والمطالع لأحوال المسلمين اليوم يجد أنهم في ذيل الأمم في هذا الأمر، حتى وصل الحال ببعض ضيقي الأفق ، بصد شباب الإسلام عن تعلم العلوم التقنية ، والدخول في الجامعات لدراستها ، وكأنَّ الشاب المستقيم ليس له إلاَّ كلية الشريعة ، أواللغة العربية ، والحقيقة أنَّ هذا فصام نكد بين العلوم الشرعية والعلوم التقنية الطبيعية ، فإنَّ دين الإسلام دعا إلى الأخذ بأسباب القوة التي ترعب الكفار ، وترهبهم ولا إرهاب لهم في عصرنا الحاضر بعد قوَّة الإيمان إلا بالتعلم على تصنيع الأسلحة المواكبة لعصرنا والمثخنة لأعدائنا، فمتى ينتبه دعاة الإسلام لحث طلائع البعث الإسلامي على الانتباه لهذا الأمر وأخذه بعين الرعاية.
ولنستفد من تجربة اليابان فحين رأوا أنهم قد هزموا هزيمة نكراء على يد الأمريكان ، علموا أنَّ من أسباب ذلك: عدم قدرتهم على مواجهة الأمريكان بالسلاح ، لأنهم متخلفون في هذا الميدان ، وقد سبقهم الأمريكان في ذلك بعدة أشواط ، فما كان من اليابانيين إلا أن أرسلوا البعثات للتعلم في بلاد الغرب والنهل من علومهم الطبيعية ، حتى يرجعوا إلى اليابان وينقلوا على أرضها تلك التجارب الغربية الطبيعية فتنهض دولتهم ، وحين بعثت أول بعثة يابانية إلى دول الغرب رجعوا إلى بلادهم متحللين من مبادئهم، ذائبين في الشخصية الغربية، فما كان من اليابانيين إلا أن أحرقوهم جميعًا على مرأى من الناس ليروا عاقبة من تنكر لأمته ووطنه ولم يرعى المسؤولية التي أنيطت به، وبعد ذلك أرسل اليابانيون بعثة أخرى وأرسلوا معها مراقبًا، يتابعهم أولًا فأول من ناحية ثباتهم على عقيدتهم ومثلهم الوثنية ، وانهماكهم في استقطاب الأفكار والمعلومات الغربية التكنولوجية وتطبيقها في أرض الواقع حتى يرجعوا لليابان ويفيدوا دولتهم الناشئة ، وتمض الأيام وتكون اليابان بعد سبعين سنة من أكبر منافسي أمريكا وأوربا في مجال التصنيع التقني والذي منه تصنيع الأسلحة الثقيلة ، فهَلَّا يستفيد المسلمون من تجارب غيرهم ،؟! عسى أن يكون قريبًا..
ولنعقد مقارنة بسيطة ، فمن المعلوم قطعيًا أنَّ الكفار ضيعوا أسباب نصرة الله المعنوية ، وهي الإيمان بالله والإيمان برسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ ولكنهم أبدعوا وبرعوا في صناعة الصواريخ والمتفجرات وأسباب النصرة المادية.
ونعلم كما قدَّمت قبل قليل أن المسلمين ـ إلا من رحم الله ـ نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وابتعد كثير منهم عن طاعة الله ورسوله، وأسباب النصرة المعنوية التي تكفَّل الله لمن طبقها من المسلمين بالصرة والتأييد، ولو كانت قوتهم العسكرية، وأسبابهم المادية أضعف من الكفار.
وأيضًا فإنَّ المسلمين ضيَّعوا أسباب النصرة المادية فأين هي القنابل الذرية ، والمتفجرات النووية، وأين الأسلحة والعتاد ، فلم يسمع لها صفيرًا ولا همسًا.
وعليه فإنَّ المنطق العقلي السليم يحكم بالانتصار لمن كانت عنده القوة والأسباب المادية ولو كان مضيعًا للأسباب المعنوية على الذي ضيَّع الأسباب المادية والمعنوية التي تحقق النصر والتمكين.
ولذلك انتصر الكفار على المسلمين الذين ضيعوا أوامر الله فنساهم سبحانه وضيَّعهم ، لذا قال عمر بن الخطَّاب- رضي الله عنه لقائده- [إنَّما ننتصر بمعصية عدونا لله وطاعتنا له فإذا استوينا في المعصية كانت لهم الفضل علينا في القوة] فمتى يستقيم الظل والعود أعوج؟!!
وقد يتساءل البعض كيف يتمُّ لنا الاستعداد وعندهم الآن صواريخ عابرة القارات ، والأسلحة الذكية، والقنابل النووية والكيماوية والجرثومية والذريَّة ، فنحن كما قال الشاعر عن الكفار:
استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا
والجواب: أن الله ـ عزَّ وجلَّ ـ لم يطلب من عباده المؤمنين مكافئة أعدائهم الكافرين بالعتاد والسلاح ، بل طلب منهم إعداد القوة بشرط أن تكون هذه القوة مرهبة للكفار ومثخنة لهم، ومع الإيمان والصدق والصبر ومعيَّة الله لعباده المجاهدين يتنزل النصر عليهم بالمدد الإلهي ، و من حيث لا يعلمون.
وما حوادث المجاهدين الأفغان وإسقاطهم للدب الروسي الأحمر وقد كان أقوى قوة أرضية تحكم العالم ما كان ذلك إلا دليلًا على أنه لا يشترط في قتال الكفار مكافئتهم بالعدة والعتاد ، ولا ننسى قصة أبطال الفلُّوجة الذين قاوضوا العتاد الأمريكي وأرغموهم على الانسحاب من هذه المدينة مع أنَّ المجاهدين هناك لم تبلغ قوَّتهم المادِّية عشْر معشار قوة جيش التحالف الصليبي ، وهذا أمر معلوم.
إنَّ العدة والعتاد ولو كان قليلًا إذا اصطحب مع الإيمان الحق ، والإرادة الصادقة فإنَّه لا تقف أمامه أيُّ قوَّة ، وقد قال الله [إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين] الأنفال [66]
وحين يتجذر مثل هذا في قلوب الصادقين ، فإنَّهم خلال مناوراتهم الحربية ، وتطلعاتهم المستقبلية لتحرير الأراضي المنكوبة ، سيحاولوا أنْ يفجروا من الحجر نارًا، ولو كانت أساليب بدائية ، فإنَّه كما قيل: الحاجة أم الاختراع ، ومع مرور الزمن تتطور تلك التقنيات البدائية ، وتنمو الأفكار التصنيعية للأسلحة والصواريخ ، وما مقاومة إخواننا في فلسطين الأبيَّة عنَّا ببعيد فقد بدأوا بقتالهم لليهود بالحجر والسكين ، ثمَّ بالمقلاع وقنابل المولوتوف ،إلى العمليات الاستشهادية،إلى حوادث تلغيم الأراضي التي سيمر عليها اليهود بسيَّاراتهم ودبَّاباتهم،إلى صواريخهم المباركة المسمَّاة بصواريخ قسَّام [1] وقسَّام [2] ، وصاروخ البتار والذي صنِّع ليكون مضادًا للدبابات ، زادهم الله قوة ومددًا.
وصدق المولى ـ عزَّ وجل ـ إذ قال: [والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين] العنكبوت [69]
وفي قراءة سبعيَّة [والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضلَّ أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنَّة عرَّفها لهم] محمد [4ـ5ـ6]
إلَّا أنَّ المأساة الحقيقية في أنفسنا فكثير منّاَ لم تتعمق لديه تلك المبادئ ، أو تجده يعلم ذلك ولكنَّه يتضاءل عند تلك المعاني الرفيعة، ولا يحاول أن يستعلي بنفسه عن دونية الأرض ويحلق في سماء العزِّ والعزم.
يقول بن جوريون في عام 1949م [ كل ما يحيء به العلم الحديث لا يكفي وحده لكسب الحرب. ولن تكون الكلمة الأخيرة ، للدبَّابة ولاللمدفع ولا للطائرة المقاتلة. إنَّما تكون للإنسان الذي يُسخِّر هذه الوسائل لإرادته] بواسطة [درس النَّكبة الثَّانية... لماذا انهزمنا... وكيف ننتصر] للدكتور/ يوسف القرضاوي صـ68 .
وصدق عباس العقاد بقوله: [ كثيرًا ما يكون الباطل أهلًا للهزيمة ولكنه لا يجد من هو أهلًا للانتصار عليه] الفصول صـ239بواسطة في البناء الدعوي للشيخ / أحمد الصويان صـ36.
أخيرًا، لا يريد الكفار إلا غفلتنا عن هذه الأسباب المادِّيَّة ليحكموا الطوق علينا بقوة ، ويستولوا على كامل أقطارنا الإسلامية ، وقد بيَّن الله ـ سبحانه ـ ذلك بأحسن بيان فقال: [ ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة] النساء [102] فمتى يستفيق عقلاء القوم ؟!
[3] [ ولتسألنّ َعمَّا كنتم تعملون]
إنَّ مما ينبغي على المتطلع لنصرة هذا الدين أن يستشعر المسؤولية الفردية التي كلَّفه الله بها ، فإنَّه محاسب على كل تقصير اقترفه في حق نفسه وأمته.