بعد أن تعرفنا في الفصل السابق على الخطوط العريضة لنشأة الاستشراق وتطوره نأتي الآن في هذا الفصل لنتعرف على الآراء والمواقف الاستشراقية المتصلة بالدراسات الإسلامية على وجه الخصوص، ومدى اقترابها أو ابتعادها من الروح العلمية الموضوعية .
وقبل الدخول مباشرة إلى عرض هذه الآراء والمواقف نرى أنه من المناسب أولًا أن نمهد لذلك باستعراض سريع لبعض النقاط العامة التي تتصل بأعمال المستشرقين عامة .
وفي هذا الصدد لا بد لنا من الحديث عن المنهج الذي يسيرون عليه في دراساتهم لتحقيق الأهداف التي وضعوها لأنفسهم. ومن خلال ذلك كله سيتضح لنا أن الحركة الاستشراقية تضم تحت جناحيها فئات من المستشرقين تتميز كل منها عن الأخرى حسب الأهداف التي وضعتها كل فئة لنفسها .
وبعد الانتهاء من عرض هذه النقاط العامة يصبح من السهل علينا أن ننتقل إلى استعراض لبعض الآراء الأساسية للمستشرقين فيما يتصل بالإسلام ودراسته.ثم نعقب على ذلك بما نستخلصه من المواقف الاستشراقية إزاء الإسلام.
ونحن بادئ ذي بدء لا ندخل على المستشرقين هنا دخول المُنْكر المعاند الباحث عن المثالب، وإنما ندخل عليهم دخول الباحث الذي يتوخى الوصول إلى الحقيقة، وهذا سيجعلنا نتعرف على ما للمستشرقين من إيجابيات تذكر لهم، وما لهم من سلبيات تسجل عليهم . وهذا منهج حثنا الإسلام على اتباعه إحقاقًا للحق ووضعًا للأمور في نصابها:
(ولا يجر منكم شنآنُ قومٍ على أَنْ لا تعْدُلوا اعْدلُوا هو أَقربُ للتقوى ) .
فكل من ( الثناء المطلق والتحامل المطلق يتنافى مع الحقيقة التاريخية التي سجلها هؤلاء المستشرقون فيما قاموا به من أعمال، وما تطرقوا إليه من أبحاث) (63) .
وهكذا لن نغمطهم حقهم في تقدير مالهم من أعمال علمية مفيدة . ولا ضير على المرء إذا اعترف بما لخصمه من مزايا وإيجابيات، إذ أن ذلك ربما يكون حافزًا لنا على النهوض والاستعداد من جديد ، وقبول التحدي الذي تفرضه علينا ـ نحن المسلمين ـ ظروف العصر .
والإيجابيات التي سنذكر هنا طرفًا منها، بعضها يخص المستشرقين أنفسهم ويتصل بأسلوب عملهم ومدى ترابطهم ، والقصد من ذكرها هو مجرد الاعتبار بها فقط؛ وبعضها الآخر أمور تتصل بإنتاجهم العلمي العملي الذي يعود بعضه بالفائدة على الدارسين العرب وإن كان المستشرقون قد قصدوا به في المقام الأول خدمة أنفسهم، إلاّ أنهم مع ذلك لم يحجبوه عن غيرهم .
وفي الوقت نفسه لن نغمض الطرف عن سلبياتهم الكثيرة وما اقترفوه في حق الإسلام والمسلمين من تضليل وبهتان .
أعمال المستشرقين ..
تتمثل جهود المستشرقين على مدى تاريخهم الطويل في أعمال مختلفة تشكل في مجموعها كلًا واحدًا. ويمكن تلخيص هذه الأعمال في عدة أمور هي:
1-التدريس الجامعي .
2-جمع المخطوطات وفهرستها .
3-التحقيق والنشر .
4-الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية .
5-التأليف في شتى مجالات الدراسات العربية والإسلامية .
وفيما يلي نلقي نظرة سريعة على هذه الأعمال:
[1] التدريس الجامعي ..
يكاد يكون هناك في كل جامعة أوروبية أو أمريكية معهد خاص للدراسات الإسلامية والعربية، بل يوجد في بعض الجامعات أكثر من معهد للاستشراق مثل جامعة ميونخ حيث يوجد بها معهد للغات السامية والدراسات الإسلامية ومعهد لتاريخ وحضارة الشرق الأدنى. ويرأس كل معهد أستاذ ويساعده بعض المحاضرين والمساعدين . وتقوم هذه المعاهد بمهمة التدريس الجامعي وتعليم العربية وتخريج الدارسين في أقسام الماجستير والدكتوراه ممن سيواصلون أعمالهم في المجال الاستشراقي الأكاديمي أو غيره من المجالات أخرى في السلك الدبلوماسي أو الالتحاق بأعمال في الأقسام الشرقية بدور الكتب، أو في مراكز البحوث المهتمة بالشرق، أو غير ذلك من أعمال في جهات لها صلة بالشرق .
ومن هنا تأتي أهمية ما يحمله المستشرقون من أيديولوجية بالنسبة لما يخلفونه من آثار في الدارسين على أيديهم وما ينطبع منهم على غيرهم (64) .
ولكل معهد مكتبة عامرة بالكتب والمراجع العربية والإسلامية التي تخدم الدراسات والبحوث العلمية للدارسين .
وتفتح هذه المعاهد أبوابها للدارسين من كل مكان ومنها يتخرج أيضًا بين الحين والحين أعداد لا بأس بها من العرب المسلمين الذين يعودون إلى بلادهم لتولي مهمة التدريس في جامعات بلادهم .
ويتفانى المستشرقون في أعمالهم ويخدمون أهدافهم بإخلاص تام وتفان إلى أقصى حد وبكل الوسائل. ولديهم صبر عجيب ونادر في البحث والدرس وإحاطة تامة بالعديد من اللغات القديمة والحديثة. وقد أشار الشيخ مصطفى عبد الرازق إلى:
( الإعجاب بصبرهم ونشاطهم وسعة اطلاعهم وحسن طريقتهم )
(65) .ولهم معرفة جيدة بأهم ما ينشر عن الدراسات العربية والإسلامية في بلادنا، ومكتباتهم الخاصة والعامة عامرة بشتى المراجع العربية والإسلامية قديمها وحديثها. وهناك حقيقة يعرفها كل من خالط المستشرقين وهي أن المستشرق المتمكن لا تأخذه العزة بالإثم إذا نبهته إلى خطأ وقع فيه نتيجة لعدم فهمه لروح اللغة العربية .
[2] جمع المخطوطات العربية ..
اهتم المستشرقون منذ زمن طويل بجمع المخطوطات العربية من كل مكان في بلاد الشرق الإسلامي. وكان هذا العمل مبينًا على وعي تام بقيمة هذه المخطوطات التي تحمل تراثًا غنيًا في شتى مجالات العلوم. وكان بعض الحكام في أوروبا يفرضون على كل سفينة تجارية تتعامل مع الشرق أن تحضر معها بعض المخطوطات. وقد ساعد الفيض الهائل من المخطوطات المجلوبة من الشرق على تسهيل مهمة الدراسات العربية في أوروبا وتنشيطها. منذ الحملة النابليونية على مصر عام 1798م تزايد نفوذ أوروبا في الشرق وساعد ذلك على جلب الكثير من المخطوطات . وكانت الجهات المعنية في أوروبا ترسل مبعوثيها لشراء المخطوطات من الشرق . فعلى سبيل المثال أرسل ( فريدريش فيلهلم الرابع ) ملك بروسيا ( ريتشارد ليبسيوس ) إلى مصر عام 1842م ، و ( هينريش بترمان ) عام 1852م إلى الشرق لشراء مخطوطات شرقية . وقد تم جمع المخطوطات من الشرق بطرق مشروعة وغير مشروعة، وقد لقيت هذه المخطوطات في أوروبا اهتمامًا عظيمًا، وتم العمل على حفظها وصيانتها من التلف والعناية بها عناية فائقة وفهرستها فهرسة علمية نافعة تصف المخطوط وصفًا دقيقًا، وتشير إلى ما يتضمنه من موضوعات وتذكر اسم المؤلف وتاريخ ميلاده ووفاته وتاريخ تأليف الكتاب أو نسخه .. إلخ .
وبذلك وضعت تحت تصرف الباحثين الراغبين في الاطلاع عليها في مقر وجودها أو طلب تصويرها بلا روتين أو إجراءات معقدة .
وقد قام مثلًا ألوارد Ahlwardt بوضع فهرس للمخطوطات العربية في مكتبة برلين في عشرة مجلدات بلغ فيه الغاية فنًا ودقة وشمولًا. وقد صدر هذا الفهرس في نهاية القرن الماضي واشتمل على فهرس لنحو عشرة آلاف مخطوط . وقد قام المستشرقون في الجامعات والمكتبات الأوروبية كافة بفهرسة المخطوطات العربية فهرسة دقيقة، وتقدر المخطوطات العربية الإسلامية في مكتبات أوروبا بعشرات الآلاف ، بل قد يصل عددها إلى مئات الآلاف .
وهناك دراسات للمستشرقين عن هذه المخطوطات في مجالات عديدة وعلى سبيل المثال قامت باحثة من المستشرقين بإعداد بحث عن نوادرمخطوطات القرآن الكريم في القرن السادس عشر، قال عنه الشيخ أمين الخولي بعد أن سمعه أثناء حضوره لمؤتمر المستشرقين الدولي الخامس والعشرين: