فهرس الكتاب

الصفحة 2564 من 3028

وإذا حاولنا أن ندرك مثل هذه المواقف فإنه من خلال مشاهدة الفرد لمسلسل تلفازي يسخر من تعدد الزوجات مثلًا فإن هذا المضمون لا يعرض بحوار مباشر بل من خلال بعض المشاهد المسلية والمضحكة أحيانًا يراها ويشاهدها الفرد على أنها مجرد تسلية ومتعة مشاهدة بريئة، سلبية حيال قضية التعدد بطريقة لا شعورية في حين قد يكون العكس لو تم عرض مثل هذا المضمون في حديث مباشر في محاضرة أو مقال صحفي أو ندوة تلفازية فقد تجد الفكرة حينئذ مقاومة وتفقد تأثيرها المطلوب.

4-الإثارة الجماعية Collective Reaction

من خصائص الإعلام الجماهيري قدرة الوسيلة الإعلامية على مخاطبة جماهيرية عريضة في وقت واحد بحيث يمكن توجيه هذه الجماهير نحو هدف أو قضية معينة كما يحدث في حالات استنفار وسائل الإعلام لاستنهاض الحس الوطني في المواقف الوطنية والقومية مثل ما يحدث الآن في السودان من حفز المواطنين لدعم المجاهدين في الجنوب.

وقد يكون الهدف أيضًا تجميع المواطنين لمحاربة رذيلة أو مواجهة عدو محارب أو الوقاية من مرض أو وباء، وكثيرًا ما تجد مثل هذه المواقف استجابة واضحة من قبل الجمهور المتلقي لمثل هذه الوسائل ويتجمع الناس لتحقيقها والعمل بما تدعو إليه من خلال ما تثيره في النفوس من حماس قائم على توعية بطبيعة المشكلة ( [5] ) .

وإذا كانت الإثارة الجماعية قد تأخذ شكلًا وهدفًا إيجابيًا فإنها أيضًا في حالات أخرى تأخذ شكلًا سلبيًا عندما تسعي إلى إثارة نشر الهلع والفزع والفوضى داخل المجتمع، وربما يكون ذلك عن طريق إثارة الجماهير ببث أخبار مضلله أو مشوهة تنذر بخطر داهم كما حدث عندما تم افتعال برنامج إذاعي لنشرات أخبارية تعلن غزوًا من أهل المريخ للأرض وذلك عام1938م قدمه المزيع ( أورسون ويلز Orason Wells) ، ومثل هذا أيضًا ما أصاب مواطني دول الخليج وكذلك اليهود في فلسطين من هلع من جراء نشر أخبار عن عزم العراق ضرب هذه المناطق برؤوس نووية.

كما أنه يوجد نوع أخر من الإثارة الجماهيرية عندما تتجه وسائل الإعلام للدعوة إلى العصيان وإثارة أعمال الشغب ومقاومة السلطات الأمنية وما يحدث من تدمير وسلب نتيجة مثل هذا النوع من الإثارة وبث روح الهلع والقلق والخوف ( [6] ) .

5-الاستثارة العاطفية Emotional Responses:

يعيش الإنسان في هذه الحياة ويتعامل مع أحداثها ومستجداتها من خلال التفكير العقلي القائم على المنطق والدليل والاستنتاج بجانب المشاعر والأحاسيس التي تحركها العاطفة والميول والرغبات.

وقضية المشاعر والعواطف لا تنفصل عن الطبيعة الإنسانية والفطرة البشرية فهي التي تحمل معالم الحب والكراهية والسعادة والرضا والغضب، وهذه العواطف ملازمة للإنسان وقد تتغلب أحيانًا على أحكام العقل والمنطق نتيجة فشل الفرد في التحكم فيها مما يبتعد به السلوك القويم والهدى الراشد وقد جاء تحذير القرآن الكريم من هذا الميل الشديد إلى العاطفة التي تعمي الإنسان عن الحقائق فيما يخبر به رسول الله صلي الله عليه وسلم (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) سورة القصص50.

وتأتي وسائل الإعلام لتعمل على استثارة العاطفة باعتبارها وسيلة هامة من وسائل التأثير فهي- أي وسائل الإعلام- أصبحت تتمتع بقدرة فائقة في التعامل مع العواطف الإنسانية بأساليب مختلفة ويظهر ذلك بصورة أوضح فيما يقدم من أعمال درامية تخاطب المشاهد من خلال عواطفه بمواقف وأحداث تثير فيه مشاعر الحب أو مشاعر الكراهية ومشاعر الغضب والرضا، هذا بجانب ما تثيرة بعض المشاهد أو البرامج (حتى المسموعة) من غرائز عندما تعرض لموضوعات الجنس والمرأة والعلاقات بينها وبين الرجل من خلال كلمات الإثارة في الأغاني أو عن طريق أدائها، وقد كثرت في الآونة الأخيرة مشاهد الإغراء والعري ومواقف الغرام التي تستحث شهوة العديد من المشاهدين ( رجالًا ونساء) ، ولعل هذا الجانب وهذا النوع من الإثارة يعد سلبية واضحة من سلبيات وسائل الإعلام وتأثيرها على المتلقي والتي قد تستخدم للتضليل وصرف الجمهور عن القضايا الحقيقة التي تهم الأمة ( [7] ) .

إن قضية إثارة العواطف قد تحمل جوانب إيجابية بناءة وذلك كالحث على رعاية اليتيم والرفق بالفقراء فقد جاء القرآن الكريم مخاطبًا العاطفة الإنسانية حاثًا لها لعمل الخير والرفق باليتامى ممن فقدوا آباءهم أو أمهاتهم في قول تعالي"وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا" ( النساء:9) .

كما أثار القرآن عاطفة الأبوة نحو الأبناء كوسيلة للحث على الإنفاق في سبيل الله"أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ" (البقرة:266) وفي هذه إثارة للإنفاق من خلال إثارة العاطفة نحو الأيتام والمحرومين.

ولعل في الرسالة الإعلامية التي حملها الهدهد إلى سليمان عليه السلام وهو نبي الله الداعي لتوحيد الله في الأرض وهو من سأل الله أن يعطي ملكا لا ينبغي لأحد سواه فنجد أنها رسالة تحمل إثارة تجمع بين إثارة العقل والعاطفة معًا حين يقول"إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ*وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ* أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ" (النمل: 23-24-25) . وهذه الفقرة من الآية الأخيرة فيها إثارة للعقل والمنطق ومخاطبة لواقع يجب أن يقوم.

6-الضبط الاجتماعي Social Control

مما لا شك فيه أن عملية الضبط الاجتماعي تمثل عنصرًا أساسيًا في استقرار أي مجتمع تقوم عليه مؤسسات أمنية واجتماعية وفق نظم وقوانين ولوائح، غير أن هناك وسائل أخرى تمثل سلطة قائمة في المجتمع تعمل على الإسهام الجاد في عملية الضبط الاجتماعي وهي تلك التي تنبع من نفس المواطن وإحساسه بالانتماء بواجب الولاء بدافع ذاتي حضاري حتى ولو لم يكن هنالك رجل أمن أو ممثل للقانون ويتم ذلك عن قناعة ورضا، وقد قسم بعض المختصين هذا الجانب من عوامل الضبط الاجتماعي إلى ثلاثة أنواع ( [8] ) .

( أ) ما كان متعلقًا بأعراف المجتمع وتقاليده.

( ب) ما هو مرتبط بقيم الشخص وقناعاته.

( ج) ما يتعلق بقبول الآخرين ومواقفهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت