيماتهم, والتجسس من أجلهم، ونقل عورات المسلمين وأسرارهم إليهم، والقتال في صفهم.

خامسًا: شواهد تاريخية على خطورة الغفلة عن الولاء والبراء:

لقد أقام الله الحجة على المسلمين بتنبيههم إلى ضرورة أخذ الاحتياط من الكفّار المعتدين، فقد أمر المسلمين أن لا يركنوا إلى الظالمين فإنهم لا أيْمان لهم ولا إيمان، ومنع مجالسة الخائضين في دين الله بالاستهزاء، وذلك دأْب الكافرين والمنافقين، وأبان سبحانه حقيقةً في منتهى الأهمية وغاية الخطورة وهي أن الكفر شرٌّ مستطير، وشأن الباطل الاعتداء كما قال رب العالمين: (( والكافرون هم الظالمون ) ) [سورة البقرة: 254] . وشرع تعالى من الأحكام ما يذكّرهم بذلك كما في صلاة الخوف، وأوجب أخذ الحذر والاحتياط من مهاجمة الكفّار لهم (( هم العدوّ فاحذرهم ) ) [سورة المنافقون: 4] ، (( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) ) [سورة النساء: 71] ، (( ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلةً واحدة ) ) [سورة النساء: 102] .

وهذا كلّه يقوّي في نفس المسلمين البراء من المشركين، ويجعلهم مستعدّين لمقارعتهم في كلّ حين، أما الغفلة عن ذلك فمن أكبر المصائب، إذ تؤدي إلى أن تحلّ بأهل الإسلام أعظم النوائب.

ولنضرب على ذلك مثلين:

[1] الغفلة عن الخطر المغولي المهدد للأمة:

فقد قصّر المسلمون في القرن السابع الهجري في الإعداد للجهاد في سبيل الله, والتأهُّب لحماية الأمّة من خطر التتار الدّاهم، لاسيما بعدما رأوْا جرائم المغول ضدّ كلّ الملل، حتى لُقِّب هولاكو بـ (مبيد الأمم) . ولكن كلّما ضَعُفت في المسلمين روح الولاء والبراء، وشغلتهم الدنيا، وفرّقتهم الأهواء؛ تسلّط عليهم الأعداء. وما شأن الأندلس ببعيد، فقد ضيّعها ملوك الطوائف الغارقون في الشهوات، حين غفلوا عن عداوة النصارى لهم؛ فما شعروا إلاّ بسنابك الخيل تدكُّ عروشهم، كما قال ابن رشيق:

مما يقبّح عندي ذكر أندلسٍ =أسماء (مقتدرٍ) فيها و (معتضدِ)

أسماء مملكة في غير موضعها =كالهِرّ يُبدى انتفاخًا صولة الأسدِ

وهكذا حدث في بغداد، فقد حكى الذهبي هذه الهجمة بقوله:"قصد الطاغية هُولاكو بغداد بجيوشه.. ودخل التتار بغداد واقتسموها.. وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يومًا، وقَلَّ من سَلِم. فبلغت القتلى ألفَ ألفٍ وثمانمائة ألف وزيادة.. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون" [دول الإسلام للذهبي: 2/159-160] ، وقال أيضًا:"حتى اشتد الوباء بالشام ـ ولا سيما بدمشق وحلب ـ لفساد الهواء" [العبر في أخبار من عبر للذهبي: 3/171] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت