أما الشهادات التي تمنح لحضور دورات الـ NLP فهي محل جدل كبير، لا سيما تلك الشهادات التي تمنح بعد حضور دورات لا تتجاوز مدتها أربعة وعشرين يومًا وفي بعض الأحيان أقل، يتأهل بعدها الحضور لأن يصبحوا معالجين نفسيين بعد أن يجتازوا امتحانًا فريدًا من نوعه، وأهم ما يميزه أنه لا يرسب فيه أحد وينافس هؤلاء المعالجون أولئك الذين قضوا السنوات الطوال للتأهل لهذا المنصب من حملة الماجستير والدكتوراه من المعالجين المتخصصين. بل نجد من مدربي الـ NLP من يملك الجرأة فيقول إنه بالرغم من قصر المدة التي يحصل عليها متدربو الـNLP والتي يتأهلون بعدها لأن يصبحوا مدربين ومعالجين نفسيين إلا أنهم يتفوقون على أولئك الذين قضوا العمر وهم يدرسون في الجامعات العلاج النفسي وفق أصوله الأكاديمية، وحتى لو سببوا بعض الضرر لمرضاهم فهو أخف وطئًا من الذي قد يحدثه المعالجون المتخصصون وذلك لأنهم-أي معالجي الـNLP- يمتلكون صندوق أدوات الـNLP وهذا ما لا يملكه غيرهم (27) . ومن العجيب أن ريتشارد باندلر وهو أحد مؤسسي هذا العلم من أكبر المعارضين لعملية منح الشهادات هذه والتي أصبحت أشبه بتجارة، فنجده يقول في إحدى مقابلاته:
«البرمجة اللغوية العصبية هي الاسم الذي عبرت به عن أفكاري. لقد قضيت خمسة وعشرين عامًا وأنفقت ملايين الدولارات وما لا يعد من الساعات وأنا أطور النماذج لأنني أردت أن يستخدمها الناس. في وقت مضى اجتمعت جماعة من الناس وأخبروني عن رغبتهم في تشكيل منظمة صغيرة حتى يتسنى لهم الاتصال ببعضهم البعض والقيام بنشاطات. لم يخبروني بأن ما أرادوا هو تسفيه التعبير الذي صنعته للعامة. عندما بدأت أمنح الشهادات، حتى بعض الناس الذين يمنحون الشهادات اليوم ضحكوا علي. والبعض رفض أن يشارك فيها. ما يقوم به هؤلاء هو عرض الشهادات والتشويش على العامة. اسم هذا الفعل هو الاحتيال. ونسميه في المنطقة التي أتيت منها بالسرقة... بأي حق يمنح هؤلاء الأشخاص شهادات عن عملي بدون إذني؟... هذا عمل حياتي، وسرقة أعمال الناس بينما هم لا يزالون أحياء أمر شنيع.
كل ما أستطيع أن أقوله عن الوضع هو أنه خاطئ. والخاسر الحقيقي هم العامة؛ لأنه ليس لدي أي أدنى فكرة فيما إذا كان هؤلاء الناس الذين يعلمون ويوزعون الشهادات يمينًا وشمالًا يقدمون عملي.
بعض هؤلاء الأشخاص الذين يوزعون الشهادات لم يتلقوا تدريبًا من خمسة عشر عامًا. هناك نماذج أنشأتها لم نعد نستخدمها. لم نعد نستخدم إعادة التأطير reframing لأنه نموذج قديم ولا يوجد حاجة له. ولكن هؤلاء الناس يقولون: «إذا لم تقم بإعادة التأطير فأنت لست مبرمجًا لغويًا عصبيًا» .... أستلم الآن رسائل من أحدهم يقول فيها إنه حضر دورة ممارس من فلان ولم أسمع بهم من قبل. كيف يمكن لأحدهم أن يوزع شهادات عن عملي ولم أسمع بهم من قبل. أستطيع أن أفهم لو أنني كنت ميتًا ولكنني مازلت شابًا. هؤلاء الناس لا يريدون أن يتعلموا أفضل ما في هذا العلم، بل يريدون فقط طريقة سريعة لتحصيل النقود والحصول على مال من العامة (28) .
أما عن الاختبارات التي تجرى لحضور هذه الدورات فيعلق عليها باندلر قائلًا:
«لا أجري امتحانات بل مسابقات لأجعل الناس يحاولون، وليس لجعلهم يؤدون اختبارات كتابية التي هي أمر سخيف جدًا» (29) .
السؤال المهم هو: هل تفيد البرمجة اللغوية العصبية دارسيها؟ ربما! وفي النهاية فإن البرمجة اللغوية هي خليط من علم النفس وفلسفات قديمة وأديان شرقية قد تصيب وقد تخطئ. ولكن لا أحد يدري على وجه التحديد من تفيد ومتى تفيد، لاسيما في ضوء غياب أدلة مقنعة يقدمها لنا أهل البرمجة. إلا إذا كانت الحكايات والشهادات التي يسوقونها تعد ضمن الأدلة القاطعة، خصوصًا مع إصرارهم على أن تقنياتهم لا يمكن اختبارها في المعمل كما يقول الكثيرون. لكن المؤكد أن البرمجة اللغوية بالغت أيما مبالغة عندما وضعت الإنسان فوق قدره ونست أن الإنسان في النهاية ليس إلا إنسانًا لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولًا.
وإلى أن تحسم المعركة بين البرمجة اللغوية العصبية والأوساط الأكاديمية لا أجد ما أقول إلا ما قاله الدكتور هيب: «الحكم الصادر على NLP هو حكم مؤقت. قد يكون كل من إينسبرتش Einsprech وفورمان Forman صائبين في إصرارهما على أن فعالية علاج الـ NLP المستخدم في بيئة إكلينيكية حقيقية من قبل ممارسين متدربين لم يبحث جيدًا إلى الآن. إذا اكتشف أن هذه العلاجات سريعة ومؤثرة كما يدعون فلن يبتهج أحد أكثر من الكاتب الحالي. أما إذا اكتشف أن هذه الادعاءات ليست بأفضل من تلك التي بحثت من قبل فإن الحكم الأخير على الـ NLP سيكون قاسيًا في الحقيقة» (30) .
ما من شك في أن البرمجة اللغوية العصبية استطاعت في غضون ثلاثين سنة - وهو عمر قصير نسبيًا- أن تحقيق نجاحًا ساحقًا وتكسب عددًا كبيرًا من الأتباع وتنتشر في الكثير من البلدان ومع ذلك فعلاقتها بالأوساط الأكاديمية مازالت متوترة يكتنفها الشك ويغلفها العداء المتبادل
في عام 2000 صدرت موسوعة العلم الزائف حيث ضمت هذه الموسوعة عددًا كبيرًا من العلوم الزائفة، وكم كانت صدمة الكثيرين كبيرة عندما ذكر الـNLP كأحد هذه العلوم. ولكن هل هو حقًا علم زائف؟ وما صفات العلم الزائف؟
المراجع
2-المصدر السابق
7-المصدر السابق
8-المصدر السابق
11-المصدر السابق
12-المصدر السابق
15-المصدر السابق
16-المصدر السابق
17-المصدر السابق
29-المصدر السابق