فهرس الكتاب

الصفحة 2353 من 3028

ومظاهر الطبيعة الأخرى التي قد تعطي ظلا من الاختلاف. كالليل والنهار مثلا إنما تعطي في الحقيقة التكامل الذي أشرنا إليه وهو ما يشير إليه القرآن الكريم. (وجعلنا الليل لباسا، وجعلنا النهار معاشا) (عم: 10، 11) . من ثم فلا تناقض متى وجد التكامل بل إنها كلها تسير وفق نظام رسمه لها خالقها (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) (يس: 40) . ولا يقع التناقض ولا الصراع إلا أن تخرج المادة عن نظامها الذي خلقها عليه خالقها فالذرة لا تنفجر حتى يختل ترتيب الالكترونات والبروتونات ومثل الذرة كل مظاهر الكون والطبيعة لا تختل حتى تخرج عن نظامها المفطور أو مدارها المرسوم. ومثل الطبيعة الانسان لا تناقض فيه بين الذكر والأنثى بل تكامل وتزاوج (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) (الروم:21) والتناقض والتنافر لا يتأتى. إلا أن يخرج الرجل عن طبيعته أو تخرج المرأة عن طبيعتها ولا تناقض داخل الانسان نفسه لا تناقض بين روحه وجسده بل كذلك تكامل وتزاوج ولا يأتي التناقض والتنافر حتى تطغى إحدى القوتين على الأخرى. فيتوهم الانسان أن يمكن أن يعيش جسدا بغير روح يلبي رغائب الجسد وشهواته وفي مقدمتها شهوتي البطن والفرج. وينسى أن له روحا لها غذاء ولها أشواق ولا بد معها من الظوابط للقوة الأولى قوة الجسد. أو يتوهم الانسان أن يمكن أن يعيش روحا بلا جسد فيعرض

صفحة 119

عن مطالب الجسد أو يكاد فيرهق نفسه بالصيام دهرا، وبقيام الليل كله وينسى سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه و (آله) (إن لربك عليك حقا، ولبدنك عليك حقا فاعط كل ذي حق حقه) . وبذا ينهار جدل"ماركس"ومن قبله جدل"هيجل"وتعيش الحقيقة الخالدة (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (الذاريات: 49) .

صفحة 120

المبحث الثاني الماركسية والدين كان لا بد من هذا المبحث وإن استغنينا عن كثير من مباحث الماركسية

أولا: لأن كثيرا من المتمركسين يزعمون أن لا كفر في الشيوعية ولا إلحاد.

ثانيا: لأن النغمة الجديدة التي صاروا إليها أو ساروا بها هي كان الجمع بين الماركسية والدين فلا تعارض بينهما. ونحاول أن نبين موقف الماركسية من الدين. ثم نبين بعد ذلك موقف الدين من الماركسية وهل يمكن أن يرقع بها الدين أو يكمل بها"نقصه".

أولا ـ موقف الماركسية من الدين:

لم يخف ماركس رأيه في الدين. بل إن الدين ـ على قرنه التاسع عشر في أوروبا ـ كان تمهيدا طبيعيا للماركسية كما قلنا بما آل إليه أمره من تعقيد في العقيدة ثم بما آل إليه أمر أهله أو رجاله من تنفير وتشويه بعد التحريف والتأويل وماركس وأتباعه يردد في أكثر من مكان أن الدين"أفيون"الشعوب ومخدر الفقراء وأنه انعكاس لشقاء فعلي واحتجاج على هذا الشقاء (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) روجيه جارودي ـ المرجع السابق ص 143 ومابعدها والدكتور عبد الحليم محمود في بحثه الإسلام والشيوعية ص 31 والإسلام في وجه الزحف الأحمر محمد الغزالي ص 50 وما بعدها جمال عبد الناصر عن الشيوعية في كتاب (حقيقة الشيوعية)

صفحة 121

وظلت الماركسية تعتز موقفها من الدين طوال صدامها مع الكنيسة حتى إذا قيض للماركسية أن تجد لها أتباعا في شرقنا الإسلامي. فإنها بدأت تراجع موقفها من الدين لتتخذ إزاءه"خطة مرحلية"بعد ما وجدت من عقيدة الإسلام صخرة صلبة تقف في طريقها وكان أن قرر بعض المؤتمرات الشيوعية ضرورة الابتعاد عن الهجوم على الدين وتلا ذلك نصائح بعض مفكريهم بعدم إنكار أثر الدين وبمحاولة الاستفادة منه وهكذا يقول أحدهم:

"وإن هناك لأملا كبيرا مشتركا بين ملايين المسيحية في العالم وبين ملايين الشيوعيين وهو أن نبني المستقبل دون أن نضيع شيئا من ميراث القيم الانسانية التي جاءت بها المسيحية منذ ألفي عام ويضيف أن تكذيب صيغة"أفيون الشعوب"التي لخص بها ماركس ولينين تجربة لا سبيل إلى نكرانها، ليس قضية فحسب بل هو أيضا أمر ممارسة سياسية واجتماعية (1) ."

ثانيا ـ موقف الدين من الماركسية:

ونحن نقصد بذلك ديننا دين الإسلام. فلئن كان في ظروف الدين المسيحي ـ على وضعه الحالي ـ ما أتاح للماركسية أن تنتهكه بل أن تلتهمه فليس في ظروف ديننا شئ من ذلك. ليس في ديننا ذلك التعقيد في العقيدة. وليس فيها أقانيم ولا تثليث ولا إشراك. وليس في ديننا شئ من التحريف أو التشويه. كما حدث لدين المسيح (عليه السلام) مما حدا بمفكري الماركسية أن ينظروا إلى الدين على أنه مشروع إنساني"أي جهد بشري".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) روجيه جارودوي ـ المرجع السابق ص 202 ـ وإن كان يعترف في نفس الوقت بإلحاد الماركسية ويميز إلحاد الماركسية عن إلحاد القرن الثامن عشر الذي كان في جوهره سياسيا وإلحاد القرن التاسع عشر الذي كان بصورة عامة إلحاد علموي (يقصد علمي) أي من تناقض العلم مع دينهم في ذلك الحين ويسمى الإلحاد الماركسي إلحاد القرن العشرين ويقول أنه في جوهره إنسي ص 143، 144 المرجع السابق وهو يعتبر الدين جهدا إنسانيا ص 163

صفحة 122

ولا وقف علماء الإسلام من العلم مثل ما فعل رجال الدين المسيحي مع العلم والعلماء في القرون الوسطى ومن ثم فإن موقفنا من الماركسية يختلف عن موقفهم. ومحاولة التوفيق أو"التلفيق"التي يصنعها"أذكياء"الماركسية للتدليس أو التدسس إلى الإسلام بإعلانهم قبول الإسلام عقيدة والاشتراكية العلمية منهجا محاولة مفضوحة مردودة أولا: لأنه واضح فيها التكتيك المرحلي وهو ما كشفت عنه كثير من كتابات مفكريهم بل ما أوصى به بعض مؤتمراتهم.

وثانيا: سواء اعتبروا تلك"المصالحة"أو التوفيق"تكتيكا"مرحليا أو قبلوه استراتيجية دائمة أو حتى أدخلوه في نظريتهم واعتبروه جزءا من أيديولوجية (عقيدة) دائمة على كل هذه الفروض. فإن ذلك العرض مرفوض. لأن القول بأن الإسلام عقيدة والاشتراكية العلمية منهج. قول يتنافى مع طبيعة الإسلام فهو عقيدة ومنهج حياة وهو في هذا لا يقبل التجزئة ولا التفرقة ولا المساومة. ولا التلفيق ولا الترقيع! ويسمى كل ذلك:

كفرا. وفتنة. وجاهلية. ومحادة لله ورسوله. (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ( البقرة: 85) .

صفحة 123

(واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) (المائدة:49) . (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) (المائدة:50) . (اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) (البقرة:278، 279) . وإذا كان الأمر كذلك فإن الذين صنعوا الدين رجال وهم رجال ولهم أن يصنعوا مثل ما صنعوا ومن ثم لهم أن يشرعوا"الماركسية"كما شرع البابوات"المسيحية". وليس في ديننا صكوك غفران ولا قرارات حرمان. وهو في هذا منطقي من عقيدته ومع شريعته. فعقيدته أن"الشرع"كالخلق خالص حق الله. (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) (الأعراف: 54) . والألوهية التي نرفعها لنا شهادة وشعارا ونقر بها لله سبحانه وتعالى وننفيها عمن سواه هذه الألوهية من معانيها التسليم لأمر الله وشرعه. وشريعته كذلك:

شملت كل نواحي الحياة (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: 89) تشمل الحياة الانسانية. والحياة الاجتماعية والحياة الاقتصادية ولا يمكن فيها فصل حياة عن حياة. ومن ثم فللماركسية أن تبحث لها دين آخر.

صفحة 124

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت