فهرس الكتاب

الصفحة 2563 من 3028

التلفاز والمجتمع إذا كانت وظائف الاتصال التقليدية قد انحصرت في تحقيق تبادل المعرفة والمعلومة مع بداية الفهم النظري للعملية الاتصالية فإن ما حدث اليوم من ثورة حقيقية في عالم الاتصال وما ظهر من تقنيات عالية متجددة، جعل للاتصال وظائف جديدة لم تكن في متناول الفكر الإعلامي من قبل، فلم تعد قضية نقل الحدث وتفسيره بل حتى تحليل مضمونه ومحتواه هي الشيء الذي تدور حوله الدارسات الاتصالية فقط بل تعدي ذلك لتصبح العملية الاتصالية من خلال رسائلها وتقنياتها شريكة في صناعة الحدث نفسه بل وصياغة القرار مما يؤكد الاتفاق على الدور المتعاظم والمتطور الذي تحققه العملية الاتصالية في شكلها ونموذجها الحديث وفي تعاملها مع شعوب العالم ودوله وأحداثه، لقد اصبح الإعلام يمتلك قدرة البناء وترسيخ القيم كقدرته على الهدم وابدال القيم، فقد اصبح لوسائل الإعلام الحديثة تأثيرها على المجتمع المتلقي سواء كان هذا التأثير ايجابيًا أو سلبيًا مما دفع بأهل الاختصاص في مجال الدراسات الإعلامية إلى تناول وتصنيف هذا التأثير من خلال نظريات ودراسات علمية وبحثية، ومما تم التوصل إليه أن الإعلام اليوم ووسائله قادر على تحقق أمور نذكر منها.

1-تغيير المواقف والاتجاهATTITUDE CHANGE

عندما يعرض الإنسان لقضية أو لشخص أخر فإنه يبني حكمه ويتخذ مواقفه بناء على ما توفر لديه من معلومات عن هذه القضية أو ذلك الشخص، ولما كانت وسائل الإعلام مصدرًا أساسيًا للمعلومات يبنى أفراد المجتمع على معظمها مواقفهم حيال الأحداث والمتغيرات المحيطة بهم بما يوفر عنصر القبول أو عنصر الرفض فإنها بذلك، أي وسائل الإعلام، تسهم بشكل فعال وإيجابي في تشكيل هذه المواقف وخاصة بالنسبة للجمهور المتلقي والمستهدف سواء ذلك بالنسبة للقضايا المطروحة على الساحة المحلية أو على المستوي الدولي العالمي، إن تغير المواقف والاتجاه لا يقف عند حدود التقبل أو الرفض أو السخط أو الرضا بل يتعدى ذلك إلى القيم وأنماط السلوك الفردي والجماعي، فقد يتقبل المجتمع قيمًا كانت محل الرفض وعدم القبول قبل بث الرسالة الإعلامية، أو يرفض قيمًا كانت سائدة ومعترف بها ويستبدل بها قيمًا أخرى .هكذا تصبح الرسالة الإعلامية بمضمونها الواضح وأسلوبها المقنع ووسيلتها المؤثرة، عاملًا من عوامل عملية التحول بما تقدمه من معلومة موجهة صادقة كانت أو كاذبة، وذلك من خلال التعرض المستمر والمدمن من قبل المتلقي للرسالة الإعلامية.

2-التغير المعرفي Cognitive Change

إذا كان تغير المواقف من القضايا والأحداث يعتبر أمرًا من الأمور التي تعرض للمتلقي للرسالة الإعلامية فإن هذا النوع من التغير يظل أمرًا عارضًا قد يبقي وقد يزول بزوال المؤثر بعكس التغير المعرفي حيث أن قضية المعرفة تقوم على أسس وجذور ممتدة في أعماق النفس الإنسانية وتمر بعمليات تحول بطيئة قد تستغرق زمنًا طويلًا بعكس عملية تغيير المواقف، ووسائل الإعلام، خصوصًا، في العصر الحاضر- تعمل بصورة نشطة في مجال التشكيل المعرفي للمتلقي- أفرادًا أو جماعات- مستفيدة من أثار التعرض الطويل والمستمر والمتكرر للرسالة الإعلامية الموجهة والتي تجد الاهتمام باعتبارها مصادر أساسية للمعلومات التي يتطلع إليها الناس.

ومن هذا المنطلق فإن الوسيلة الإعلامية من خلال ما تعرضه من أفكار وموجهات إنما تسعي إلى وضع الأصول المعرفية القائمة محل النقاش والجدل بما ينزع عنها الكثير من المسلمات القائمة عليها، ليصبح من الأسهل بعد ذلك اجتثاث هذه الأصول يحل محلها أصول جديدة تقوم عليها قناعات مستجدة سواء في مجال الفكر عامة أو حتى المعتقد القائم في نفس المتلقي مستخدمة في ذلك قوالب جذابة لها قدرة مقاومة الأعراف والتقاليد السائدة .

إن عملية التغيير المعرفي بهذه الصورة ليست بالأمر السهل المبسط بل هي عملية تتداخل فيها العديد من المتغيرات والتي تتمثل في طبيعة شخصية المتلقي وميوله ومهاراته وبيئته الاجتماعية ونوع ثقافته ، كما يدخل فيها عامل قوي الضبط الاجتماعي من تقاليد وعادات ومعتقدات ونظم، وبقدر قدرة الوسيلة الإعلامية على توظيف هذه المتغيرات وتوجهها ومراعاتها تستطيع الرسالة الموجهة إحداث التغير المعرفي المطلوب ( [1] ) .

3-التنشئة الاجتماعية Socialization

تشترك عدة مؤسسات في عملية التنشئة الاجتماعية للأفراد ثقافة وتعليمًا ونعتبر البيت (الوالدين والأسرة) من أول هذه المؤسسات وأهمها حيث يتعامل مع النشء منذ ولادته طفلًا رضيعًا وتستمر معه الفترة الأطول من حياته ثم تأتي المدرسة وما يماثلها من مراكز ومؤسسات ثقافية أو تربوية كالأندية والجمعيات ودور العبادة المسجد ومراكز التوجيه والتوعية، حتى كان عصر الاتصال الجماهيري ليجعل من وسائل الإعلام عاملًا جديدًا من عوامل التوجيه والتنشئة وبدأ ذلك الأمر بصورة متواضعة وإسهام يكاد يكون محدودًا، ومع ثورة الاتصال

والتطور التقني لوسائل الإعلام تبع ذلك تطور نوعي في البرامج والرسائل الإعلامية لتصبح لها القدرة على الوصول إلى كل بيت تخاطب الصغير والكبير- المتعلم والأمي- من خلال مضامين فكرية واتجاهات ثقافية تحملها برامج للترويح والتسلية والرياضة والأغاني وفق نماذج متقدمة في العرض والمخاطبة فاستطاعت أن تستأثر بالعديد من العقول والعواطف حتى أستسلم الطفل لهذا الموجه الجديد والذي أصبح في بعض الأوقات يقوم بدور الأب والمعلم والمدرسة بل إن البالغين أيضًا أصبحوا يتعاملون مع هذه الوسائل على أنها مصدر من مصادر المعلومات والتثقيف والأخبار سواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد ، حيث أن ما تحمله هذه الوسائل الإعلامية في تطورها. التقني والنوعي الحديث لا تخلو من قيم وموجهات تخدم فكر المرسل بهدف إحلال هذه القيم أو إزالة وزعزعة قيم وغرس أخرى أي التدخل والتأثير في عملية التنشئة الاجتماعية بوسائل غير مباشرة تتمثل في صياغة خبر أو تقديم فكاهة أو عرض أحداث مسلسل أو مسرحية أو حتى برنامج علمي ( [2] ) .

إن أجهزة الإعلام تعمل بشكل متواصل على تقديم صور من الحياة المعيشية ونماذج من التصرفات التي تصلح للاقتداء بها وقد تأكد أن استخدام الأطفال لوسائل الإعلام يحقق لديهم ميلًا للأخذ بالعبر والدروس التي تقدم من خلال هذه البرامج مع ربط ذلك بواقع تجاربهم الذاتية ( [3] ) .

ويجدر بالذكر هنا أن تأثير وسائل الإعلام في مجال التنشئة الاجتماعية إنما يتفاعل مع عوامل عديدة مختلفة في المحيط الاجتماعي مع التأكيد على أن فرضيات التأثيرات الإعلامية في التنشئة موجودة ويمكن أن تلمسها في المعايير والتوقعات التي يتوقعها الأباء والأمهات مع استخدام أطفالهم لوسائل الإعلام حيث ينظر أحيانًا إلى وسائل الإعلام على أنها تقدم وتوزع مواد إعلامية تهدد وتعارض وتتحدي القيم الاجتماعية التي يبثها الأباء والأمهات والتربويون وغيرهم من مؤسسات الضبط الاجتماعي.

وعلى العموم فإن دور وسائل الإعلام في عملية التنشئة ليس محل شك أو إنكار ويمكن أن يتوصل إلى درجة التأثير من خلال تحليل مضمون المواد الإعلامية ومن استخداماتها التي تفرض التأثير على الجماهير ( [4] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت