فهرس الكتاب

الصفحة 2292 من 3028

وبما أن قوة المجاهدين الأفغان قامت علي أنقاض الاتحاد السوفييتي المتمثل في جنوده الذين هزموا أمام الأفغان , كان لابد من قتال الجندي الأمريكي مع الجندي الروسي , لأن الجندي الأمريكي هو المرادف للمجاهد الأفغاني , وإذا كان هذا الأخير قد تغلب علي الجندي الروسي كان من الضروري جدًا انتصار الجندي الأمريكي علي الجندي الروسي والتغلب عليه , فيربط المشاهد في ذهنه بين المجاهد الأفغاني الذي تغلب علي الجنود الروس حقيقة وعلي ارض الواقع وبين الجندي الأمريكي المتمثل في رامبو الذي تغلب علي الجنود الروس في الفيلم .

ولكن الأمريكان لم يقبلوا المساواة في القوة مع المجاهدين الأفغان , فعملوا علي أن يقدموا نموذجًا مضخمًا للجندي الأمريكي ' رامبو ' بحيث يتهاوي أمامه الأفغاني , وعندئذ تتلاشى صورة هذا المجاهد من مخيلة المشاهد , لذا كانت الأحداث كلها منصبة علي إبراز قوة ' رامبو ' دونما إشارة إلي قوة المجاهدين الأفغان اللهم إلا في المشهد الأخير حيث يقوم المجاهدين الأفغان بمساعدة رامبو في تحقيق النصر علي الجنود الروس وإنقاذ الضابط الأمريكي المأسور.

وفي الختام يعود كاتب السيناريو إلي الخرزة الزرقاء , فبينما يلملم ' رامبو ' حاجياته للعودة إلي أمريكا يقف بجانبه طفل الأفغاني يبتسم له فيخلع رامبو الطوق الذي يحمل الخرزة الزرقاء - والذي أخذه من الفتاة الفيتنامية ويقدمه إلي الطفل كهدية له - وهو ما يوحي للمشاهد بان ' رامبو ' يترك هذه الخرافات لشعوب الشرق ليعيشوا بها .

ومن المندهش جدًا أن يقدم صناع هوليوود هذا لجزء من سلسلة أفلام ' رامبو ' هدية إلي الشعب الأفغاني , فتخرج اللوحة الأخيرة من الفيلم وقد كتب فيها هذه العبارة: ' هذا الفيلم

هدية من الحكومة الأمريكية إلي شعب ' أفغانستان ' مع أن هذا الفيلم لم يبرز شيئًا من مأساة الشعب الأفغاني , ولم يظهر جهادهم أو نضالهم ضد الروس , وإنما كان الفيلم استعراضًا لعضلات الجندي الأمريكي , أهكذا تكون الهدية أم أن الأمر هو الضحك علي ذقون الشعوب ؟.!

ومن المدهش جدا أيضا واللافت للنظر وعلي غير العادة خلو هذا الجزء من عنصر النساء , فلم تظهر أية امرأة فيه , والمعتاد في السينما الأمريكية اعتمادها الشديد علي النساء , ويمكن القول بأن هذا الجزء [ وهو يعد فيلمًا مستقلًا ومتكاملًا] هو الفيلم الوحيد في تاريخ السينما الأمريكية في خلوه من النساء , فهل وضع صناع هوليوود في حسبانهم المسلمين المتدينين , باعتبارهم لا يشاهدون الأفلام التي تحتوي عيل عناصر نسائية ؟ كان هذا وارد , فالأمريكان دهاه في التخطيط ولأن المستهدف الأول هنا هو المسلم المتدين الذي أبدي تعاطفًا قويا مع حركة الجهاد الأفغاني في نفوس المسلمين عامة والمتدين خاصة .

ومما يؤيد قولي الذي ذكرته في بداية المقال عن أن السينما الأمريكية الموجهة ترافق السياسة الأمريكية هو أنى سمعت مؤخرًا أن الممثل ' سلفستر ستالوني ' الذي أدي دور ' رامبو ' يقوم الآن بتمثيل فيلم عن الحرب الأمريكية الحالية في أفغانستان .

وهناك الآن استنفار في هوليوود للقيام بأفلام عديدة عن حادث 11 سبتمبر الذي قلب الموازين رأسا علي عقب , ونحن الآن بانتظار غزو فكري جديد ستبثه عشرات الأفلام القادمة في هوليوود وستكون الفكرة الأساسية في هذا الغزو تشويه صورة الإسلام والمسلمين .

عقد التسعينيات . . وعصر الهيمنة الكاملة:

شهد عقد التسعينيات سقوط الاتحاد السوفييتي , وبروز أمريكا نحو الواجهة دون منافس لها , وانتقل المجتمع الدولي إلي نظام عالمي جديد تقوده أمريكا .

والتحول الكبير الذي طرأ علي العالم أجمع جعل علي الدولة التي تريد أن تتريع علي عرش العالم أن تبذل جهودا جبارة كي يستطيع أ، تحل محل الاتحاد السوفييتي الذي كان يسيطر علي نصف المعمورة .

النموذج الثاني: فيلم ' طائرة الرئيس الأولي '.

وتأدية دور القيادة الأمريكية للعالم يحتاج إلي إقناع شعوب العالم بأحقية أمريكا بهذه القيادة , لذا كانت السينما الأمريكية تري أن من الضروري , قيامها بدور فعال في توجيه الشعوب والتأثير عليهم لإخضاعهم للقيادة العالمية الجديدة , فكان فيلم' طائرة الرئيس الأولي ' الأخطر في هذا التوجيه والتأثير , وقد اخترناه كنموذج أخر للسينما الأمريكية الموجهة .

أخرج فيلم في عقد التسعينيات , وهو من الأفلام القليلة التي تناولت - بقوة - الهيمنة الأمريكية الجديدة علي العالم , بكل مفردات الهيمنة كالقوة والغطرسة والسيطرة الكاملة علي منافذ القارات الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة وأخذ دور القيادي الذي يصدر الأوامر , ويمكن القول بان مخرج الفيلم وممثليه أصابوا عصافير كثرية بفيلم واحد .

الفيلم الذي تدور أحداثه حول قيام أمريكا وروسيا بخطف أحد رؤساء الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي بعد رفض هذا الرئيس الرضوخ لهما وتهديده لهما بالصواريخ النووية التي يمتلكها منذ زمن الاتحاد السوفييتي قبل تفككه , ويتم الخطف بكوماندوز أمريكي يهبط من طائرة هيلوكبتر علي قصر الرئيس ث يوضع الرئيس المخطوف في أحد السجون الروسية .

ويحتفل الرئيسان الأمريكي والروسي في موسكو بهذا الإنجاز الكبير وخلال عودة الرئيس الأمريكي يصعد معه إلي الطائرة الرئاسية مجموعة من الصحفيين المزيفين , وهم كوماندوز تابع للرئيس المخطوف , يريدون القيام بعملية خطف مضادة للرئيس الأمريكي لإجبار روسيا علي إطلاق سراح الرئيس المسجون , وحينما تحلق الطائرة في السماء يقوم هؤلاء الصحفيون باختطاف الطائرة الرئاسية , ويحاولون الوصول إلي غرفة الرئيس الأمريكي ولكن حرس الرئيس ينجحون في تهريبه , وذلك بوضعه في صندوق خاص لإسقاطه من الطائرة للهبوط إلي الأرض عن طريق المظلة التي تحمل الصندوق , ويسقط الصندوق من الطائرة , ولكن الرئيس الأمريكي كان قد خرج من الصندوق قبل انفصاله عن الطائرة دون علم الحرس بذلك , ويدخل في مخزن الطائرة الخاص بالحقائب ويختفي هناك , فيكتفي الخاطفون بحجز زوجة الرئيس الأمريكي وابنته اللتين كانتا برفقته بعد أن علموا بهروب الرئيس , وبعد ذلك تتم المفاوضات بين الخاطفين والإدارة الأمريكية في واشنطن , وخلال هذه المفاوضات يخرج الرئيس الأمريكي من مخبئه ويحاول القضاء علي الخاطفين الذين يحتجزون زوجته وابنته وطاقم الطائرة كله , ولكنه يفشل في مهمته ويقع في أيدي الخاطفين , فيطلبون منه التحدث مع الرئيس الروسي لإطلاق سراح الرئيس المسجون , وخلال عملية إطلاق سراح الرئيس يقوم الرئيس الأمريكي بحركات بهلوانية في محاولة للتخلص من الخاطفين وينجح في ذلك ويقضي عليهم ويتصل مباشرة بالرئيس الروسي ويطلب منه استرجاع الرئيس المسجون الذي كاد أن يصعد إلي الطائرة للعودة إلي بلاده , وعندها يطلق حرس السجن النار عليه ويردونه قتيلًا .. وبذلك تفشل عملية اختطاف الرئيس الأمريكي , وفي الوقت نفسه يقتل الرئيس الذي خطف في البداية وينتهي الفيلم .

وقد أراد صانعوا الفيلم أن يكون الرئيسان الأمريكي والروسي في داخل الفيلم هما نفس الرئيسين في الواقع أي ' بيل كلينتون وبوريس يلتسن ' اللذين كانا يترأسانأمريكا وروسيا في زمن إخراج الفيلم , فكما نعلم أن ' كلينتون ' لديه زوجة وبنت , وكذلك ظهر في الفيلم وظهر ' الرئيس الروسي' في الفيلم سمينًا كما هو حال ' يلتسين ' مما يوحي للمشاهد بواقعية الأحداث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت