محاولة موسى (عليه السلام) دخول فلسطين مع الأسباط الهاربين من مصر. ثم غزوة يوشع لتخوم فلسطين. ثم تأسيس مملكة اليهود الأولى في عهد شاؤول. ثم عودة اليهود من بابل بعد السبي بزعامة زرو بابل.
صفحة 152
ثم ثورات اليهود في فلسطين ضد حكم البطالسة والرومان. ثم محاولات اليهود في العصور الحديثة شراء أراض في فلسطين. يمارسون فيها حياة الاستقرار. وأخيرا إنشاء دولة إسرائيل الحالية. ويزعمون أن هذه كلها حركات صهيونية خالصة وبالنسبة للشق الثاني من الوعود الإلهية ـ على زعم اليهود ـ فإن من الحركات الصهيونية البحتة حركة سبتاي زيفي الذي قام في سالونيك عام 1666 م مدعيا أنه المسيح المنتظر، . ابتغاء تجميع اليهود تحت زعامته لتحقيق نبوءات التوراة. وعلى هذا فإن جذور الصهيونية تمتد إلى أعماق التاريخ اليهودي، والطابع الديني هو السمة الأصلية لنظرية الصهيونية، ويعترف الدكتور سلومون شختر (1) بهذه الحقيقة حيث يقول:
"حيثما يكون الصهيونيون عاملين نشيطين تكون اليهودية حية عاملة". وعلى أثر الثورة الإسلامية العربية في فلسطين عام 1355 ه (1936 م) ضد المؤامرات الاستعمارية والصهيونية فيها، شكلت حكومة الاتنداب البريطاني اللجنة الملكية البريطانية لعلاج مشكلة فلسطين وكان هدفها تقسيم البلاد بين العرب واليهود، وقد صرح زعيم الصهيونيين (وايزمن) أمام هذه اللجنة أن مبنى حق اليهود في فلسطين إنما هو وعد الله بأرض إسرائيل، وهذا هو سند اليهود الوحيد الذي لا سند سواه لجأ إليه وايزمن بعد أن خذلته سائر المزاعم والأسانيد المنطقية والقانونية. وتأييدا لذلك يقول:
(دافيد بن غوريون) مؤسس دولة إسرائيل:
إن الصهيونية الحقيقية لم تبدأ بهرتزل ومؤتمر بال، ولا بوعد بلفور، ولا بقرارات الأمم المتحدة عام 1948 م، لكنها بدأت يوم وعد الله أبانا إبراهيم وعده وقد ظلت دعوة اليهود لإحياء آمالهم في العودة إلى أرض الميعاد مستخفية طوال ثمانية عشر قرنا، إلا ما كان من بعض حاخاماتهم مثل (سبتاي زيفي) الذي سبقت الإشارة إلى حركته في ظلال ما أتاحه الحكم الإسلامي المتسامح لليهود في سالونيك التي كانت مدينة تابعة لدولة الخلافة العثمانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) 1847 ـ 1915
صفحة 153
وفيما يلي وثيقة نشرتها مجلة (فرنسا القديمة) ، تكشف عن طرف من نشاط اليهود وتدبيرهم الخفي (1) :
"في عام 1880 نشرت مجلة الدروس اليهودية التي تتقاضى نفقاتها من جيمس دوتشياد إستنادين يوضحان أن حكماء صهيون يعملون منذ القرن الخامس عشر (التاسع الهجري) في سبيل الفتح اليهودي. ففي 13 كانون الثاني سنة 1489 كتب شامور رباني مدينة ارل (من أعمال مقاطعة البروفنس الفرنسية) إلى المجمع اليهودي العالمي القائم في الأستانة (وهي إسلامبول عاصمة العثمانيين) يستشيره في بعض حالات حرجة، قال:"
إن فرنساويي إكس وآرل وماسيليا، يتهددون معابدنا فماذا نعمل؟ فورده الجواب الآتي:
أيها الأخوة الأعزاء بموسى، تلقينا كتابكم، وفيه تطلعوننا على ما تقاسونه من الهموم والبلايا، فكان وقع هذا الخبر شديد الوطأة علينا، وإليكم رأي المرازبة (الحكام) والربانيين:
بمقتضى قولكم أن ملك فرنسا يجبركم أن تعتقدوا الدين المسيحي فاعتنقوه، فإنه لا يسعكم أن تقاوموا، غير أنه يجب عليكم أن تبقوا شريعة موسى راسخة في قلوبكم. بمقتضى قولكم أنهم يأمروكم بالتجرد من أملاككم، فاجعلوا أولادكم تجارا ليتمكنوا رويدا رويدا من تجريد المسيحيين أملاكهم. بمقتضى قولكم أنهم يعتدون على حياتكم فاجعلوا أولادكم أطباء وصيادلة ليعدموا المسيحيين حياتهم. بمقتضى قولكم أنهم يعتدون على حياتكم فاجعلوا أولادكم وكلاء دعاوى، وكتبة عدل، وليتدخلوا دوما في مسائل الحكومة ليخضعوا ا لمسيحيين لنيركم فتستولون على زمام السلطة العالمية، وبذلك يتسنى لكم الانتقام. سيروا بموجب أمرنا هذا فتتعلمون بالاختبار أنكم من ذلكم وضعفكم تتوصلون إلى ذروة القوة والعظمة. في 21 كاسلو (تشرين الثاني) 1489 التوقيع:
أمير اليهود. V. S. S. V. F. F
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عن كتاب مؤامرة اليهود على المسيحية تأليف إميل الخوري ص 40 ـ 24
صفحة 154
الفصل الثاني مقومات الصهيونية
المبحث الأول: المقومات الدينية
أولا: امتلاك فلسطين والأقطار المجاورة لها:
يعتقد اليهود أن ملك فلسطين حق مشروع لهم، حيث وعد الله به ذرية إبراهيم (عليه السلام) في التوراة:
"واجتاز ابرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة، وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض، وظهر الرب لإبرام، وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض، فبنى هناك مذبحا للرب الذي ظهر له (1) ".
ثم وجه هذا الوعد، ولما يتحقق بعد، إلى إسحق بن إبراهيم، (عليهما السلام) :
"وكان في الأرض جوع غير الجوع الأول الذي كان في أيام إبراهيم، فذهب إسحق إلى أبي مالك ملك الفلسطينيين إلى جرار، وظهر له الرب وقال:"
لا تنزل إلى أرض مصر، أسكن في الأرض التي أقول لك، تغرب في هذه الأرض، فأكون معك، وأباركك، لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد، وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك (2) ". ومفهوم هذا النص أن الله قد اختص إسحق (عليه السلام) ونسله بجماع ما وعد به أباه إبراهيم ونسله، فيما عدا مصر التي أمره بعدم النزول فيها، والتي ينبغي أن تؤول بناء على هذا إلى إسماعيل (عليه السلام) ، لولا أن الله قد استثناه من ذرية إبراهيم (عليه السلام) فيما وعدها به ـ كما يزعم محرفو التوراة وقال إبراهيم لله:"
"ليت إسماعيل يعيش أمامك، فقال الله:"
بل امرأتك تلد لك ابنا وتدعو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين 6، 7
(2) الإصحاح السادس والعشرين من سفر التكوين 1 ـ 3
صفحة 155
اسمه إسحق، وأقيم عهدي مها عهدا أبديا لنسله من بعده. وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا بلد، واجعله أمة كبيرة، ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده سارة في هذا الوقت في السنة الآتية (1) ". ثم وجه هذا الوعد مرة أخرى إلى يعقوب ثم إسحق (عليهما السلام) في صورة حلم تراءى ليعقوب وهو نائم في أرض حاران، وورد ذكر تمليك أرض كنعان لموسى وهارون (عليهما السلام) (2) . وبعد وفاة موسى وجه الله وعده إلى خليفته يوشع بن نون في صورة أكثر تفصيلا:"
"موسى عبدي قد مات، فآلان قم أعبر هذا الأردن، أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم (أي لبني إسرائيل) . كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته، كما كلمت موسى، من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات، جميع أرض الحيثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخومكم (3) ". وجاء الوعد الإلهي أخيرا إلى داوود (عليه السلام) ونسله على لسان ناثان النبي (4) ، وتكرر ذكر الوعد الإلهي في أسفار شتى، كما رددته المزامير في أكثر من موضع، ومن ذلك:
"لأن الله يخلص صهيون ويبني مدن يهوذا، فيسكنون هناك ويرثونها، ونسل عبيده يملكونها، ومحبو اسمه يسكنون فيها (5) ". هكذا تكررت الوعود الإلهية بملك اليهود لفلسطين، وكأنما وجهت متتالية لمجرد التشويق والإثارة لا للتنفيذ، فهي توجه لهذا تارة ولآخر تارة أخرى من غير أن تتحقق لا لهذا ولا لذاك.
ثانيا ـ فكرة المسيح المنتظر: