وبعد ذلك أراد المهتدي بالله أن يتخلص من الأتراك الذين أهانوا الخلفاء، ولكنه لم يجد من يقف معه ويؤيده، فتكاتف الأتراك عليه حتى قتلوه شر قتلة بعصر خصيتيه ولم يكن قد أكمل عامًا واحدًا في الخلافة، وقد عدَّه كثير من أهل العلم ضمن الخلفاء الراشدين .
الخليفة العباسي المسترشد بالله:
إذا كان المهتدي بالله في عصر سيطر الأتراك فيه على الأمور ولم يجد ناصرًا ولا معينًا فإن المسترشد بالله كان في عصر لم يبق فيه للخلافة معنى ولا سلطان إلا على بغداد وما حولها فقط وباقي جسد الأمة مقطع تحت إمرة المتسلطين والمتغلبين من الأمراء والملوك، وكان عهد المسترشد بالله هو عهد سيطرة السلاجقة على مقاليد الأمور، كان المسترشد ذا همة عالية وشهامة زائدة وإقدام ورأى وهيبة شديدة ضبط أمور الخلافة ورتبها أحسن ترتيب وشيد أركان الشريعة وأحيا سننها، وكان بطلًا شجاعًا يخوض الحروب بنفسه ولم يكن الخلفاء قبله يفعلون ذلك وكان في أول أمره تنسك ولبس الصوف وانفرد في بيته للعبادة ثم صار خليفة من أشجع الخلفاء .
خرج لقتال سلطان السلاجقة مسعود بنفسه ولكن غدر به أكثر جنده فظفر به مسعود وأخذه أسيرًا فأرسل السلطان سنجر عم مسعود يأمره بالإفراج عنه فورًا ففعل ذلك، ولكن كانت هناك مؤامرة تحاك في الخفاء ضد هذا الخليفة البطل الذي زادت شجاعته إلى الحد الذي أقلق مضاجع أعداء الإسلام وعلى رأسهم فرقة الباطنية الملحدة الكافرة التي يهمها أن يبقى وضع المسلمين في اندحار واقتتال فيما بينهم فعملوا على التخلص من هذه الخليفة الذي بدا للعيان أنه سيعيد المجد المفقود للأمة فقامت مجموعة من الباطنية بالتخفي في زي الجند وعددهم سبعة عشر ودخلوا في جيش مسعود، وانتهزوا غفلة الناس ودخلوا على المسترشد خيمته وقتلوه ومزقوا جسده إلى أشلاء مما يدل على مدى حقدهم وبغضهم للإسلام، ولما وصل الخبر إلى الناس ببغداد على البكاء والنحيب، وخرج العامة حفاة مخرّقين الثياب، والجميع يبكي ويندب الخليفة البطل وكأنهم يبكون حكمهم الذي ضاع وأملهم الذي راح .
الوزير العظيم نظام الملك:
أعداء الإسلام لم يهتموا فقط باغتيال كبار الأمة من القادة والخلفاء، ولكن امتدت أيديهم الفتنة لتغتال أي شخص يبدي نبوغًا ومهارة وديانة وقوة على استعادة الحق خاصة من الوزراء الذين كانوا بمثابة الذراع اليمنى للخلفاء والملوك والسلاطين وكبير هؤلاء الوزراء هو الوزير الكبير نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق وزير السلطان ألب أرسلان وولده ملكشاه وكان نظام الملك من أهل العلم حفظ القرآن وسمع الحديث ودرس الفقه فأنشأ المدارس ونشر العدل واستعمال الرجال الصلحاء والأقوياء في خدمة الدين وقمع أهل البدعة بشدة وطارد فرقة الباطنية المنحرفة حتى ثقل مكانه عليهم وعلى أعداء الإسلام فعملوا على اغتياله وتم لهم ذلك في 10 رمضان سنة 485 هـ على يد غلام باطني تظاهر بزي مسكين يطلب صدقة فلما همّ نظام الملك أن يعطيه صدقة طعنه الكلب طعنة قاتلة أودت بحياة هذا الوزير الكبير الذي أسدى للإسلام خدمات جليلة .
السلطان ألب أرسلان السلجوقي:
الملقب بسلطان العلماء ثاني سلاطين السلجوقية التي قضت على نفو> الشيعة والروافض بالعراق وما حولها، وكان ألب أرسلان عادلًا قويًا رحيمًا شغوفًا على الرعية خاصة الفقراء، وكان يتصدق بخمسة عشر ألف ديار في رمضان كل سنة، وكان شديد الحرص على حفظ أموال الرعايا، ولقد استطاع هذا السلطان الكبير أن يقود جيشًا مؤلفًا من عشرين ألف يجاهد فقط للانتصار الباهر على الروم سنة 463 هـ في الموقعة الأشهر [ملاذكرد] وقد جاء قائد الروم بجحافل أمثال الجبال من مختلف الأجناس روم وفرنجة وترك كفار وهو يريد استئصال الإسلام وأله والاستيلاء على بلاد العراق كلها ثم الميل على بلاد الشام ثم مصر ليعيدوا كل البلاد للكفر مرة أخرى، ولكن الله عز وجل أنزل نصره على المؤمنين وكان هذا النصر أقوى مسمار في نعش الدولة البيزنطية التي طالما حاربت المسلمين، وكان هذا الانتصار كفيلًا أن يثير أعداء الإسلام ويحرك أحقادهم ودسائسهم للتخلص من هذا الذي مرغ سمعة الروم في الوحل فلم يمض كثيرًا على هذا الانتصار حتى قتل ألب أرسلان على يد أحد الثائرين عليه دون أن تذكر كتب التاريخ دوافع هذا الثائر ولما قام بفعلته الشريرة ولكنه مخطط عالمي ينتظم في سلكه أعداء الإسلام أينما كانوا ولكيفهما كانوا .
الأمير المجاهد مودود:
عندما استولت جحافل الصليبيين على بلاد الشام وخاصة درتها الثمينة بيت المقدس سنة 492 هـ وكان المسلمون وقتها في حالة من التناحر والاقتتال على السلطان بين أبناء السلطان ملكشاه السلجوقي مما أذهل الناس عن العدوان الصليبي ولما استقرت الأمور قليلًا أرسل السلطان غياث الدين السلجوقي الأمير الكبير المجاهد مودود بن زنكي أمير الموصل لمحاربة الصليبيين فجمع مودود الجموع من أقاليم الجزيرة وتوجه للشام واستطاع أن يوقع بالصليبيين هزائم منكرة واستعاد منهم حصونًا كثيرة، وبذر بذرة الجهاد من جديد وتضافر المتطوعون من كل مكان لاستعادة بيت المقدس مرة أخرى، وتصاغر الصليبيون وطلبوا إمدادات من إخوانهم في أوروبا ، وكل ذلك في سنة واحدة، ولكن ماذا حدث ؟
لم تعجب أفعال وفتوحات مودود فرقة الباطنية الكافرة الفاجرة والتي كان يهمها أن يبقى الصليبيون داخل الشام ليقوم بالدعوة لمذهبهم في حرية في ظل غياب الرقابة الإسلامية في 22 ربيع أول سنة 507 هـ وكان يوم جمعة دخل مودود مسجد دمشق لأداء صلاة الجمعة فجاءه باطني مجرم بزي سائل يطلب منه شيئًا فأعطاه مودود بعض المال فلما اقترب منه ضربه بسكين فمات من ساعته رحمه الله، والعجيب المضحك المبكي في آن واحد أن ملك القدس الصليبي أرسل رسالة إلى ملك دمشق يقول فيها [إن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها] .
الأمير المجاهد عماد الدين زنكي:
كان من النتائج الطيبة لاهتمام الوزير الكبير [نظام الملك] بالعلم والمدارس واستعمال الصالحين ذوي الكفاية استعمال الأمير عماد الدين زنكي بن أن سنقر على ولاية الموصل بإيعاز من القاضي بهاء الدين الشهروزوري فإن عماد الدين عن كفاية وحزم وأحدث طورًا كبيرًا في الجهاد الإسلامي والذي تبلور في أسمى صوره في عهده ولده نور الدين وخليفته صلاح الدين ولقد استطاع عماد الدين أن يوحد أقاليم الجزيرة في فترة وجيزة؛ لأن الجهاد الصحيح لا يكون إلا من صف واحد، وليس من صف ممزق وأهواء متباينة، وخاض عماد الدين معارك هائلة ضد الصليبيين وأخذ منهم حصونًا كثيرة مثل حصن الأثارب وقلعة حارم وقوي المسلمون بتلك الأعمال وتوج عماد الدين أعماله بفتح مدينة الرها سنة 539 هـ وكانت أقدس مدينة عند الصليبيين و>لك بعد حصار طويل وخدعة حربية ذكية جدًا حتى أنه قد رؤي له منامات صالحة بأن الله عز وجل قد غفر له بفتح الرها واستطاع عماد الدين أن يخلي منطقة الجزيرة [الواقعة بين الشام والعراق جهة الشمال] من حكم الصليبيين وشرهم .
ولكن ماذا جرى أثناء تلك الرحلة ؟ فجأة ودون أسباب معروفة يقتل عماد الدين وهو يحاصر قلعة [جعبر] التي تقع على نهر الفرات حيث عثر عليه قتيلًا في خيمته فمن قتله وكيف تم ذلك؟ لا أحد يعرف سوى أنه عثر عليه قتيلًا وقطعًا لا يقتل هذا الرجل الذي أعاد للإسلام كثيرًا من بلاده الأسيرة إلا عدوًا حاقدًا للإسلام وأهله .
السلطان العثماني عبد العزيز: