آية الله محمد واعظ زاده أكد في افتتاح المؤتمر أن «مشاركة العلماء في مثل هذه المؤتمرات بما أحاط بها من الجو الودي والمناخ الأخوي تعتبر الخطوة الأولى في سبيل تحقيق الوحدة الإسلامية» ، مشددًا على «ضرورة تبادل الآراء والأفكار بين المسلمين المختلف فيها والاعتراف بالجانب الآخر من كتب وعلماء ومواريث علمية وآراء سديدة والاحترام المتبادل فيما بينهم» .
الشيخ أحمد كفتارو مفتي سورية ورئيس محلس إفتائها الأعلى لم تسمح له ظروفه الحضور شخصيًا إلى المؤتمر إلا أنه كان حاضرًا من خلال الكلمة التي ألقاها بالنيابة عنه الدكتور أحمد راجح والتي أكد خلالها أن «تعدد الشعوب في أمة الإسلام لا يعتبر مشكلة، بشرط أن يكون الإسلام هو الموجه لها والحاكم لتصرفاتها وسلوكها، وذلك لأن الإسلام يزيل كل الفوارق بين هذه الشعوب، من خلال العقيدة والعبادة والأحكام والأخلاق والآداب، وإذا وجد الاختلاف ـ أحيانًا ـ إنما يكون اختلاف تنوعٍ واتساعٍ، يعطي السماحة واليسر، لا اختلاف صراع يولد العداوة والبغضاء» . واشار إلى أن «الانتماء إلى الأمة الواحدة لا يلغي الانتماء إلى الأوطان والأجناس، بل يصونها بالاحترام والتقدير» ، فالإيمان بالله «هو القاعدة الأساسية التي ينطلق منها الإنسان لفعل الخيرات وترك المنكرات، مع تزكية النفس وتطهير القلب» .
وتوصل الشيخ كفتارو إلى أن «الإسلام واحدٌ معروفُ الأصول، بيّن الأهداف، واضح المصادر، وهذا لايتعارض مع تنوع المشارب، وتعدد المذاهب، واختلاف المدارس، إذا تعايشت في ظل رحابة الإسلام وسماحته ويسره» ، وقال «إن اختلاف الآراء والمذاهب تحت مظلة الإسلام هو دليل إيجابي على اتساع دائرة الإسلام لاستيعاب كل القضايا المستجدة في الحياة، ولا يضيق الإسلام بأي مشكلة مهما كانت في إيجاد الحكم لها، ليكون المسلمون على بينة من أمرهم» .
وطالب الدكتور صهيب الشامي عضو مجلس الإفتاء الأعلى ومدير اوقاف حلب في كلمته التي ألقاها باسم وزارة الأوقاف السورية بتحصين الأمة الإسلامية من الداخل والعمل لوضع مشروع مستقبلي يستبعد كل ما يفرق ونحرص من خلاله على كل ما يجمع مستوعبين كل المستجدات على الساحة الإقليمية والدولية بحيث يكون الضمان للتقارب والوحدة»، وتوقف الشامي عند الثورة الإسلامية ومناهضتها للكيان الصهيوني ودعمها للحقوق العربية المغتصبة، مؤكدًا أن «سورية تؤمن بوحدة المصير مع الثورة الإسلامية الإيرانية وأن العلاقة بين البلدين هي رؤية استراتيجية» .
ورغم عدم وجود ضوابط حادة للتفريق بين الموضوعات المتفرقة المطروحة إلا أن جميع الأوراق التي ألقيت انطلقت من أن وحدة الأمة الإسلامية هو مبدأ إسلامي وعقيدة قرآنية وهدف إيماني وضرورة حياتية، وقضية عاجلة حاسمة في عصر التكتلات والهيمنة والسيطرة الإعلامية والثقافية، كما أن من أهم عوامل دفع هذه الوحدة نحو التحقق توجيه كل التطلعات إلى المستقبل، إلى مستقبل مناهجنا العلمية والثقافية ومناهجنا التربوية والإعلامية والاقتصادية والسياسية، كي تتقرب الرؤى والمواقف والمسير، وحث الخطى على طريق تحقيق الأمل المنشود.
وقد عبرت ورقة المجمع العالمي للتقريب عن أن الأمل في الوحدة له رصيده الكبير في المشتركات الكبرى التي تجمع الأمة في مسيرها ومصيرها، وفي تحقق وجود مثل هذه الأمة الموحدة عبر قرون متمادية خلت، وفي تجربة التكتلات العالمية الحالية.
وتأتي هذه الندوة انطلاقًا من إيمان المجمع العالمي للتقريب بضرورة الوحدة وبوجود كل مقومات تحققها، وبلزوم استشراف المستقبل، ويمكننا أن نجمل المحاور التي تحدث من خلالها العلماء والمفكرين فيما يلي:
أولًا: وحدة الأمة في تحديد مقاصد الشريعة الإسلامية.
ثانيًا: وحدة الأمة في حقل الدراسات الفقهية المقارنة.
ثالثًا: وحدة الأمة في حقل إحياء التراث الإسلامي المشترك.
رابعًا: وحدة الأمة في حقل المناهج المدرسية والجامعية.
خامسًا: وحدة الأمة في التحول إلى حالة رسالية.
سادسًا: وحدة الأمة في طل سيادة الخلق الإسلامي وروح الحوار.
سابعًا: وحدة الأمة في مواجهة التحديات المشتركة وعلى رأسها الصهيونية العالمية.
ثامنًا: وحدة الأمة في حقل تفعيل المنظمات الإسلامية وخاصة منظمة المؤتمر الإسلامي وفروعها.
تاسعًا: وحدة الأمة في حقل الإعلام المشترك وتبادل المعلومات.
عاشرًا: وحدة الأمة في حقل التعاون الاقتصادي والاكتفاء الذاتي.
وتحدث في الجلسة الأولى الدكتور مصطفى الرافعي أحد رواد التقريب بين المذاهب في لبنان والذي أشار إلى أن هذا اللقاء وجه من وجوه الأخوة الصادقة، وهو دعوة إلى المحبة والسعي الحثيث لجمع الكلمة والوحدة الإسلامية الشاملة، وقال إن صلاح الأمة الإسلامية اليوم يرتبط بوحدتها، منوهًا بأن التقريب لا يعني التوحيد، خاصة وأن الخلاف ليس على جوهر الدين وأصوله وإنما خلاف في الفروع.
وقال مدير أوقاف طرطوس محمد عبد الستار السيد في الورقة التي ألقاها أن كل دعوة باسم الإسلام تفرق ولا توحد لا علاقة لها بالإسلام مهما لبس أدعياؤها من أشكال الدين، ولا عذر لأحد بقطع حبل الأخوة والقضاء على البقية الباقية من أواصر الوحدة، «فالمسلمون هو المسلمون سواء اتبعوا إمامًا من أئمة آل البيت الكرام أو مجتهدًا من مجتهدي جمهور المسلمين» ، ثم أضاف: «الرب واحد والنبي واحد والقرآن واحد والجبهة واحدة والغاية واحدة والمصير واحد، وإن اختلفت الوسائل وتعددت المذاهب، ولا ريب أن حرص الدين الإسلامي على وحدة أفراده كبر من كل أنواع المذهبية والتعددية، فلا فرقة ولا تفرق بسبب الدين أبدًا، وإنما اختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية» .
وحدد الشيخ السيد الأزمة بأنها «أزمة رجال يجيدون فن الدعوة والتوجيه والتربية وبناء الرجال» وقال: «كفانا دعاة يمزقون ولا يوحدون يشتتون و لايجمعون» ، ويتساءل: «ما هو السبيل؟» ، ثم يجيب «أنه القرآن الكريم» ويستطرد: «لقد كنا بفضل القرآن الأمة الأعظم خيرًا والأغزر علمًا والأكثر إنتاجًا، والأعمق أثرًا بين الشعوب» ، وطالب الشيخ السيد بلجنة مختصة من كبار العلماء في العالم الإسلامي بحثت هذا البرنامج ليكون واضحًا بسيطًا فنستطيع أن نأخذ منه منهاجًا نسير عليه في سبيل تقويمنا وإصلاحنا ووحدتنا».
أما السيد عبد الله نظام فقد توقف عند المسائل الأساسية لدحض بها بعض المعلومات الخاطئة لدى كل مذهب عن المذهب الآخر فقام بتعريف الإسلام وبالفقه المقارن، مشيرًا إلى أن التقية لدى الشيعة لها شروطها الضرورية، وقائلًا بأن التعددية ضمن الوحدة الإسلامية ليست أمرًا سلبيًا، ثم اقترح تأسيس دار للتقريب أو مركز للدراسات الإسلامية.
وألقى الشيخ محمد مهدي نجف رئيس مركز الدراسات والبحوث الإسلامية التابع للمجمع العالمي للتقريب في إيران محاضرة تحت عنوان «وحدة الأمة ودور المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية» ، قام خلالها بالتعريف بالمجمع وبأهدافه المتبلورة في السعي في تحقيق تعارف أكثر بين علماء المذاهب، والسعي لإيجاد التنسيق وتشكيل جبهة واحدة، وإشاعة فكرة التقريب.
وشارك الشيخ الدكتور أحمد حسون مفتي حلب بمداخلة في ذات الإطار حمل فيها علماء الدين المسؤولية الكبرى في تحقيق مسألة التقريب بين المذاهب.