فهرس الكتاب

الصفحة 2312 من 3028

هـ ـ تضاؤل دور الأسرة: كان للأسرة دور كبير في مرحلة ما قبل اكتشاف النفط؛ حيث كانت الأسرة وحدة واحدة، كان الأفراد جميعًا يعملون في إطار ومحيط الأسرة، كان الأب يرث مهنته من والده، ويعمل معه في الحقل والمتجر، كانت الأسرة تلتقي جميعًا يعيش الشاب والفتاة وقتًا طويلًا مع أسرتهم، فتقلص دور الأسرة مع عصر النفط، ومع تغير فرص وميادين العمل واتساع التعليم، ونحن مقبلون على تقلص أكبر، وهذا ميدان خطير يتطلب منا إعادة النظر في إيجاد مساحة أكثر للأسرة، ونحن اليوم أصبحنا في صراع مع الآخرين على أبنائنا، وصراع مع الآخرين على بناتنا.

فرص العمل: مشكلة كبرى، وتبدأ هذه المشكلة من القبول في التعليم الجامعي؛ فالآن ومع زيادة النمو السكاني بدأت تتضاءل فرص القبول في التعليم الجامعي؛ فنسبة كبيرة من الطلاب والطالبات الذين يتخرجون من المرحلة الثانوية لا يجدون لهم فرص قبول في التعليم الجامعي. ثم تنشأ مشكلات العمل بعد التخرج من الجامعة، وهذا لا شك سيولد إفرازات اجتماعية وتربوية ينبغي أن توضع في الاعتبار.

الصراع العربي الإسرائيلي: ونحن قريبون من منطقة الصراع، وبغض النظر عما يؤول إليه هذا الصراع مع الأحداث القريبة الساخنة، فإما أن تسخن الأوضاع وتنقلب، أو أن تستمر عملية التطبيع. وكلا الأمرين سيكون له أثر في المستقبل على المنطقة وعلى ثقافة المنطقة.

هذه باختصار إشارة سريعة إلى هذه التحديات التي تفرض علينا أن نعيد النظر في تربيتنا.

وهذه بعض التوصيات والأفكار التي ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار في تربيتنا من خلال المتغيرات التي أشرت عليها في بداية هذا الحديث؛ لنتواكب مع هذه الظروف الجديدة التي تمر بنا.

التغيير التربوي المرتقب:

التفاؤل: من أول مايجب علينا: الحذر من اليأس، وسيطرة الشعور بعدم إمكانية التغيير، أو استحالة التربية في ظل هذه المتغيرات، وحديث كثير من الإسلاميين الغيورين على واقع الأمة عن تداعيات العولمة حديث يقود كثيرًا من الناس إلى اليأس والقنوط. إن إدراك سوء الواقع ومرراته، والحرص على إثارة تفاعل الناس مع الواقع، قد يقودنا إلى مبالغة في الحديث لا ندرك آثارها.

ومما يزيد الطين بلة أن كثيرًا من المتحدثين يقف عند ذكر المخاطر والآثار، دون أن يتحدث عن برامج عملية لمواجهة المتغيرات -وهذا مايحتاجه الناس- والبرامج التي تقدم معظمها غير واقعية تزيد الناس يأسًا من التغيير.

والذي يبنغي مراعاته عند الحديث عن هذه المتغيرات:

الاعتدال وعدم المبالغة.

الاعتناء بتقديم الحلول والبرامج العملية للناس.

تلمس الجوانب والمداخل التي يمكن الإفادة منها وتوظيفها مهما كانت محدودة.

الاعتناء بالتربية الإيمانية: فينبغي أن نعتني بها أكثر من ذي قبل، وهي للأسف يتقلص دورها كثيرًا .

? ففي دائرة الأسرة: الأسر المحافظة تحافظ على أولادها وبناتها، وتراقب حالات الانحراف والتغير، وربما تحول بين أولادها وبناتها وصحبة أهل السوء، لكنها تقف عند هذا الدور، فهي تمارس مهمة الحماية فحسب. وقلما نجد من الأسر المحافظة فضلًا عن الأسر المتفلتة من تعتني ببناء أولادها.

? وفي دائرة المدرسة نتساءل: إلى أي حد مدارسنا اليوم تربي أبناءنا وبناتنا على حقائق الإيمان والتقوى والصلاح؟ ماذا يسمع أبناؤنا وبناتنا اليوم في مدارسهم؟ هل يجدون فيها ما يرقق القلوب وما يصلهم بالله عز وجل؟ أم أنهم يعيشون في عالم أحسن أحواله أنه عالم مادي بحت يعيش مع المعرفة المجردة فقط بعيدًا عن هذه المعاني المهمة؟

? إن الإيمان يقي صاحبه ويحميه من الوقوع في الرذائل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:' لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ' رواه البخاري ومسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي، وأحمد.

وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:' وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ'

قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:' الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ'رواه البخاري . والإيمان له أثر آخر على صاحبه، فهو يسمو بالنفس ويعلي أهدافها، ويجعل صاحبها يتعلق بالدار الآخرة أكثر من تعلقه بالدنيا.

? وثمة عوامل تدعونا إلى بذل مزيد من الاهتمام بالتربية الإيمانية، ومنها:

أن المتغيرات الجديدة تتسم بانفتاح هائل للشهوات، وأبواب الفساد المحرمة، من خلال القنوات الفضائية وشبكة الإنترت، والانفتاح المتزايد على العالم الآخر.

أن المتغيرات الجديدة تزيد فيها الماديات ويعلو شأن تعلق الناس بها، حتى الصالحون منهم يصيبهم مايصيبهم في ذلك. إن وسائل الاتصال المعاصرة ومصادر الثقافة الجديدة تنقل الناس إلى عالم مادي بحت لاصلة له بما وراء المادة المحسوسة، ولا صلة له بالدار الآخرة وما يدعو إليها، بل إن الفتنة بالمنهج العلمي تقود إلى التشكيك في كل مالا تدركه حواس الناس القريبة. كل هذا يدعو إلى الاعتناء بتدعيم التربية الإيمانية وتقويتها في كافة المؤسسات التربوية.

?والتربية الإيمانية لابد أن يراعى فيها:

المعنى الشرعي للإيمان، وشموله لكافة جوانب الحياة، وعدم التركيز على مجرد أداء الشعائر بل الاعتناء بالأصل وهو أعمال القلوب.

تقوية الحماية الداخلية: تقلل المتغيرات الجديدة من فرص الضبط الخارجي والسيطرة، ومن ثم لابد من تقوية الحماية الداخلية، التي تجعل المرء يراقب الله، ويستطيع السيطرة على نفسه وضبطها، ومن الوسائل التي تعين على تقوية الحماية الداخلية:

أ - الاعتناء بالإقناع: فالتوجيهات التربوية التي يتلقاها المتربون في مجتمعاتنا تعتمد على التوجيه المباشر، وتعتمد على تلقين النتائج والأحكام، وهذا لو نجح مع جيل لا يتعامل إلا مع من يربيه، فإنه لن ينجح مع جيل لايعد المربي فيه على أحسن أحواله إلا واحدًا من العوامل المؤثرة على المربي، وهذا يتطلب مراجعة شاملة لمحتوى المواد التربوية، ولأساليب تقديمها، وإلى اعتبار القدرة على الإقناع من أهم معايير اختيار المربين.

ب - تنمية قدرات الانتخاب والاختيار واتخاذ القرار: ومراعاة ذلك من خلال ما يقدم للمتربين، سواء في اختيار موضوعات ضمن البرامج العلمية والثقافية تحتاج إلى الاختيار واتخاذ القرار، أو في طريقة تقديم المادة العلمية بحيث يعطى المتربي الفرص في التدرب على الاختيار واتخاذ القرار تحت إشراف المربين، مما يزيد من قدرته على الاستقلال بنفسه في ذلك، أو في وضعه في مواقف عملية تتطلب الاختيار بين البدائل واتخاذ القرار.

ج - تنمية الإرادة وتقويتها: تعتمد العوامل والمتغيرات الجديدة على إثارة الشهوات والغرائز، التي كثيرا مايؤتى منها المرء من جهة ضعف إرادته، وقلة قدرته على ضبط نفسه، والذي يعينه على ذلك بالإضافة إلى صحة العلم والإدراك: قدرته على مواجهة دواعي النفس وغرائزها، ومن ثم كان لابد من الاعتناء بتقوية الإرادة، بالإضافة إلى تقوية التربية الإيمانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت