فهرس الكتاب

الصفحة 2291 من 3028

وسوف أتحدث عن نموذجين للسينما الأمريكية يبرزان بوضوح معالم الغزو الفكري لهذه السينما النموذج الأول خاص بفترة الثمانينيات , والنموذج الثاني خاص بفترة السبعينيات , والنموذجان لعبا دورًا خطيرًا في تغيير بعض المفاهيم التي سادت في هذين العقدين .

وكون معظم رواد السينما في العالم من فئة الشباب , فإن السينما الأمريكية تكون قد أصابت في المقتل كما يقولون .

-النموذج الأول . . فيلم ' رامبو ' المكون من ثلاثة أجزاء .

كل جزء من هذا الفيلم له هدف يختلف عن الجزأين الآخرين و ' رامبو' اسم لبطل الفيلم , ويقوم بأداء الدور الممثل ' سلفستر ستالوني ' و' رامبو ' جندي أمريكي عائد من حرب الفيتنام يحمل كل مرارة الهزيمة التي لحقت بالجنود الأمريكيين من قبل الشعب الفيتنامي المقاتل .

* الجزء الأول .. يعتبر هذا توطئة وتمهيدًا للجزأين الثاني والثالث , وتجري أحداثه علي الأرض الأمريكية من خلال حوادث فردية تقع مع ' رامبو ' وهو لا يحمل من الأهداف إلا لاستعراض العضلات وقوة الجندي الأمريكي ' رامبو' فكأن الفيلم يريد أن يقول للمشاهد إن صورة رامبو التي حملت كل معاني القوة هي الصورة الحقيقية للجندي الأمريكي , وأن هزيمة أمريكا في فيتنام كانت نتيجة أخطاء سياسية وقعت بها الحكومة الأمريكية , وليس نتيجة ضعف عسكري في الجيش الأمريكي .

*الجزء الثاني . . سيعمل ' رامبو ' في هذا الجزء علي تحطيم أسطورة القوة الفيتنامية التي هزمت الجيش الأمريكي , لأن قوة الشعب الفيتنامي كانت قد تحولت في العالم - في فترة السبعينيات - إلي ما يشبه الأسطورة , ومازالت أذكر وأنا في مرحلة الطفولة أننا كنا نغني أغاني خاصة بالانتصار الساحق للفيتناميين علي أمريكا .

وتجري أحداث هذا الجزء من خلال عودة ' رامبو ' إلي فيتنام لتحرير الأسري الأمريكيين المحتجزين في أحد المعسكرات الفيتنامية .

ويمكن أن أحصر هذا الجزء في محورين اثنين يتم خلالهما تحطيم الأسطورة الفيتنامية وإعادة رد الاعتبار لقوة الجيش الأمريكي بعدما تزعزت في أذهان شعوب العالم .

-المحور الأول: تشويه صورة الشعب الفيتنامي وقد تم ذلك من خلال الأتي:

1-الفتاة الفيتنامية التي أسند إليها دور البطولة النسائية , والتي تعمل لصالح الاستخبارات الأمريكية , حيث قامت بمساعدة ' رامبو ' بتحرير الأسري الأمريكيين , ولا يخفي علي القارئ أن دور هذه الفتاة سيوحي للمشاهد أن جزءًا من العشب الفيتنامي خائن لبلاده , حيث رضيت الفتاة وأبوها الذي قتله الجنود الفيتناميون من قبل - بالعمل ضد مصلحة الوطن .

2-معاملة الجنود الفيتناميون للأسري الأمريكيين: فقد كانت المعاملة سيئة جدًا ويمكن أن نشبهها بالبربرية , فظهر الأسري الأمريكيون بحالة مزرية جدًا , والفئران تلعب بين أرجلهم وتأكل في أجسادهم , وظهرت المعاملة السيئة أيضًا عندما وضع الجنود الفيتناميون ' رامبو ' بعد أسرة في مياه القاذورات الخارجية من الحمامات . مما أعطي صورة همجية للشعب الفيتنامي الذي لا يراعي النواحي الإنسانية للأسري .

3-القوة العسكرية الساذجة للجنود الفيتناميين وهم يطاردون ' رامبو ' فلا يوجد لديهم خبرة عسكرية ولا قوة جسدية , بالإضافة إلي خضوعهم المهين للضباط الروس الذين يسيطرون علي المعسكرات الفيتنامية .

-المحور الثاني . . إبراز قوة الجيش الأمريكي والجندي الأمريكي , وقد تم ذلك من خلال:

1.التكنولوجيا المتقدمة التي يتمتع بها الجيش الأمريكي فقد كان المعسكر التابع للجيش الأمريكي الذي انطلق منه ' رامبو ' يحتوي علي أجهزة إلكترونية حديثة , بخلاف المعسكر الفيتنامي الذي بدا حاله ينم عن عدم التكافؤ مع المعسكر الأمريكي , وهذا يطبع في ذهن المشاهد عظمة الجيش الأمريكي وهشاشة أسطورة انتصار الفيتناميين .

2.القوة الجسدية والخبرة العسكرية الفائقة التي يتمتع بها الجندي الأمريكي , وقد تجسدت هذه المعاني في شخص ' رامبو ' وهو يجابه - بمفرده مئات الجنود الفيتناميين , فهو يصطادهم كما يصطاد العصافير وتجسدت معاني القوة أيضًا في مقاومة ' رامبو ' للضباط الروس , التي انتهت بغلبته عليهم .

ومن خارج هذين المحورين اللذين تم فيهما تحطيم أسطورة انتصار فيتنام علي أمريكا والتقليل من أهمية الحرب الفيتنامية الأمريكية , يحاول كاتب سيناريو فيلم ' رامبو ' الدخول في قضية صراع الشرق والغرب , فالشرق هنا يمثله الفيتناميون الذين يؤمنون بالغيبيات والخرافات , والغرب تمثله أمريكا التي لا تؤمن بالغيبيات أبدًا , وإنما تؤمن بالقوة المادية التي تحقق لها الحياة السعيدة والآمنة .

وقد برزت هذه القضية في المشهد الذي جمع بين ' رامبو ' والفتاة الفيتنامية التي يعمل مع الاستخبارات الأمريكية , ويحسن هنا أن أنقل نص الحوار الذي جري بينهما:

يقول رامبو للفتاة بعد أن أري في عنقها طوقًا يحمل خرزة زرقاء . ما هذه ؟

فتجيبه: هذه تجلب لي الحظ الحسن .

فتسأله بدورها: وأنت ما الذي يجلب لك الحظ الحسن ؟ فيخرج ' رامبو ' خنجرًا صلبا براقا ويجيبها: هذا فترتاع من إجابته .

وكما لا يخفي علي القارئ أن الخرزة الزرقاء تعتبر من الخرافات الشائعة في منطقة الشرق كله , وهي توظف في الفيلم لترمز إلي إيمان أهل الشرق بالمغيبات دون الحاجة إلي الاعتماد الكامل علي القوة المادية التي تحمي الإنسان .

وفي نهاية الجزء تكون النتيجة مقتل الفتاة الفيتنامية وانتصار ' رامبو ' بمعني أن الخرزة الزرقاء لم تنفع الفتاة ولم تجلب لها الحظ المزعوم , وبمعني أخر أن الغيبيات التي تؤمن بها شعوب الشرق لا قيمة لها أمام القوة المادية , في حين أن الخنجر الذي اعتمد عليه ' رامبو ' في مجابهة الجنود الفيتناميين قد ساعده في الدفاع عن نفسه وجلب له الحظ الحسن كما كان يعتقد . ولا ينسي ' رامبو ' أن يأخذ الطوق الذي يحمل الخرزة الزرقاء من عنق الفتاة الفيتنامية المقتولة بأيدي الجنود الفيتناميين كتذكار منها وسوف يعود كاتب السيناريو إلي ذكر الخرزة الزرقاء ولكن ليس في هذا الجزء وإنما في نهاية الجزء الثالث .

الجزء الثالث

تدور أحداث هذا الجزء في أفغانستان , وكما يعلم القارئ أن المجاهدين الأفغان قدموا نموذجًا رائعًا في المعارك الطويلة التي خاضوها أما الجنود الروس وأعطوا السوفيت درسًا لن ينسوه , وفي الوقت نفسه لن تنساه ذاكرة الأيام .

وقد كان الجزائريون قد ذاع صيتهم في عقد الستينيات كأكبر مقاومة شعبية في تلك الفترة بعدما قدموا مليون شهيد .

وحقق الفيتناميون الصيت نفسه في عقد السبعينيات بعدما قدموا أكثر من مليون فيتنامي ذهبوا فداء لانتصارهم علي أمريكا .

والمجاهدون الأفغان هم أيضًا أخذوا الصيت نفسه في عقد الثمانينيات , وكانت أخبارهم الجهادية تغطي كافة الوسائل الإعلامية , واصبح المجاهدون الأفغان قوة إسلامية لا يشق لها غبار .

فكان لابد لأمريكا - عندئذ - أن تعمل علي تحويل هذه النظرة التي سادت في العالم إلي القوة الأمريكية فكان هذا الجزء من سلسلة أفلام ' رامبو ' .

تدور أحداث هذا الجزء حول قيام ' رامبو ' بعملية إنقاذ ضابط أمريكي متعاون مع المجاهدين الأفغان وقع في أسر الجنود الروس . . والأحداث كلها من أولها إلي أخرها حول عملية الإنقاذ , وخلال العملية يبدي ' رامبو ' قوته الهائلة في مجابهة الجنود الروس وينتصر عليهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت