[2] حسم القرآن مسألة انتساب اليهود والنصارى إلى موسى وعيسى عليهما السلام؛ لئلا يغترَّ المسلمون بكون أولئك من (أهل الكتاب) ؛ فبيّن عز وجل كفر اليهود والنصارى وتحريفهم الكتب السماوية, وبراءة أنبياء الله منهم (( لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة ) ) [سورة المائدة: 73] ، (( وقالت اليهود عزيرٌ ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون ) ) [سورة التوبة: 31] . وأظهر الله تعالى كذبهم في دعوى النسبة الإبراهيمية, فقال جل جلاله: (( ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين ) ) [سورة آل عمران: 67] ، (( وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين ) ) [سورة البقرة: 135] , كما صرَّح عز وجل بأن الإسلام ناسخٌ لما قبله من الأديان؛ فلا يقبل الله دينا سواه (( إنّ الدين عند الله الإسلام ) ) [سورة آل عمران: 19] ، (( ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ) [سورة آل عمران: 85] . وهذا ـ لعمري ـ ركنٌ عظيم من قاعدة الولاء والبراء؛ لأنه تحريرٌ للمفاهيم الشرعية من تلبيس العلمانيين, ودفعٌ لشبهات المنافقين الذين يريدون نقض عُرى الإسلام وإرضاءَ الكافرين بالدعوة إلى الإبراهيمية ووحدة الأديان (( إنّ أولى الناس بإبراهيم لَلَّذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) ) [آل عمران: 68] .
[3] نهى القرآن عن اتخاذ الكافرين أولياء؛ لأنهم أعداء الله ورسوله والمؤمنين, فقال عز وجل: (( لا يتخذِ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) ) [سورة آل عمران: 28] ، قال ابن جرير:"قد برئ من الله وبرئ الله منه؛ لارتداده عن دينه ودخوله في الكفر"، وقال ابن كثير:"نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين, وأن يتّخذوهم أولياء يُسِرّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعّد على ذلك فقال تعالى: (( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ ) )أي: ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله كما قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تُلقون إليهم بالمودة ) )إلى أن قال: (( ومن يفعله منكم فقد ضلَّ سواء السبيل ) ) [سورة الممتحنة: 1] وقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا ) )" [تفسير القرآن العظيم: 1/466] ، وليت شعري ما عذر المسلمين عند الله في موالاة الكافرين الذين وصفهم رب العالمين بأنهم: (( لا يرقُبون في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمّةً وأولئك هم المعتدون ) )؟! [سورة التوبة: 10] .
[4] حَكَم الله جل جلاله بالكفر على من والى الكافرين وظاهرهم على المسلمين، فقال تبارك وتعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ) ) [سورة المائدة: 51] ، قال ابن جرير:"ومن تولاّهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملّتهم؛ فإنه لا يتولى متولٍّ أحدًا إلا وهو به ـ وبدينه وما هو عليه ـ راضٍ. وإذا رضيه ورضيَ دينه فقد عادى ما خالفه وسَخَطَه وصار حكمُه حكمَه"، قال عز وجل: (( ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنّ كثيرًا منهم فاسقون ) ) [سورة المائدة: 80-81] . وقال تبارك وتعالى: (( بشّر المنافقين بأنّ لهم عذابًا أليمًا. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أيبتغون عندهم العزة فإنّ العزة لله جميعًا ) ) [سورة النساء: 138-139] وقال عز وجل: (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من أهل الكتاب يرُدّوكم بعد إيمانكم كافرين ) ) [سورة آل عمران: 100] ، وهذا من صميم الولاء والبراء يشهد لذلك قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين. بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ) ) [سورة آل عمران: 149-150] .
[5] أبان الله تعالى مقدار العداوة التي يُكنّها الكفّار للمسلمين، والتي لا يمكن أن تخالطها محبّة؛ لأنها عداوة في الدين، كما قال الشاعر:
كلُّ العداوات قد تُرجى مودتها =إلا عداوةَ من عاداك في الدينِ
وأوضح تبارك وتعالى لعباده المسلمين أنّ الكفار لن يرضوا عنهم حتى يفارقوا دينهم الحق ويكونوا أتباعًا للدين الباطل فقال سبحانه: (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملتهم ) ) [سورة البقرة: 120] ، وقال عزّ وجلّ: (( ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً ) ) [سورة النساء: 89] ، وقال جلّ جلاله: (( ودّ كثير من أهل الكتاب لو يرُدّونكم من بعد إيمانكم كفّارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبيَّن لهم الحقّ ) ) [سورة البقرة: 109] . ومن ثَمّ جاءت الآيات تفضح الذين يُلقون إليهم بالمودة, والذين يسارعون فيهم, والذين يخشونهم, والذين يبتغون عندهم العزّة؛ لتنزع هذه الآيات من قلوب المسلمين تلكم العواطف الكاذبة والصداقات الباطلة (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالًا ودّوا ما عنتُّم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كلِّه وإذا لقوكم قالوا آمنّا وإذا خلوا عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ. قل موتوا بغيظكم إنّ الله عليم بذات الصدور ) ) [سورة آل عمران: 118-119] .
فيتبين مما سبق أنّ هذا الأمر عظيمٌ وجليل، أمر إيمانٍ وكفر, كما قال ابن كثير في تفسير قول الله تعالى: (( إلاّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير ) ) [سورة الأنفال: 73] ،"أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين. وإلاّ وقعت فتنةٌ في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين؛ فيقع بين الناس فسادٌ منتشرٌ عريضٌ طويل" [تفسير القرآن العظيم: 2/435] .
فينبغي على المسلم أن يحتاط لدينه وأن يراجع أمره، وأن يُخلص الولاء للمسلمين والبراء من المشركين. وصدق الله العظيم: (( قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده ) ) [سورة الممتحنة] .
ثالثًا: مكانة الولاء والبراء في السنة النبوية:
لقد جاءت نصوص السنة واضحةً جليَّةً في عقيدة الولاء والبراء، ويمكن بيان الهدْي النبويِّ في المعالم التالية:
[1] حدّد النبي صلى الله عليه وسلم الأُخوّة في الدّين رابطًا بين المسلمين كما جاء في صحيح مسلم: (المسلم أخو المسلم) ، وجاء في الصحيحين: (كونوا عباد الله إخوانًا) .