لم يعد مناسبًا حصر الخطاب الدعوي في خطبة الجمعة والمناسبات التاريخية على أهميتها, فالمجتمع من حيث المساحة يتعدى مساحة المسجد والقاعة والمنتدى، ودعوة الحق يجب أن تصل كل أصقاع الأرض ليتحقق الشهود على الناس، تلك المزية التي اختص بها هذه الأمة عن سائر الأمم: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج:78] ، والدعوة ليست وظيفة علماء الشريعة وحدهم وإنما هي وظيفة كل قادر من أبناء الأمة كل في موقعه واختصاصه وحسب قدرته.
وإذا كان منهج الدعوة وأصولها توقيفية لا يمكن تغييرها، فإن وسائلها وفقهها متجدد يلبي متطلبات كل زمان ومكان، ففي الآونة الأخيرة أصبح 'الدعاة في الفضائيات' ظاهرة اجتماعية ودعوية في كثير من مجتمعات المسلمين, وثار الجدل والنقاش حول خطاب هؤلاء الدعاة ومدى كفاءتهم وسر انجذاب الناس إليهم، ومدى أخلاقية وشرعية ظهور بعضهم في قنوات لا تقيم للشرع وزنًا في برامجها. حتمًا ستتسع المساحة الزمنية لهؤلاء الدعاة على شاشات الفضائيات في هذا الشهر الفضيل وسيرى الناس إلى جانب 'فوازير رمضان' و'خيمة رمضان' و'مسلسلات رمضان' دعاة يطلبون عليهم عبر تلك الشاشات التي تمتلئ عريًا وغناءً يدعونهم إلى الخير ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، فكيف يستقبل الناس مثل هذا الخطاب؟
بعض أهل العلم يتحفظون على الخطاب الدعوي لهؤلاء الدعاة سواء من ناحية المضمون، لاشتماله على ما يعتبرونه مخالفات عقدية أو بدع، أو من ناحية الشكل نظرًا لتقديمه عبر أوعية لا تخلو من الشبهة، لكن هناك من أهل العلم من يرى في هذا الخطاب سدًا لثغرة، وأسلوبًا جديدًا يتواءم مع تغيرات الزمن. المشاهدون أيضًا انقسموا إزاء موقفهم من دعاة الفضائيات، لكن ما يثير الانتباه أن أغلب من يميلون إليهم من الشباب الذين يعانون عطشًا معرفيًا لدينهم ولا يستطيعون الصبر على مسالك طلب العلم التقليدية، فهم لا يتقنونها ولا يملكون حتى لغتها ومن ثم وجدوا في هؤلاء الدعاة ما يروي عطشهم ويلبي تشوقاتهم الإيمانية.
وأيًا كان موقفنا من 'دعاة الفضائيات' فإنهم أصبحوا ظاهرة جديرة بالبحث والتأمل للوقوف على مزايا وتنميتها ورصد أخطائها وإصلاحها، وأول خطوات الإصلاح الفهم، فدعونا نفهم لماذا ينجذب الشباب إلى هؤلاء الدعاة؟ وما حجم استفادتهم منهم؟
في البداية يقول الشيخ عبد العظيم المطعني: 'لا نستطيع أن نطالب هؤلاء الدعاة بوقف برامجهم الدعوية والتي تخدم الدين الإسلامي بشكل أو بآخر، وذلك حتى لا نترك الساحة خالية للبرامج الأخرى، التي تقدم المواد العارية والرخيصة وتستقطب المشاهد في النهاية، فمن الأهمية أن نطالب هذه القنوات بزيادة مساحة البرامج الدعوية حتى تكون حائط الصد المناسب في مواجهة الفساد الذي استشرى في الفضائيات وفي المجتمع ككل'.
مهمة الداعية:
أما الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الإفتاء السابق بالأزهر فيضع العبء على كاهل الدعاة في تحمل المسؤولية عن هذه البرامج وعن مدى نجاحها أو فشلها في تحقيق الأهداف المرجوة منها، لأن الداعية هو المسؤول عن إثارة القضايا الجادة التي في إمكانها جذب المشاهد والاستحواذ عليه ومن ثم تحقيق التأثير المطلوب، ويرى أن القنوات الفضائية عليها تحمل جزء من المسؤولية وذلك عن طريق مراعاة الجوانب الأخلاقية في تقديم برامجها.
فلا يصح مثلًا أن تبث برامج عن الرقص والعري والإسفاف وبعده أو قبله برنامج للداعية فلاني أو علان يدعو الناس فيه إلى التقوى وغض البصر. هنا ستفقد القناة مصداقيتها ويفقد الداعية احترامه عند الناس.
الرد على مزاعم الغرب:
ومن ناحية أخرى يرى د. عبد المعطي بيومي ـ عميد كلية أصول الدين الأسبق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة ـ إن الدعوة من خلال الفضائيات لها جانب إيجابي، وآخر سلبي .. أما الإيجابي: فيتمثل في أنها تسهم في تقديم الردود المناسبة على مزاعم الغربيين ومطاعن الملاحدة والعلمانيين، كما تساهم بشكل كبير في محو الصورة التي ينظر بها الغرب إلى المسلمين وعلمائهم .. أما الجانب السلبي: فيتمثل في أن الخطاب الديني المقدم في معظم هذه الفضائيات يعاني من التسطيح والركاكة وذلك تحت دعوى تبسيط الدين، كما أن هذا الخطاب ذاته في حاجة إلى تطوير لكي يكون قادرًا على مواجهة تحديات العصر.
أما الشيخ مبارك بن فهد الخشيم عضو مركز الدعوة والإرشاد بالدمام فيؤكد أن الداعية مطالب بإيصال الخير والكلمة النافعة إلى الناس عبر وسائل وقنوات متعددة لاسيما أن المسلم مطالب بالتعرف على تفاصيل ودقائق دينه، إلا أن حرص الداعية على تعليم الناس الخير عبر الفضائيات ينبغي أن يكون محكومًا بضوابط معينة مهما كان حجم الفائدة المرجوة من القضية المراد طرحها، وعلى الداعية أن يلزم نفسه بقيود وشروط معينة حتى لا يستغل أعداء الدين الفرصة للتلبيس على الناس وإثارة شكوكهم في ثوابت هذا الدين، فينبغي على من يقرر الظهور في تلك القنوات اعتقاد أن فيه تغليب مصلحة الدعوة إلى الله على مفاسد وجود القناة الفضائية ذاتها لما يظهر فيها من مخالفات شرعية أن لا يكون في ظهوره أي نوع من الإقرار بالمخالفات الشرعية وأن لا يقبل الظهور مع امرأة متبرجة كانت أو غير متبرجة فتواجد الداعية مع مذيعة وإن كانت محجبة يعطي إقرارًا بشرعية الأمر مع أن الشريعة جعلت التعامل بين الرجل والمرأة محكومًا بضوابط وأطر شرعية لا تخرج عنها وليس كما هو الحال في الفضائيات. كما يرى ضرورة توخي الحذر من الخوض في أمور الفتوى إن كان الداعية على غير علم بموضوع الفتوى أو السؤال المطروح فما يضير الشيخ أو الداعية أن يقول لا أعرف أو أن يحيلها على شيخ آخر أعلم منه، فالإمام مالك رحمه الله عرضت عليه سبع وثلاثون مسألة ومع ذلك اعتذر عن الفتوى في عشرين منها وفي هذا العصر نكاد لا نرى هذا الإحجام.
وتقول الدكتورة عائشة السيد بيومي [أستاذة الفقه المقارن والأصول بكلية التربية جامعة الملك سعود] : يجذب الناس للدعاة في الفضائيات العلم الشرعي وتسهيل الأحكام، ومن يشعر من المشاهدين أنه يستفيد منهم لكنه يضيره ما تبثه القنوات من مواد أخرى يمكنه تحديد موعد برنامج الداعية ومشاهدة هذا البرنامج فقط. الفضائيات تبث كل شيء وأنا على الاختيار. وفي كل الأحوال فإن القناة التي يظهر فيها الداعية لجذب الناس لدينهم تستحق الشكر.
أما الدكتورة سعاد أحمد العمري [أستاذة التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة الملك سعود] فترى أن وجود الداعية في القناة الفضائية يخفف من وجود الأغاني والأفلام ومن يتابع هذه القنوات الهابطة يمكنه أن يسمع ولو كلمة من هذا الداعية. تذكره بأمور دينه.
وتشير إيمان التركي [مديرة شؤون الطالبات بجامعة الملك سعود] إلى أن ما يجذب الناس للدعاة في الفضائيات العلم الشرعي الصحيح المستند على الحقائق وجمال الأسلوب وتقول: إن المسلم في كثير من البلدان في أشد الحاجة إلى التبصير بأمور دينهم التي لا يعرفون عنها شيئًا، بل إن الدعاة أنفسهم في بعض البلدان يقعون في المخالفات والبدع مما يطرح إمكانية استخدام التلفاز في توعية هؤلاء الدعاة ومجتمعاتهم معًا.