(1) يشير إلى هذا المعنى مورو بيرجر ص 325 حين يقول: وقد يتطلب تعميق هذا المعنى وتحويله إلى رغبات وأذواق ومشارب تلقائية حرة عملية تثبيت طويلة تعنيفا بوسائل أقل تعنيفا وتحكما وذلك بعد إشارة إلى التغيير الاجتماعي بالطريق العسكري ـ كتاب العالم العربي اليوم ـ المرجع السابق. ونهدي إلى الغرب قول عصمت اينونو وهو في مرض موته إنني لا أكاد أصدق ما أرى لقد بذلنا كل ما نستطيع لانتزاع الإسلام من نفوس الأتراك وغرس مبادئ الحضارة الغربية مكانه فإذا بنا نفاجأ بما لم نكن نتوقعه لقد غرسنا العلمانية فأثمرت الإسلام (المجتمع العدد 256 21 جمادي الثانية 1395 ه يوليو 1975 م) .
صفحة 97
وأخيرا لقد انكشف هذا الأسلوب وتعرى وأساء العسكريون إلى أنفسهم وإلى الذين يعملون لحسابهم وأساءوا أكثر مما أحسنوا. وإذا كان الغرب بحصافته قد أدرك فشل الأسلوب القديم. أسلوب احتلال الشعوب بالقوة العسكرية، فعليه ـ بحصافته ـ أن يدرك قبل فوات الأوان فشل الأسلوب الجديد أسلوب تغيير الشعوب بالقوة العسكرية عن طريق الانقلابات العسكرية. هذا عن الأسلوب الجديد فماذا عن الهدف الجديد؟
ثانيا:
بالنسبة للهدف كان الغرب"ذكيا"حين أدرك في وقت مناسب أو متأخر أن التنصير كهدف لحملته الفكرية المؤيدة بالقوة العسكرية خارجية أو داخلية أن ذلك الهدف فشل وأنه برغم الجهود الضخمة البشرية والمالية والإعلامية والتعليمية فإن النسبة التي تم تنصيرها من المسلمين نسبة تافهة يمكن أن تلحق بالعدم لتكون النتيجة سلبية تماما! لذا كان البديل عن التنصير وإخراج المسلمين عن دينهم هو التغيير والاكتفاء بإبعاد المسلمين عن دينهم. وهو ما تبذل له الجهود اليوم من تعليم علماني، وإعلام علماني، وقانون علماني، وتحرير المرأة من زيها ومن بيتها ثم ما يبذل من حط لقيمة ـ الدين وقيمة علمائه ودعاته. فهل يا ترى نجح الهدف الجديد؟ نجاح أمر يتعلق بالأمم والشعوب لا يحكم عليه في سنين ولا في جيل فقد لا تظهر نتيجته إلا بعد أجيال قد تكون النتيجة الواضحة أن التغريب نجح في إبعاد المسلمين عن دينهم بما فيه من قيم إيمانية وقيم أخلاقية، وقيم قانونية وأن المسلمين استبدلوا به من قيم الغرب حتى في عاداتهم وفي لبسهم وفي طريقة أكلهم وشرابهم. في تعاملهم و"أتيكيتهم"! لكن هذه النتيجة مشكوك في صحتها.
صفحة 98
إنه على قدر عمق التغيير"الاجتماعي"الذي حدث استبدالا بقيم الإسلام قيم الغرب وتقاليده فلقد حدث على نفس العمق أكبر استمساك وإصرار على النظام الإسلامي عقيدة وأخلاقا وعبادة وقانونا وماج العالم الإسلامي بحركات كثيرة وعميقة وأحيانا عنيفة تدعو إلى الإسلام كمنهج متكامل للفرد والأسرة والمجتمع والدولة! وبدا أن الجمر يتقد تحت الرماد فهل يتركونه حتى يكون نارا يحرق وفي نفس الوقت نورا يضئ. أم يحاولون أن يأخذوا نوره وأن يتقوا ناره؟ على الذين يمارسون التغيير أن يحذروا فقد تصيبهم النار قبل أن تغشى عيونهم النور وعليهم أن يغيروا من هدفهم فلقد انكشف للناس وخير للغرب أن يبتعد عن فتنة المؤمنين عن دينهم فإن السهم قد يرتد أول ما يرتد إلى صدره، وقد تصيبه النار قبل أن يرى النور خير أن يحتفظ"بصداقة"الشرق الإسلامي، ويحافظ على مصالحه الاقتصادية والتجارية فيه من أن يصر على التغيير فيفقد هذه المصالح ويجني العداء إلى الأبد إن المسلمين لا يعادون الذين لا يقاتلونهم في الذين ولا يخرجونهم من ديارهم بل إنهم على العكس يسالمونهم، ويبروهم، ويقسطون إليهم فذلك أمر دينهم (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (المجادلة:8) . لكنهم في نفس الوقت ينقلبون مع الزمن، طال أو قصر، إلى أسود غضاب إزاء من يقاتلهم في دينهم ويفتنهم فيه وإزاء من يخرجهم من ديارهم ويسلبهم أوطانهم ذاك أمر ربهم (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) (المجادلة:9) .
صفحة 99
خير للغرب أن يدرك أنه يمكن لحضارته أن تعيش إذا تركت حضارة الإسلام كذلك لتعيش وأنه يمكن للحضارتين أن يتعايشا (لكم دينكم ولي دين) (الكافرون:6) وأنه خير أن تتعايش الحضارتان من أن تصر حضارتهم على العيش وحدها فتفنى بإذن الله وحدها لأننا نؤمن أن الله حافظ دينه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: 9) ، (والله متم نوره) (الصف: 8) ، (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (التوبة: 32) ـ فأي الطريقين يختارون؟ ولا يخشى الغرب أن يغزون الإسلام مرة أخرى فحسبنا اليوم وسائل الإعلام. وحسبنا اليوم وعي الناس. وحسبنا اليوم أن نترك لهم الخيار فإنه (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (البقرة: 256) . وحسبنا درس الامتداد العضوي الذي مارسته تركيا من غير بسط فكري ولا عقائدي فارتد المد جزرا أصاب الأمة في كبدها وفي قلبها حسبنا الدرس التاريخي أن نكرره مرة أخرى. وحسبنا أن ننظم بيتنا ونضمد جروحنا ونستعيد أنفسنا فأمامنا لذلك سنين إن لم يكن قرون! ولا نترك هذا التعقيب حتى نقول لأبنائنا وأخوتنا ممن لا يزالون منخدعين وإن كانوا قلة فإنهم أعزاء علينا أن يفارقوناويفارقوا قومهم نقول لهم
صفحة 100
إن في الغرب بضاعتين بضاعة يزجيها إليكم وبضاعة يضن بها عليكم فأما التي يزجي فإنها تسلبكم أخلاقكم، وقيمكم، وتاريخكم، وشخصيتكم وأما التي يضن فهي سر تفوقه المادي عليكم هي علمه وفنون صناعته (تكنولوجيته) فما بالكم أقبلتم على التي يزجي وتركتم التي به يضن فما حصلتم غير القشور غير الزبد وتركتم ما ينفع الناس! إن في خزائننا الجواهر وإن علاها التراب من طول الزمن وكثرة الكيد (1) وإن ما عندهم سراب خادع أو معدن براق لكنه غير أصيل فلا ينبغي أن نترك الجواهر في خزائننا لنمد أيدينا للمعادن غير الأصيلة ما ينبغي أن تكون اليد المتوضئة هي السفلى واليد الأخرى هي العليا فكيف إذا كانت اليد المتوضئة تملك الجواهر كيف ترضى أن تمتد وأن تكون هي السفلى وذلك لا يمنع من أن نستفيد بعلم الغرب وتجربته. من غير أن نهجر قيمنا، ومبادئنا، وأخلاقنا، وعقيدتنا من غير أن نترك ديننا فلا تبيع ديننا ولو كان بالدنيا كلها!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقول الشاعر: إن الجواهر في التراب جواهر والأسد في قفص الحديد أسود
صفحة 101
الباب الثاني الاتجاه الماركسي الفصل الأول:
الوعاء الفصل الثاني:
المبدأ الفصل الثالث:
ماذا فعلت الماركسية بالمسلمين
صفحة 103