فهرس الكتاب

الصفحة 2298 من 3028

وقد تركت هذه النزعة الانحلالية آثارها على المجتمع المسلم، حيث انساقت بعض وسائل الإعلام نحو القيم الهابطة التي تتعارض مع هدي الإسلام، فزخرت بالبرامج الرديئة، ففقدت النصائح التربوية آثارها في نفوس الأبناء والأجيال الصاعدة، كما احتلت مواد البث الإعلامي الغربي مكان الوظيفة التربوية للمدرسة والبيت، فأصبحت الأجيال المسلمة تعيش تناقضًا بين ما تتلقاه وتسمعه من وسائل الإعلام وما تقدمه لها المدرسة وينصح به الآباء.

أما الاتجاه الثقافي الموجه: فقد تصدرته الكنيسة والجمعيات الدينية الغربية، في محاولة للتنصير بين أبناء المسلمين في البلاد النامية، وجاء مساندًا للحملات والمنظمات الكنسية التي تنتشر في معظم أنحاء العالم الإسلامي في إفريقيا وآسيا على وجه الخصوص، امتدادًا لحركة التغريب التي بدأت في تركيا المسلمة، فظهرت العديد من المطبوعات من صحف ومجلات ونشرات، ثم استخدمت الإذاعة على المستوى القومي والشعبي، حيث استقلت بعض الهيئات الدينية النصرانية بمحطات خاصة ـ كما حدث في البرتغال وإيطاليا وهولندا ـ.

وفي عصرنا الحاضر: فإن حملات التنصير ما زالت تعمل من خلال وسائل الإعلام المختلفة، مثل إذاعة [مونت كارلو] ، و [صوت الغفران] ، و [مركز النهضة] ، وحيث تبث إذاعة [الفاتيكان] وحدها عبر ست موجات قصيرة، بثلاثين لغة عالمية، تعمل ضمن 40 محطة إذاعية تنصيرية، تبث أكثر من ألف ساعة أسبوعيًّا.

هذا بخلاف الصهيونية العالمية التي تسخر أكثر من [954] صحيفة ومجلة، تصدر في [77] دولة، تقوم عليها مجموعة كبيرة من محطات البث الإذاعي والتلفازي ومؤسسات الإنتاج المسرحي والسينمائي.

كما صاحب هذه الموجة من الإعلام الموجه حمى بث مشابهة استهدفت الإسلام والمسلمين في حملات مباشرة، فظهرت كتابات تطعن في عقائد المسلمين وتتناول الأنبياء والرسل بالتشكيك في رسالتهم وسيرتهم، بل إن بعض الاتجاهات العقائدية المشبوهة قامت أخيرًا بتبني حملة إعلامية منظمة ضد المسلمين، انتصارًا لآرائهم الضالة فأنشؤوا شبكات إذاعية تبث برامجها، مستهدفة المسلمين في آسيا والخليج وإفريقيا.

الدعوة الإسلامية والإعلام:

أهمية الإعلام الدعوي:

حسب العرض السابق: نلمس أن الإعلام يعتبر من أهم أدوات الأمة داخليًّا وخارجيًّا، ويعكس بالضرورة حقيقة الأوضاع السياسية والفكرية، ويقود الرأي العام في الداخل نحو التماسك الاجتماعي، مما يتطلب ضرورة الوصول إلى برنامج عام متميز يحقق إبراز رموز الأمة وحَمَلة الفكر فيها، مع افتراض درجة عالية من النقاء والوضوح.

وتظهر الأهمية أكثر عندما يكون للأمة فكر وعقيدة تسعى لنشرها وحمايتها عن إيمان وصدق ويقين.. وأمة المسلمين تحمل عقيدة الإسلام ورسالة التوحيد، فهى ـ ولا شك ـ في حاجة إلى تبليغ ما تحمله، ليس عن رغبة في الظهور، ولكن عن يقين وإيمان بأن ما تقدمه للناس هو الأصلح لهم والأنفع لدنياهم وآخرتهم.

وأمام إحكام السيطرة الغربية على وسائل الإعلام: فإن مخاطبة الغرب بأفكاره ومبادئه ـ التي هي في غير صالح المسلمين ـ تتم مباشرة لشعوب العالم الثالث، وضمنها الشعوب الإسلامية، مما أثر كثيرًا في معظم المجتمعات الإسلامية على حساب دعوتها وعقيدتها، حتى كادت أن تضيع ملامح الدين الحق بين إفراط وتسيب وتشدد ومغالاة.

ولعل مما يؤكد سوء النية في التدفق الإعلامي الغربي [الذي سارت عليه معظم الأجهزة الإعلامية في كثير من بلاد المسلمين أنفسهم] : ما تقوم به من حملات للنيل من الإسلام والمسلمين والطعن في معتقداتهم للنيل من عقيدة الأمة وتاريخها وتراثها بعامة، وبتشويه سيرة العلماء فيها، حتى أصبح التاريخ الإسلامي في الإعلام المعاصر لا يمثل سوى مواقف الثأر والغدر والتبذير، بل العشق والغرام.

الإعلام الإسلامي بين الواقع والواجب:

صحيح أن هناك محاولات ظهرت فيها بعض الزوارق الصغيرة تحاول الإبحار مع تيار الحق، تلك هي المجلات والصحف الإسلامية ـ ثم التلفاز بعد ذلك ـ لتحمل صورًا توجيهية وبرامج تتعلق بالدعوة الإسلامية، منها قراءة للقرآن الكريم، أو حديث ديني، أو ندوة، أو كلمة وعظ وإرشاد.. وبجانب بعض المحاولات التمثيلية والكتابات المسرحية، غير أنها اتسمت بقلة الإمكانات المادية نتج عنها ضعف في الإخراج وسوء الطباعة، رغم ما تحتويه بعضها من معلومات طيبة، مما جعلها غير قادرة على الوقوف في مواجهة المنافسة مع غيرها من الوسائل الحديثة.

ولكنها في النهاية صدرت تحت مسمى البرامج الدينية أو الصفحات الإسلامية في الصحف، بما كرس مفهوم المفاصلة بين ما تقدمه وسائل الإعلام من مواد عامة متنوعة وتلك التي حملت اسم الدين، فجعلها في عزلة، تعزيزًا للنظرة الغربية التي قامت على الفصل بين علوم الدنيا وعلوم الدين، متعارضة بذلك مع طبيعة الإسلام المتكامل الذي يجعل الحياة كلها عبادة.

ومما زاد عزلة هذه البرامج التي قدمت تحت مظلة الدين: أنها لم تحظ بنصيبها من الفن الإعلامي في التجديد والتسويق، وظهرت غريبة، وساعد على غربتها: تدني مستوياتها إخراجًا وتقديمًا بالنسبة إلى غيرها من البرامج الترويحية والمنوعات والرياضة... إلخ.

لهذه الأسباب وغيرها: تظهر الحاجة إلى إعلام ملتزم يحمل الدعوة الإسلامية بكل مفاهيمها وشمولها، مستقلًا عن المفهوم الغربي باتجاهاته المادية والعنصرية، حتى لا تقوم تلك الازدواجية بين ما هو برنامج ديني أقرب إلى الجمود منه إلى الحركة والعطاء، وما هو برنامج غير ديني مقيد بآداب المجتمع وقواعد الشرع، وبذلك يتحقق القضاء على الانفصام القائم بين الإعلام وبرامجه والشخصية السوية والنظرة المستقيمة، وبما يحرر الدعوة الإسلامية نفسها من هذه الأطر والنماذج التقليدية التي هي عليها ـ في كثير من وسائل الإعلام ـ للاستفادة من مميزات عدة تتميز بها هذه الدعوة الإسلامية، نذكر منها:

أولًا: الطبيعة الإعلامية للدعوة الإسلامية.

ثانيًا: قدرة الدعوة الإسلامية على استيعاب الوسائل المتاحة.

ثالثًا: تمايز المسيرة الإسلامية ومنطلقاتها.

أولًا: الطبيعة الإعلامية للدعوة الإسلامية:

فالدعوة الإسلامية ذات طبيعة إعلامية مميزة ولها سماتها التي تؤكد قدرتها على إبراز كافة عناصر الرسالة الإعلامية القادرة على التعامل بإيجابية بما يجعلها في مكان الريادة والقدرة في مجال الدراسات الإعلامية المعاصرة.

فحملتها أتباع دعوة المُرسِلُ فيها هو الحق [سبحانه وتعالى] : [[يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا] ] [الأحزاب: 45، 46] ، [[وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا] ] [الإسراء: 105] .

ومضمون الرسالة هو التوحيد وعبادة الله في الأرض: [[وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] ] [النحل: 36] .

والوسيلة هي الوحي الذي هو التعليم السري الصادر عن الله [تعالى] الوارد إلى الأنبياء والرسل [عليهم الصلاة والسلام: [[اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] ] [الحج: 75] ، [[وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ مَا يَشَاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ] ] [الشورى: 51] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت